• 11:49 مساءاً
logo




موسوعة كاملة عن الكبت

إضافة رد
عضو برونزي
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 2,449
معدل تقييم المستوى: 13
وليد 85 is on a distinguished road
12 - 12 - 2009, 07:40 PM
  #1
وليد 85 غير متواجد حالياً  
افتراضي موسوعة كاملة عن الكبت
الكبت وكل ما تريد معرفتة في اثاره على النفس

مصطلحات نفسية: الكبت

الكبت: Repression
شبكة النبأ: آلية دفاع للأنا تُطرح بواسطتها وتظل خارج ساحة الشعور عواطف، وأفكار، وذكريات، مرتبطة بدافع غير مقبول.
الكبت ظاهرة لا شعورية. وينبغي أن يميز من القمع، فعل شعوري وإرادي يتخلى الفرد بواسطته عن رغبة تدينها أخلاقه الشخصية. والكبت لا يُمارس على الحالة الانفعالية ولا على الدافع، بل على امتثال هذا الدافع. فالمرفوض إنما هو ترجمة الدافع إلى كلمات وأفكار أو صور. والعناصر غير الممثلة (الـ"مكبوت")، الباقية في اللاشعور، مزودة بدينامية كبيرة وتنزع دائماً إلى أن تتوصل إلى الوعي، الذي مناله ممنوع عليها. وهي تفلح في ذلك عندما يضعف التيقظ، وتكون الهبة الدافعية معززة (في ظل التأثير البيولوجي)، وعندما تذكر الأحداث الحديثة بالعناصر المكبوتة، الخ. فكل نتاجات اللاشعور، بدءاً من الحلم وزلات اللسان والقلم، حتى النكتة والعرض العصابي يمكننا اعتبارها تكوينات تسوية، أي نتيجة نزاع بين الرغبة اللاشعورية والدفاع. وتظل الأنا مجندة باستمرار بغية إبقاء المكبوت وفسائله خارج حقل الشعور. والوسيلة الأنجع التي تحوزها الأنا لتكافح عودة المكبوت هي التوظيف المضاد. وتقيم الأنا، بهذه السيرورة من توظيفات الامتثالات أو الاتجاهات المختلفة للعناصر المكبوتة، مانعاً لظهور دوافع لا شعورية في الشعور (أو في القدرة على الحركة). مثال ذلك أن الرهاب من حيوان لا يأتي مكان اتجاه ليبيدي إزاء الأب، مرتبط بالخشية منه، أو أن اتجاه الحماية المغالية لدى أم يحجب عدواتها لابن غير مرغوب فيه.
والكبت إجراء دائم يقتضي صرف طاقة مستمر. ونجده عاملاً، على وجه الخصوص، في الهستيريا، ولكننا نجده عاملاً أيضاً في الأمراض النفسية الأخرى وفي السيكولوجيا السوية. ويحتل مفهوم الكبت مكاناً أساسياً في نظرية التحليل النفسي؛ إنه يكوّن، يقول س. فرويد، (حجر الزاوية في فهم الأعصبة).
المعجم الموسوعي في علم النفس
نوربير سيلامي
متعلقات
كبت(1)
يعتبر الكبت أساس الحيل الدفاعية جميعا, فكلنا نلجأ إليه بمقدار و عن وعى و إرادة, و لكن إذا أسرف الفرد في الالتجاء إلية كحل لمشكلاته و رغباته أنتقل به إلى حالة المرض و من ثم الوقوع في سلوكيات غير طبيعية. قالكبت المتصل يمنع الفرد من مواجعة مشاكلة مواجهة موضوعية و بالتالى عدم حلها
و في كثير من الحالات تحاول الدوافع و الحاجات المكبوتة التعبير عن نفسها بطرق ملتوية لا شعوربة قد توقع الأنسان في الخطا أو الجريمة أو الأمراض النفسية, كما قد يظهر الشيء المكبوت فجأه فيحطم سدود الكبد كالنهر الجارف و يصبح القشة التى قضمت ظهر البعير, فقد يرتكب الأنسان جريمة لأسباب تافهة بسيطة
الكبت النفسي للاطفال(2)
يعتبر علماء النفس ان الشخصية الغير قادرة على ابداء مشاعرها وتعيش حالة من الكبت هي شخصية غير سليمة تحتاج الى علاج -
فماهو الكبت وماهو مخاطره؟
هناك حالات يعيشها الانسان في حياته اليومية في حالة من التبدل والتغير من غضب وضيق وحزن وخوف وفرح وسرور---الخ
والمعروف عن الطفل انه في سنته الاولى يشهد تطورا كبيرا في تعبيراته الوجدانيه المختلفه ويتسم اظهارها عادة بالحدة والعنف وعندما يبلغ سن الخامسة او السادسة تجده يميل الى كبت مشاعره ولايعترف بها سوى الى الشخص الذي يثق به فقط سواء كان الاب اوالام اوغير ذلك
لذا من مهام الاب والام في تربيتهما للطفل تعليمه وتدريبه على التعبير والافضاء عما يجول في نفسه من مشاعر طيبة او غير طيبة
فلو كانت غير طيبة كمشاعر خوف او قلق يكون التعبير عنها متنفسا صحيا له لاخراجها من نفسه والتخلص من ضغوطاتها وان عدم البوح بها وكبتها يعني تركه يعيش الام نفسية صعبة يكون اثرها على شخصيته المستقبلية انه غير قادر على العبير ولا المحادثات الكلامية فيفشل في المهام المعتمدة على طلاقة السان ويفشل في تكوين صداقات نافعة واذا كان زوجا لايعرف فن التعبير عن حبه او اعجابه بمحبوبته او لايحسن التعبير عن استيائه
ولاشك ان للتربية الاسرية دورا كبيرا في هذا المجال كما ان هناك اساليب خاطئة يقوم بها بغض المربين يكون نتيجتها طفل يسبح وحده فالم مجهول ومن ثم شخص متبلد المشاعر والاحاسيس 0
من هذه الاخطاء:
1) يتحدث بعض الاباء اوالامهات بصورة انفعالية شديدة اللهجة بصفة دائمة متكررة فتتحول الى عادة في ابنائهم 0
2) يعتبرالاباء تعبير ابنائهم عن عواطفهم ومشاعرهم الخاصة سلوكا سلبيا فتجد الاب دائما يقول لابنه (اسكت لاتتكم او لاتكثر الكلام او خليك رجل او كوني مهذبة)فهذا يرسخ في اذهانهم ان التعبير عن العواطف هو نوع من الضعف او شيئ يسيئ الى الشخصية0
3) لايطلب من ابنائه التعبير عن عواطفهم كتابة في المناسبات كان يرسل بطاقة تهنئة الى صدية او كلمة رقيقى اللى مريض0
4) السخرية من مشاعر الابناء حين يعبرن عنها واعادة روايتها بشكل استهزائي سافر مما يجعل الطفل ينظر الى شخصيته انها محتفرة0
اخيرا نؤكد على ان التنشئة الاجتماعية للاطفال تتوقف الى حد كبير على اساليب الدعم والتشجيع ليكرر الطفل الفعل ويعتاد عليه0
لكبت والقمع: هل هما عوامل قوة ام ضعف في الشخصية ؟(3)
تكاد تتفق معظم مدارس علم النفس الحديث واتجاهاته مع رؤية التحليل النفسي حول آلية الكبت واستخداماتها عند اي من البشر , سواء في الموقف النفسي الضاغط او مواقف اخرى في حياتنا اليومية , فميكانزم الكبت يساعد البعض منا في مواقف الحياة مثل كثرة الضغوط والاحباطات والصراعات النفسية ، ويحاول ان يعيد التوازن لنا . فالكبت "كحيلة دفاعية" يستطيع ان يستبعد الدوافع والافكار والصراعات والذكريات المثيرة للقلق من حيزالشعوروالادراك الى عالم آخر من التجاهل وعدم الادراك وهو اللاشعور وحينما يتم الكبت فأن الفكرة المعزولة لاتدخل نطاق الشعور على الرغم من انها تؤثر في السلوك .
احياناً يشعر البعض منا بوجود الكبت لديه من خلال تخلخل بعض انماط الذاكرة او فقدانها او كثرة النسيان او حتى النسيان السريع لبعض الاشياء المهمة والموجودات التي نتعامل بها يوميا وبعض الحاجيات التي يكثر فقدانها اثناء وجود ازمة او مشكلة غير محلولة لدينا , او حالة التشتت الذهني الذي يلازم البعض منا اثناء وجود مشكلة صعبة فضلا عن شرود الذهن المستمر والبال المشغول وازاء ذلك يمكننا ان نفسر هذه الاعراض و الافعال بوجود دليل على الكبت .
كــما ان الكـبت يمكن ان يحدث تحت ظروف مثل ظروف الصدمة الشديدة او الازمة النفسية المؤثرة ويرى عالم النفس الشهير ومؤسس التحليل النفسي "سيجموند فرويد " ان عملية نسيان الاسماء ونسيان الافراد والاماكن المثيرة للقلق ( كنسيان اسم المحب المنافس مثلا ) يعزى هذا كله الى الكبت ويعتقد (فرويد) ايضا ان الناس تكبت الاحلام لانها تمثل رغبات لاشعورية مثيرة للقلق وازاء ذلك يمكننا تعريف الكبت بانها عملية عقلية لاشعورية يلجأ اليها الفرد للتخلص من شعور القلق والضيق الذي يعاني منه بسبب الصراعات التي تنشأ لديه من خلال عوامل متضاربه مثل القيم والاهداف في نفسه , وبهذه الطريقة يستطيع اي منا حينما يتعرض للضغوط المتزايدة او الازمات الشديدة او الصراع النفسي الداخلي ان يبعدها عن ادراكه الشعوري لاسيما ان رغباته ودوافعه وحاجاته تتعارض مع القيم السائدة في المجتمع .
كل منا يبحث دائما عن حالة الهدوء النفسي والعقلي ويبحث عن الاستقرار النفسي , مثل هذا الاستقرار والهدوء ضرورة ومطلب يحتاجها جهازنا العصبي الداخلي وهذا الجهاز – العصبي النفسي – لايحتمل الاثارة الدائمة الناتجة عن الصراع غير المحسوم والضغوط النفسية اليومية المتزايدة كما انه لايحتمل الفشل الدائم والاخفاق في ارضاء التسوية الناجحة بين متطلبات النفس الداخلية والمثيرات الخارجية التي تتوارد عليها , ومن المعروف لدينا جميعاً ان اشتداد الضغوط والضيق والكرب والازمات الشديدة المختلفة المصادر علينا تجعلنا ننسى ويشرد ذهننا , ويقول علماء التحليل النفسي ان النسيان يكون دائماً بسبب شئ يؤذي مشاعرنا وهوبنفس الوقت كما يقول عالم التحليل النفسي المصري الشهير( مصطفى زيور) ان النسيان ضرب من الفرار ووسيلة لتفادي الالم سواء اكان الالم متصلا بما نسي اوكان نتيجة محتومة اذا نحن اعترفنا لانفسنا بما نكره او نعترف به , فأنت عندما تنسى ميعاداً ضربته لصديق , فذلك لانك تكره ان تعترف لنفسك انك راغب عنه. ويؤلمك ان تفطن الى ذلك .
ان النسيان ينشأ من وجود تيار من الخواطر خفي يحجر على الذاكرة ويعتقل الذكـــريـات. فالكبت يحيد الذكريات المؤلمة بالدرجة الاولى ويحيد الصراع الناشئ عنها ويحاول قدر المستطاع ابعادها ونسيانها وبهذا تظل بعيدة عن حدود التأمل والتذكر مما يجنب الفرد الشعور بالقلق الذي يتولد من بقائها في حيز الشعور " الوعي " بشكل ظاهر .
اذن الكبت عملية لاشعورية " غير واعية " لكنها تبدأ واعية وتحتّمها مقاومة نفسية داخلية من الفرد واهمها النواهي والممنوعات والمحرمات وما يتعارض مع قيم الفرد او المجتمع ، فالطفل يتعلم كيف يكبت مشاعره غير المقبولة من قبل ابويه ويحاول كبحها او منعها بعد ان يتم تعليمه ان هناك ممنوعات ومحرمات لايمكن ان يمارسها مثل الاعتداء على الاطفال الاخرين او الكذب او التبول في الفراش او السرقة وما الى ذلك من السلوكيات غير المرغوبة , وحينما يتعلم كبتها تصبح لاشعورياً بعد مقاومتها غير ان البعض منا يظل محتفظا ً بقدر واسع من الوعي ويظل متمسكاً ببعض السلوكيات وهوكبير , فهو يحمل رفضاً لسلوكيات معينة لكنه يمارسها مجبراً ورغماً عنه كما هو الحال لدى بعض المقامرين او مدمني الكحول او ممارسة السرقة وهم كبار او اللجوء الى الكذب في اغلب الاحيان .
يقول علماء النفس ان الخبرات المكبوتة لاتقتصر على الدوافع المتضاربة التي يتعذر تصريفها او حلها وانما يكبت معها الشعور العاطفي الناجم عن الفشل في تحقيقها سواء كان هذا على شكل الم او غيظ او خوف او قلق . اطلق علماء النفس تسمية الخبرة المكبوتة وما ا تصل بها من مشاعر وعواطف مفرحة او مؤلمة بالعقدة النفسيةComplexوهذا يعني كبت العقدة بابعادها عن حيز الشعور والوعي الى اللاشعور وهذا لايعني انها (العقدة) فقدت قوتها ونسيت عوامل نشأتها ومحركاتها في البداية اي منذ نشأتها ، بل انها تظل كامنة مع الالم الناتج عن الفشل وتظل محتفظة بالقوة الفعالة تحت ستار ظاهري من الهدوء وبذلك فهي تحدث اثراً عميقاً في النفس وخصوصاً في الشخصية وتنعكس مظاهر الكبت بشكل واضح في السلوك وعلى طبيعة التعامل مع الاخرين وتؤثر حتى الافكار والمعتقدات والقيم المعنوية والروحية للفرد .
ان عملية الكبت تخدم في البداية عدة اغراض ووظائف نفسية داخلية للفرد وخصوصاً في مرحلة الطفولة حيث تبعد الطفل عن العقوبات المتوقعة من الام او الاب لو انه فكر بأشياء غير مقبولة او مارس افعال لايرضاها الابوين حينها يلجأ الى الكبت خوفاً من العقاب , كما ان آلية الكبت تساعد في تبديد وتسريب الالم الناتج عن الفشل في ارضاء الرغبات وهي الى جانب ذلك تخدم اغراضاً اخرى منها الاغراض الاجتماعية مثل تنظيم سلوك الطفل وحياته بما يتوافق ضمن قيم المجتمع المتعارف عليها ولكن يحّذر علماء النفس التحليلي من الاستخدام المفرط لآلية "ميكانيزم" الكبت فهو يؤدي الى حالة ادمان نفسي على هذا الميكانيزم, فهو صحيح يعيد التوازن لفترة ولكن ليس دائماً بالضرورة اللجوء اليه , فهو يصبح قاعدة يرتكز عليها السلوك في تبرير اي شئ ومتى حدث ذلك فأن الطفل يكتسب حالته من التغير النفسي الذي لايسمح له بالتصرف الطبيعي حتى بالرغبات المسموحة والممكن تطبيقها وكذلك الحال بالنسبة للشخص الراشد .
عملية الكبت تكون دائماً في البداية وسيلة وقائية للمحافظة على التوازن النفسي للفرد من الداخل والتوافق بينه وبين متطلبات المجتمع من الخارج وتؤدي هذه العملية " الميكانزم " وظيفة خدمية جيدة في احيان كثيرة ولكن ليس دائماً وخصوصاً اذا ما استخدمت ضد الرغبات والخبرات المؤلمة المكبوته لفترة طويلة ووضعت تحت القيود القاسية وبمرور الوقت والزمن تخلق هذه المكبوتات حالة من القلق والاضطراب تضّر بالتوازن النفسي للفرد وعليه فأن هناك ما سمي بالكبت الناجح الذي يجعل الفرد متمتعاً بصحته تماماً مع قدرة ملحوظة على تحييد الصراع والضيق وعدّه علماء النفس التحليلي فعلا ناجحاً من افعال الكبت , هذا اذا استخدمت معه بعض الاساليب في تخفيض التخييلات المؤلمة او المطالب الجامحة للنفس غير المقبولة اجتماعياً .
ا ن العملية النفسية تصبح اكثر تعقيدا في حالة الفشل في الكبت وهو ما سمي بالكبت غير الناجح , اما في حالة الكبت الناجح فيؤدي الى تسوية موفقة بين متطلبات الشخص الخاصة والقيم السائدة في المجتمع والتي تتعارض مع رغباته احياناً , تسوية ناجحة مع هذه المطالب الخارجية والرغبات الداخلية وبذلك يتم تحقيق الصحة النفسية المتوافقة وعليه يمكننا ان نؤكد ان كل انسان يكون في حقيقة الامر في حالة مستمرة من الصراع الكامن , وطالما كان عليه ان يواجه دوماً حالات الضيق والضغوط الحياتية في حياته فلابد ان يجد الحل المنسجم لهذه الصراعات والازمات والضغوط , وهو امر يتعلق بشخصيته ولكل فرد اسلوبه الشخصي المميز في مواجهة الاحباط السوي والضغوط والازمات التي يمكن مواجهتها وحلها .
اما القمع فهي عملية شعورية " واعية " يمكن ان يتحكم فيها الانسان تحت اية ظروف وتحت اية مواقف حياتية وله القدرة في قمعها او ايقافها بشكل واعي وله القدرة ايضا على تحجيمها ووضعها بعيداً عن الذهن عن عمد , فهي عملية دفاعية ولكنها عملية مفهومة فهماً دقيقاً .
خلاصة القول ان عمليات الدفاع " ميكانيزمات " دفاعية يلجأ اليها الناس لحماية انفسهم ويستخدمها الافراد لتشويه وتزييف الافكار والخبرات والدوافع والصراعات التي تمثل لهم تهديداً . وسؤالنا الاخير : هل تساعد الاليات الدفاعية الافراد ام تضّرهم على المدى الطويل ؟
بين الكبت والقدرة علي الافصاح - بدائل الشارع العربي(4)
أكثر ما يلفت الانتباه عند الحديث عن (الشارع العربي) هو سؤال: أين (الشارع العربي)؟ وكأنَّ هذا (الشارع) هو فعلاً جسم قائم بذاته، وهو الآن في عداد المفقودين!!
الشارع العربي الجاري البحث عنه ليس هو شارعاً بالمعني الحرفيّ للكلمة حتي تتمَّ محاولات الاستدلال عليه أو البحث عنه في الخارطة العربية. (الشارع العربي) بالمعني السياسي هو حالة تحرّك جماهيري عربي تتّصف بالشمولية الحركية، وبالوقوف خلف قضيةٍ واحدة، وبوضوح الهدف المطلوب إنجازه. فهل تتوفّر الآن هذه العناصر في المنطقة العربية بحيث تحدث حركة جماهيرية عربية واحدة؟
لقد خرجت عشرات الألوف من الجماهير العربية إلي الشوارع منذ حوالي عامين لتؤكّد دعمها للانتفاضة الفلسطينية وتضامنها مع الحالة الشعبية الفلسطينية المقاومة للاحتلال الإسرائيلي. وكان هذا التحرّك الشعبي العربي الواسع هو الأول من نوعه منذ حوالي ربع قرنٍ من الزمن.
فحركة الجماهير العربية منذ عامين كانت صدًي لما قام به الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال. لكن الجماهير العربية لا تخرج من تلقاء نفسها إلي الشوارع ما لم تكن هناك نقطة جذبٍ لها تدفعها للحركة وللتفاعل الحيوي معها.
فأين هي الآن نقطة الجذب العربية؟ وهل هناك إمكان للفصل بين (القضية) و(القيادة) و(الأسلوب)، وهي عناصر جذب الجماهير العربية للتحرّك في الشوارع؟
حينما تخرج ألوف من الناس للشوارع في أوروبا وأمريكا وأوستراليا ضدَّ العولمة أو ضدَّ الحرب علي العراق، فإنّها تفعل ذلك ارتباطاً بقضيةٍ واحدة تجمعها، وخلف قياداتٍ حركية سياسية فاعلة، ووفق أساليب محدّدة في الزمان والمكان والهدف المنشود. وقبل ذلك كلّه، فإنَّ هذه المسيرات الشعبية في دول الغرب هي جزء من ممارسة حقوق المواطن التي نصّت عليها دساتير هذه الدول، وهي أيضاً أداة من أدوات التعبير السياسي لقوًي اجتماعية فاعلة في المجتمع المدني الغربي. فهل هكذا هي الحال في المنطقة العربية؟ وهل تتوفَّر في معظم البلاد العربية هذه الحدود الدنيا من حقوق المواطنة والتعبير السياسي؟ طبعاً لم تكن المنطقة العربية في الخمسينيات والستينيات أفضل حالاً بكثير ممّا هي عليه الآن لجهة مسألة حقوق المواطنة والتعبير السياسي، لكن المنطقة العربية كانت موحّدة في ولائها السياسي خلف القيادة الناصرية لمصر، وكانت القضايا العربية أكثر وضوحاً في وجدان الإنسان العربي، وكانت أدوات التحرّك السياسي والمنظمات الحزبية أكثر التصاقاً بالقطاعات الشعبية.
قضية كبري
الجماهير العربية تحرّكت وتتحرّك حين تكون هناك ثقة بأنَّ حركتها هذه ستؤدّي إلي تغييرٍ نحو وضعٍ أفضل، وبأنَّ قيادتها لن تخذلها أو توظّف حركتها لصالح قضايا ومصالح فئوية علي حساب القضية الكبري والمصلحة العامة.
ولعلّ هذا ما يفسّر كيف كانت حركة الشارع العربي زاهرةً ونابضة في الخمسينيات والستينيات، وكيف أنَّها ركدت وخبت في الربع الأخير من القرن الماضي بعدما تحوّلت القضية العربية المشتركة إلي (قضايا عربية متصارعة)، وبعد أن اشتعلت أكثر من حربٍ أهلية عربية في أكثر من مكان، وبعد أن شاخت حركة المنظمات السياسية القومية أو اتجهت في مساراتٍ فئوية ومحلية.
أيضاً، هذا ما يفسّر كيف كانت هبَّة الشارع العربي في نهاية عام 2000 تضامناً مع الشعب الفلسطيني، وهو العام الذي شهد إجبار المقاومة اللبنانية لإسرائيل علي الانسحاب من الجنوب اللبناني، كما شهد هذا العام إعادة انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي، وبشكلٍ مستقل عن إرادة القيادات الفلسطينية المعتمدة لأسلوب التفاوض فقط مع العدو الإسرائيلي.
لكن موقف (الشارع العربي) اصطدم مع مواقف القيادة الفلسطينية التي اختارت التأكيد من جديد اتفاقياتها مع إسرائيل، وتأكيد مطلب وقف المقاومة ضدَّ الاحتلال (مع إدانة عمليات المقاومة !!)، والعودة إلي صيغ مشاريع الحلول المرحلية.
فوقَعَ (الشارع العربي) من جديد أسيرَ قيود حكوماته علي حركته، وأسير عدم تقيّد القيادة الفلسطينية بنهج المقاومة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي.
الأمر نفسه حصل ويحصل في المسألة العراقية، حيث تبرز مشكلة عدم الثقة بالقيادة العراقية وبأساليبها، برغم ما يراه الإنسان العربي من عدم عدالة دولية وأمريكية تحديداً في التعامل مع المسألة العراقية.
وهكذا نجد قضيةً فلسطينيةً عادلة في مواجهة ظلم الاحتلال، لكنّها أيضاً في ظلِّ قيادةٍ اختارت منذ اتفاقيات أوسلو السير في أساليب الاتفاقيات المرحلية والمنافع الفئوية.
أيضاً، نجد قضيةً عراقيةً عادلة في مواجهة ظلم الحصار الدولي والتوجّه الأمريكي الغاشم ضدَّ العرب، لكن أيضاً في ظلِّ قيادةٍ عراقية تظلم شعبها، وباتت (بحكم تاريخ حروبها) موضع شكٍّ وريبة من كلِّ جيرانها العرب والمسلمين.
فحينما تخرج مئات الألوف من الناس إلي شوارع مدن أوروبية وأمريكية، فإنَّها لا تفعل ذلك بالضرورة من أجل التضامن مع العراق، ولا طبعاً مع حكومته، لكنَّها تخرج للشوارع لأنَّها ضدَّ الحرب علي العراق، وضدَّ إرسال أبناء هذه الدول إلي حربٍ مشكوكٍ بنزاهتها وبشرعيتها. فالشعب الأمريكي تظاهر لسنواتٍ عديدة ضدَّ الحرب في فيتنام، لكنّه لم يفعل ذلك تضامناً مع شعب فيتنام ولا دفاعاً عن ثوار الفيتكونغ الشيوعيين.
الأمر مختلف تماماً بالنسبة للمنطقة العربية، ومن هنا أهمّية وجود القيادات والمؤسسات السليمة والأساليب الواضحة في أبعادها، إضافةً إلي ضرورة معالجة الخلل ما بين القضايا العادلة وبين المحامين الفاشلين المتولّين رمز الدفاع عنها.
وكلّما ازداد القهر السياسي في البلاد العربية، وكلّما ازدادت الحكومات العربية في منع المواطن من ممارسة الحدّ الأدني من حقوق التعبير السياسي والفكري، فإنَّ الحركة الفاعلة سوف تنتقل من (الشارع) إلي "الأنفاق المظلمة" التي لا تعرف الرأي والرأي الآخر، أو التي تتأسّس فقط من أجل استخدام أسلوب العنف بديلاً عن أسلوب التفاعل الإيجابي تحت شمس الحرّية.
المشكلة الآن، أنَّ الإنسان العربي قد وضعته ظروف الحكومات البطشية أمام خيارين:
إمَّا التوجّه إلي (الانفاق) بديلاً عن الحركة الجماهيرية الممنوعة في (الشارع)، أو الإقامة الجبرية في المنازل أمام شاشات الفضائيات العربية حيث الاكتفاء بالعلم والخبر بما يحدث، مع حقّ استخدام اللعن الفردي أحيانا عبر الاتصال الهاتفي!
والحاصل في الحالتين هو إبعاد الإنسان العربي عن (الشارع) وجعله، إمّا ملاحقاً في عتمة الأنفاق أو محلّقاً وحده في الفضاء مع برامج الفضائيات العربية!!
الكبت قنبلة موقوتة !(5)
الكبت كلمةٌ كثيراً ما نجدها في قواميس أحاديثنا اليومية ولكنّا قد لا نعيرها أهمية كبيرة وبهذا تكون مجرّد كلمة عابرة في حياتنا مع أنها قنبلة موقوتة تنتظر لحظة الانفجار بعد تراكمات من الضغط النفسي والقهر المتواصل ليكون الموقف الأخير بمثابة القشة التي قصمتْ ظهر البعير أو ليكون ذلك الموقف ضربة الفأس الأخيرة التي أسقطت الشجرة بعد سلسلة متتالية من الضربات .
فما هو الكبت ؟!
الكبت : هو عبارة عن حيلة دفاعية لا شعورية يلجأ إليها الإنسان حينما لا يستطيع أن يعبّر عن أفكاره أو مشاعره أو حينما لا يستطيع أن يتصرّف بسلوك معيّن يرتضيه ، وهو إما أن يكون ناتجاً عن سلطة المجتمع أو سلطة الدين أو سلطة الأسرة أو سلطة السياسة والقانون أو سلطة الجماعة المرجعية للفرد أو سلطة فرد ديكتاتوري : كأن يكون هذا الديكتاتور رئيساً في العمل أو محاوراً أو زميلاً أو شخصاً يدّعي القيادية أو نحو ذلك .
ونستطيع أن نقسِّم الكبت إلى قسمين رئيسين هما :
1- الكبت المادي : وهو الذي يتعلّق بكل الأمور المادية كالمال والجنس والاحتياجات الشخصية …إلخ .
2- الكبت المعنوي : وهو عبارة عن الأفكار والمشاعر التي لا يستطيع الفرد البوح بها لوجود سلطة تهدّد وجودها على أرض الواقع .
ومن مظاهر الكبت ما يلي :
1- التوتر العصبي والقلق النفسي : وهما نتيجة طبيعية لتراكمات (الكبت ) الذي يمثّل ضغطاً نفسياً وعبئاً كبيراً فوق طاقة الفرد ،وبالتالي فإنهما يصبحان مخرج الطوارئ غير المناسب للإنسان المكبوت الذي يصبح عندها كالمستجير من الرمضاء بالنار .
2- المشكلات الجسدية : وهي ناتجة عن التوتّر العصبي والقلق الذي يتسبّب الكبت في إبرازها بأشكال مختلفة مثل القولون العصبي والمشكلات الهضمية والأرق وآلام الظهر وضغط الدم والذبحة الصدرية والمشكلات الجلدية واضطراب الذاكرة والأزمة الربوية وتساقط الشعر واضطرابات الدورة الشهرية والتهاب المفاصل .
3- الخجل والخوف : فبعض الأفراد حينما يكبتون أفكارهم ومشاعرهم ولا يستطيعون أداء بعض ما يحبون من ممارسات وأعمال فإنهم ينغلقون على أنفسهم ويلبسون ستائر تحجبهم عن الآخرين لأنهم لا يشعرون بالثقة بالنفس ويهابون ردود الأفعال غير المرغوبة كما يشعرون بالتردّد والقلق .
4- التمرّد : هنالك بعض الأفراد لا يدسّون رؤوسهم حينما يتعرّضون لقمع أفكارهم ومشاعرهم واحتياجاتهم المادية بل يبالغون في ردود أفعالهم فتراهم يتمرّدون ويتصرّفون باستهتار ورغبة في تدمير الآخر، ومن أشكال التمرّد ما تقوم به المرأة أحياناً حينما تواجه السلطة الذكورية القمعية في محاولة لإثبات الذات .
5- الخلافات الشخصية : تكثر الخصومات والمشاحنات والمشاجرات والتفكّك والعداوة والبغضاء والحسد حينما يشعر الفرد بوجود آخر يكبت أفكاره ومشاعره واحتياجاته المادية ؛ لذا لا نعجب حينما نجد من شخص ٍ ما انفجارات أشبه بالحمم البركانية في محيط العمل أو الأسرة أو المجتمع لتكون ساعة الصفر التي حانتْ بعد تراكمات من القهر المتواصل .
6- الانحرافات والجرائم الخلقية : كثيراً ما نجد السرقات والكذب ومظاهر استهتار الشباب من قيادة متهوّرة أو تفحيط أو محاولة لجذب اهتمام الآخرين أو تدمير وتخريب أو إدمان على المخدّرات والكحول و نحو ذلك من الانحرافات التي يكون الكبت سبباً رئيساً في إبرازها إلى حيّز الوجود .
7- الفوضى الجنسية : المجتمعات المنغلقة والتي تجعل المرأة كائناً غريباً عنها تبرز مشاكل كثيرة منها الاغتصاب واللواط أو الجنسية المثلية والاضطرابات الجنسية المختلفة ومنها سرعة القذف لدى الشباب في ليلة الدخلة والخوف من الجنس النسائي وعدم القدرة على التعامل معه ومن جانب آخر فإن تأخير سن الزواج بالإضافة إلى غلاء المهور وتكاليف الزواج الباهظة أدت إلى فساد جنسي وظهور جرائم الشرف . إذاً فتلك الأسباب التي أدت إلى الكبت الجنسي انفجرت بجرائم وانحرافات جنسية بالإضافة إلى اضطرابات نفسية منها الخوف والقلق والاكتئاب .
8- الإرهاب : لا نشك في أن الثقافة الدينية المغلوطة والمشبّعة بنبذ الآخر وقتاله للظفر بالحور العين في الجنة هي سبب رئيس من أسباب الإرهاب ولكننا يجب ألا نغفل عن سبب لا يقل أهمية عن سابقه وهو الكبت بشقيه السياسي والاقتصادي مما يؤدي إلى ثورة أشبه بثورة البروليتاريا . وهذه الثورة لا تفرّق بين دين ودين آخر أو بين ديني وغير ديني أو بين مثقّف وجاهل فكل من يجمعهم القهر والشعور بالكبت والاستعباد فمن المتوقَّع له أن يثور ثورة انتقامية سواءً كانت الثورة منظّمة أو غير منظّمة فهو ثأر لكرامته التي ينزع من خلالها عباءة العبودية ولا يهمّه إن تخبّط في سبيل تحقيقها أم لا فهو بذلك كعذراء ( لورين ) التي ثأرت دون أن تحمل خطة حربية أو تعرف معنى الخطة والتنظيم ولكنّها ظفرت بالنصر الذي حقّق لها مكاسب معنوية إلا أنها أصبحت بعد تحقيق هذا النصر ضحية لقمع ذكوري آخر أدّى في نهاية المطاف إلى حرقها رمياً بالزندقة .
ومن خلال هذا الاستعراض السريع نقول : إنّ الكبت قنبلة موقوتة ،فاحذر أن تكون سبباً فيها .
الكبت السياسي(6)
السياسة او مايصطلح عليها (فن الممكن) نوع رفيع من انواع الادارة تطور بمرور الزمن ليمسي علماً ذا قواعد واصول تفردت له الدراسات في المعاهد والجامعات
ويحاط بالرعاية والاهتمام والمتلقين في تلك الصروح لابد لهم من الاطلاع على تفاصيل ذلك العلم ومزاوجته بالتطبيق كوسيلة فاعلة لاستحصال المهارات والخبرات التي تؤهلهم لتبوء مراكز ادارية مهمة في قيادة الاحزاب السياسية والام ما يجعلهم صناع الحياة السياسية وبالتالي وبالتالي توجيهها وصوب ما يرتأون وفق مقاييس المصلحة العامة وجوب تحقيق الامن والرخاء لتلك الامم وابعاد اشباح الحروب والكوارث والفقر والتخلف عنها ولابد للسياسين من التحسب لاقوالهم وتصرفاتهم والحذر في خطواتهم فحظوا فقد بكلف كبيرة الخطأ الذي يقع فيه مجموعة كبيرة احدهم او امة والايام لاتخلو من الشواهد على ذلك .
في مجتمعنا ظهرت الحياة السياسية بعد عقود من الكبت ماتولد عنه ظهور جيل من السياسيين لايفقهون من السياسة اكثر من كونها مهنة من دون رأس مال تختصر الزمن وتجلب لهم المال والجاه وتداخلت في اذهانهم مفاهيم الديمقراطية والحرية مع الفوضى والمصالح الشخصية والفئوية الضعيفة فعند ما يتحدث احدهم يمنح المستمعين احساساً بان محدثهم رئيس عصابة وليس سياسياً فاجهزة الاعلام تعج بلقائات وتصريحات فجة تبتعد عن مفاهيم الوطنية والمصلحة العامة وتغلب الانانية والمصالح وحب الذات بدلاً عنها بل فصل الامر بعدد منهم الى الترويج لمفاهيم عنصرية وطائفية تنحو صوب خلق الفوضى وتمزيق النسيج الاجتماعي واستعداء مكون اجتماعي على اخر واستجداء العون والمساندة من دول اخرى بهذا الصدد تحت عنوان واه مادفع الى التخندق الطائفي والتناحر بين مكونات المجتمع وبشكل يعرض الكيان السياسي الوطني للخطر فالام التي يتنازع ابناؤها تتعرض للتلاشي والذوبان في الامم المجاورة لها وهذه السلوكيات تتقاطع علياً مع الاهداف المعلنة للسياسيين ومع الحياة السياسية التي ترنو الى التخلص من مخلفات الماضي وبناء اسس لمستقبل افضل من الحاضر ينعم بظله المواطنون بحياة حرة كريمة في ظل مفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الانسان بعد عقود الحرمان والقمع والتخلف الذي طال مناحي الحياة كافة .
قد تكون حالة الكبت السياسي الت اتسمت بها العقود المنصرمة اتسمت ماتركت بصاماتها واضحة على سلوك السياسيين بشكل او بأخر وذلك مدعاة للتخلص من تلك الاثار بأسرع مايمكن ففترة المراهقة الساسية اذاماقيض لها الاستمرار فقد تلحق اضرار جسيمة بالمصلحة العامة وحداثة الحياة السياسية في مجتمعنا لاتعني التداخل بين المفاهيم والسلوكيات الخاطئة والسليمة ( فلبون التاسع) بينهما مع الاخذ بنظر الاعتبار الواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع والذي لايزال يعاني من مخلفات الماضي بشكل بين فمفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان بحاجة الىثقافة وسلوك ساند لترسيخها وتلك مهمة شاقة تقع على عاتق السياسين في المقام الاول كونهم قادة وواضعي للبنات الاولى للحياة السياية في مجتمعنا بعد عقود الكبت السياسي الى جانب دور اجهزة الاعلام بأشكالها في ترسيخ القيم والمبادئ الصحيحة وتأشير مواطن الخطأ والزلل والتنبيه الى مضارها لما لتلك الاجهزة من دور كبير في حياة المفاهيم وطريقة تعاطيها وتوجيه الرأي العام صوب النافع منها ومحاربة الضار مايجعل الحياة السياسية تخطو بسداد بدلاً من التعثر والنكوص الى جانب ادوار الاسر والمدارس والشارع في ترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية عبر التثقيف المستمر كون تلك القيم والممارسات تمثل القاعدة الاساسية للحياة السياسية السليمة مايجعل الطريق ممهداً لظهور اجيال من السياسيين الملتزمين الذين يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار متخطين مرحلة الكبت السياسي وتداعياتها الضارة وصولاً الى مرحلة النضج السياسي توطئة لنقلة نوعية للمجتمع تحقيقي اًلغايات العملية السياسية الناجحة
الكبت لدى الأطفال.. اسبابه- عواقبه- علاجه(7)
عندما يمر الطفل بتجربة سيئة، يشعر بالحزن، ويستسلم للمشاعر السلبية فوراً، وهذا هو الرد الطبيعي. فيقوم بالبكاء والغضب، وفي كثير من الأحيان الارتعاد والتصبب عرقاً، ولكن في النهاية يضحك،
وهذه هي الطريقة الطبيعية ليتخطى التجارب السيئة. وعندها فقط سيشعر الطفل بأنه أفضل 100%. وعندها سيفهم بأنك تحبه، وبأنك تنصت له.ولكن عندما نعاقب الطفل بشدة على تصرف سيء ثم نطلب منه أن لا يبكي، وان لا يغضب. فعندها نكون قد علمناه عادة كبت المشاعر السيئة والكذب، فيتولد لديه شعور هائل بالضغط النفسي. وقد يصاب بالإجهاد، وفقدان الصبر، وعدم الرغبة باللعب، وعدم القدرة على ترك الأمور تمر بسهولة. فيبدأ بالتصرف بطريقة غير منطقية، فيجد أعذارا لبدء الشجار مع احد إخوانه أو أصدقائه، ويصر على اخذ ممتلكات طفل أخر، أو طلب العديد من الأشياء دفعة واحدة دون أن يشعر بالرضا أو الامتنان. فعلى سبيل المثال يطلب الطفل كوبا من عصير البرتقال، ثم يصر على أن تصب له المزيد، ثم يبدأ بالتأفف من بقايا اللب، وعندما تزيلها يصر على أن هناك المزيد منها ولكنك لا تراه، ثم يرمي بكوب العصير.ونحن كآباء وأمهات يمكننا أن نلعب دوراً إيجابياً، عن طريق وضع حدود لتصرفات أطفالنا، حتى نكسب ودهم وثقتهم من جديد، ونخفف الضغط النفسي عنهم. فإذا بدا أطفالك بالتصرف بطريقة غير منطقية، اتبع الخطوات التالية:
- أنصت جيداً
ينصح الخبراء النفسيون بأن تتعامل مع الطفل كإنسان ناضج، ومع ذلك تبقيه في إطار الطفولة. يمكنك البدء بالجلوس قربه أو رفعه على ركبتيك ليكون على مستوى بصرك. ثم اسأله ببساطة ما الذي يضايقه، أو لماذا يصرخ؟ أو لماذا يجب أن يأخذ هذه اللعبة؟ دع الطفل يتحدث وأنصت افهم منه أسبابه أولا، لا تجلس هناك كالشرطي أو القاضي الذي يريد أن ينهي الموضوع بقراره. أنصت فقط ودع الطفل ينفس عن مشاعره، فهو على ما يبدو يشعر بالغضب، وبالأذى، وبأنه بعيد عنك.
- ضع الحدود
بعد أن تنصت لأسبابه، اخبره أسبابك، مثلاً لا تستطيع الحصول على هذه الدراجة، لأنها كبيرة، وحتماً ستقع عنها وتجرح نفسك. فإذا أصر على سلوكه غير المنطقي، يجب أن تخبره بأنه غير عادل، فأنت استمتعت لأسبابه، ولم تعنفه، بينما هو استمع لأسبابك، واعترض عليها. وبالتالي فأنت ستأخذ القرار الأكثر منطقية لحمايته. وتخبره بأن يجلس ويفكر بذلك. أما إذا كان غاضباً من احد إخوانه، ويحاول أن يضربه، أبعده واطلب منه أن يرافقك إلى غرفة ثانية. ولا تدعه يفقدك صوابك، فمعظم الأطفال بارعون في إدخال طرف ثالث إلى النزاع فلا تكون أنت الخصم الأضعف.
اخبر الطفل بأن ما فعله غير مقبول، وبأن هذه العائلة لا يضرب أفرادها بعضهم البعض. واتركه ليفكر بما قلته له. إما إذا لم يرد أن يشرب كوب عصير البرتقال الثاني الذي أصر على الحصول عليه. قم بأخذ الكوب ووضعه في الثلاجة، واخبره بأنه لن يحصل على مزيد من العصير حتى ينهي هذا الكوب أولا، فإذا أصر على رفضه، قم بشرب الكوب، وقل له لقد فقدت للتو فرصتك في تناول أي كوب من عصير البرتقال لمدة أسبوع. وحتما عندما يرى الجميع يشربون العصير إلا هو فسيشعر بالغيرة، ويفكر مرتين قبل أن يتخلى عنه مرة أخرى.
كما يجب أن ينتبه الآباء إلى أن الأطفال لا يستطيعون التفكير بعقلانية تحت الضغط. فهم لن يفهمونا إذا كنا نصرخ في وجوههم.
- أنصت مرة أخرى
على الأغلب عندما يبدأ احد الوالدين بالتحدث مع الطفل سيبدأ بالبكاء أو يصاب بنوبة غضب. وهذا أمر جيد. فهذه هي طريقة الطفل للتخلص من التوتر. إذا استطعت أن تحضن الطفل أو تقف بقربه فهذا سيساعده على التخلص من كل المشاعر السلبية حتى يهدأ. وعندها سيكون قادراً على الإنصات بشكل أفضل. كما ستزداد قدرته على التعاون والشفاء من الضغط النفسي.
استماعك له ولوجهة نظره ستنجز أكثر من أي محاضرة أو تهديد أو عقاب، فهو سيشعر بأنك قريب منه وبأنكم أصدقاء، وبالتالي سيستمع لنصيحتك أكثر وأسرع.
الإعلام العربي .. بين سندان "الكبت" ومطرقة "الانفلات"!!(8)
التحولات الإعلامية التي طرأت على العالم بفضل التطور المذهل لتكنولوجيا المعلومات قد حولته لقرية واحدة، وهذه التحولات لم تفت أنظمة الحكم على اختلاف أيديولوجياتها وتوجهاتها، بحيث أصبحت الحكومات واعية أكثر لطبيعة التحولات، وهي تحاول أن تستغلها من أجل ديمومة سيطرتها على وسائل الإعلام أو التحكم بها، كما أن هناك من الجهات المسؤولة من استوعب مدى تأثير تلك التطورات ليبرر ويطوع القوانين المنظمة للإعلام، ولكن منها من تقاعس ليبقى أسيرا لها. كان ذلك محور نقاش الحلقة الإعلامية التي نظمها مركز زايد للتنسيق والمتابعة للإعلامي العربي "جميل عازر" حول "واقع الإعلام العربي في ضوء تجربة قناة الجزيرة" حيث أوضح أنه بالنظر للمسرح الإعلامي العربي ومن خلال القنوات الفضائية نجد أنه يتأثر بالقيد والانفلات ما بين سلطة الحكومات وتجاوز بعض الفضائيات لدرجة تثير الذهول، فلا يوجد توازن أو حل وسط فيما تقدمه هذه الفضائيات، وعن مدى ارتباط الإعلام الحر والمتفتح والمسؤول بوجود الديموقراطية أكد أن الإعلام هو تلك الأداة التي تقود نحو بناء وترسيخ الديموقراطية، وأنه إذا تحرر الإعلام وأصبح إعلاما هادفا وموضوعيا يعالج المشاكل فإنه يتحول بذلك إلى أداة في نشر الوعي السياسي. وأضاف أن الديموقراطية هي وعي سياسي أكثر من أي مؤسسة أو نظام معين، وأن الوعي السياسي يؤدي حتما إلى مشاركة المواطن والفرد في تقرير مصيره، فبدل أن كان تقرير مستقبله يبقى في يد السلطة يصبح مساهما فيه، ومن هنا تظهر أهمية وسائل الإعلام في التنوع بوصول المعلومة. وعن السبل الواجب توفرها من أجل الوصول إلى خطاب إعلامي هادف مع الغرب كفيل أن يحسن الصورة المشوهة للعرب والمسلمين في أعقاب أحداث الحادي عشر سبتمبر، أكد أن ذلك يعتمد أولا على تفهم الجمهور الذي نود مخاطبته واللغة التي تستخدم في الخطاب السياسي، وإذا تحقق ذلك فقد كسبنا نصف المعركة، فيما يبقى الجزء الآخر عبارة عن تأهيل للكوادر وتوفير للتقنيات، ومن المهم أيضا أن نأخذ في تعاملنا مع الغرب بزمام المبادرة، وأن نتفاعل مع الحدث حتى نستطيع التأثير على الرأي العام الغربي. ودعا عازر جامعة الدول العربية لإنشاء محطة فضائية باللغة الإنجليزية تكون تحت مظلتها وتعمل على مخاطبة الرأي العام العالمي، وتقدم للغرب معلومات صحيحة عن الحضارة العربية وتدافع عن الحقوق العربية، أما حول ما إذا كانت صناعة التلفزيون صناعة توعية حرفية أم صناعة ترفيهية، أوضح المحاضر أن الخدمة التلفزيونية في حاجة إلى الترفيه لأن الجمهور يحتاج إلى ذلك، وإذا قدمت القناة الفضائية صناعة جيدة للخبر فلا مانع أن تقدم برامج حوارية وأخرى وثائقية وثالثة عن العلوم معتبرا ذلك أمرا ضروريا ومن متطلبات الجمهور. وأعرب عن اعتقاده أنه من الخطأ القول إن التلفزيون خدمة جادة فقط، بل من الطبيعي أن يكون هناك تنوع يتماشى وأذواق الجمهور لأن العمل الإعلامي هو عمل متنوع. وعن توقعاته بأن تتمتع المدن الإعلامية العربية الحرة بإعلام حر في معناه السياسي، قال أن ذلك يعتمد على مدى جدية المؤسسات المسؤولة التي تقف وراء تلك المدن الحرة على إطلاق الحريات ومدى ثقتها بنفسها، ويعتمد أيضا على الشروط الإعلامية المتوفرة فيها وما تعنيه بكلمة مدن حرة.
الكبت السياسي سبب العنف في المغرب العربي(9)
أحدثت تفجيرات الاسلاميين الاخيرة المزيد من الثقوب في النسيج الاجتماعي العلماني لدول شمال افريقيا التفجيرات بدأت في المغرب وما هي الا ايام الا وشهدت الجزائر نفس التجربة مما ادى الى مقتل ما لا يقل عن 33 شخصا وجرح المئات غيرهم.
ما حدث يشكل ضربة قوية لا يستهان بها لبلد لا يزال يحاول معالجة جراحه العميقة بعد الحرب الاهلية الدامية التي خاضها الاسلاميون ضد الجيش والدولة الجزائرية.
ذلك النزاع الدموي العنيف كلف الجزائر حياة اكثر من 200 ألف مواطن حسب تقديرات اقل ما يقال عنها انها واقعية ان لم يكن اكثر. النزاع الجزائري بدأ في عام 1992 عندما تدخلت المؤسسة العسكرية لالغاء نتائج الانتخابات التي لو قدر لها ان تستكمل لفاز بها الاسلاميون. الاسلاميون الغاضبون ومؤيدوهم من الشباب الفقراء العاطلين حملوا السلاح ولا يزال بعضهم يقاتل حتى يومنا هذا.. والتفجيرات الاخيرة خير دليل.
هناك نقاش يدور في الجزائر منذ وقت طويل حول الحرب ويتمحور حول سؤال وهو: هل انقذت المؤسسة العسكرية الجزائر من الوقوع تحت حكم جهة متطرفة على غرار النظام الديني الحاكم في طهران ام ان القمع والاضطهاد الذي يمارس دفع الكثيرين نحو التطرف وبالتالي الحق بالغ الضرر بالعملية الديمقراطية؟
هذا النقاش لم يعد يقتصر على الجزائر فحسب بل امتد ليشمل كامل دول شمال افريقيا التي تحكها حكومات علمانية على درجات متفاوتة من الشمولية والاستبداد وادى ذلك الى ظهور المحافظين المتدينين الذين لحق بهم الكثير من الانصار وهو شيء اطلق عليه اسم الاسلام السياسي.
جميع دول شمال افريقيا من مصر الى المغرب حظرت تأسيس الاحزاب الاسلامية المتطرفة التي يمكن لها ان تكسب مقاعد برلمانية كثيرة اذا ما سمح لها بالمشاركة في انتخابات حرة ونزيهة هذا اذا لم تفز اصلا بالغالبية وبالنسبة الى ليبيا فانها تحظر الاحزاب السياسية ككل وليس الاحزاب الاسلامية فقط.
جميع هذه الدول - مرة اخرى باستثناء ليبيا التي يوجد بها مجتمع صغير من السهل السيطرة عليه - تعاني من حدوث هجمات ارهابية فيها وهي هجمات تشنها جماعات محلية ظهرت في اوساط الاسلاميين المقموعين. ما العمل؟
من الواضح انه ليس بوسع احد التخلص من الاسلام المحافظ بمجرد حظره. وقضية الحجاب في تونس خير دليل على ذلك حيث سعت الدولة لمنع النساء من ارتداء الحجاب لكن فشلت المساعي الحكومية في هذا الشأن ان السماح بمشاركة الجماعات الاسلامية الصديقة للسلطة في النظام السياسي لن يحل المشكلة ايضا فلا «حركة مجتمع السلم والنهضة» الاسلامية في الجزائر ولا «حزب العدالة والتنمية» في المغرب نجح في تقليم اظافر الحركات الاسلامية السرية التي لجأت للعمل تحت الارض.
الحكومات في هذه الدول تدعو مواطنيها للتحلي بالصبر قائلة ان وجود ديمقراطية واسعة النطاق سيأتي عقب حدوث تحسن اقتصادي يؤدي الى نضوج هذه المجتمعات.
وفي الوقت الذي تصاعدت فيه تهديدات الاسلاميين لجأ قادة الجزائر وتونس لاستخدام تعديلات دستورية لتشديد القبضة الامنية.
يقول احمد بويحيى رئيس الوزراء الجزائري الاسبق خلال فترة الحرب «لقد فتحنا مجتمعا مبكرا جدا وعلى نطاق واسع». يقول قادة دول شمال افريقيا ودوائر النخبة المحيطة بهم ان التطرف يسود العالم الاسلامي ومن الخطير جدا السماح للحركات غير الديمقراطية بالمشاركة في انتخابات ديمقراطية لانه لا يمكن الوثوق بأنها ستحترم المبادىء الديمقراطية اذا ما وصلت الى السلطة.
قادة الحركات الاسلامية بدورهم لا يثقون في الحكومات ويشككون فيما تقوله بشأنهم وذكر علي هادجر وهو قائد اسلامي سابق حمل السلاح ضد الدولة في عام 1992 عندما حرم من مقعده الذي فاز به في البرلمان ان الاسلاميين ما كان لهم ان يعلقوا العملية الديمقراطية ولكن كان ما سيسعون اليه هو ضمان صدور القوانين وفقا للشريعة الاسلامية واعطى هادجر ايران كمثال على ذلك.
ان الديمقراطية الصورية في دول شمال افريقيا لا تحظر الاسلاميين فقط بل تمنع ايضا الحركات والاحزاب الليبرالية من المشاركة في العمل السياسي مما يترك معظم الناس بدون صوت سياسي. تقول خديجة شريف رئيسة الاتحاد التونسي لحقوق المرأة في مقابلة اجريت معها في تونس في يناير الماضي انه بعد ان اصطدمت قوات حكومية مع الاسلاميين وقتلت منهم ما يزيد على عشرين رجلا في ظل غياب النقاش فان الناس تتجه للأخذ بالافكار البسيطة.
ليس بوسع هذه الدول الابقاء على حرمان غالبية الشعب من العملية السياسية الى الابد ففي الجزائر شأن الكثير من الدول العربية الاخرى فان ثلاثة ارباع السكان من الشباب الذين تقل اعمارهم عن 30 عاما، ونصف من تقل اعمارهم عن 25 عاما عاطلون. ان التنمية الاقتصادية وحدها لا تشكل الحل او الاجابة فالكثير من المتطرفين الاسلاميين جاءوا من اسر ثرية ايضا، المطلوب هو ان تتخلى الحكومات عن دور حامي الديمقراطية.
يقول جون انتلز وهو محلل سياسي من جامعة فورد هام في نيويوك ان مشاركة الاحزاب السياسية والحركات الدينية في السلطة بصورة حقيقية سيدفعها لتغيير سياساتها وتوجهاتها ولننظر الى حزب العدالة والتنمية في تركيا. يقول انتلز ان هذا الحزب قد تم حظره ولكن عاد بشكل جديد وبفكر جديد مما سهل له العودة الى السلطة وهو الآن الحزب الحاكم في تركيا وصاحب توجهات نحو الانضمام للقارة الاوروبية من خلال طلب عضوية الاتحاد الاوروبي.
ان وجود حزب اسلامي في الحكم لم يمنح الحصانة لتركيا التي شهدت بدورها هجمات ارهابية. فالدولة في النهاية لم تتجه نحو الحكم الاسلامي وتعد الحكومة الحالية ذات التوجهات الاسلامية اكثر الحكومات شعبية في تركيا منذ ثلاثة ارباع قرن اي منذ اقامة اتاتورك لتركيا العلمانية.
يقول انتلز: اعطوا هؤلاء الناس الفرصة (ويقصد بذلك جبهة الانقاذ في الجزائر التي ادى اقترابها من الفوز في الانتخابات في 1992 الى اطــلاق شرارة الحرب الاهلية). ويضيف انه لو لم يحدث انقلاب من قبل المؤسسة العسكرية المتنفذة لما خسرت الجزائر 200 ألف مواطن ولعرفنا على وجه التحديد كيف سيتصرف الاسلاميـــون فيما لو وصلوا الى السلطة وهل ســــيحترم هـــؤلاء فعلا اقوالهم ووعودهم التي اطلقوها خلال الحملات الانتخابية.
نتيجة تحرك العسكر هي «الارهاب الاسلامي» الذي تعيشه الجزائر اليوم والذي بدأ يتحول الى تهديد عالمي مع وجود دعم لوجستي له من اوروبا الى شمال افريقيا ومع تزايد اعداد المؤيدين له فإنه بدأ يخترق الصحراء الافريقية الكبرى متجها الى الدول الواقعة جنوبها.
الجنس الالكتروني: وسيلة لتنفيس الكبت وفخ للأغبياء(10)
الجنس الالكتروني:وسيلة لتنفيس الكبت وفخ للأغبياءالأسباب التى تقف وراء إنشاء المواقع الإباحية باستغلال عوامل الكبت والحرمان حيث أصبح الأفراد بحكم التفتح والتحرر، تثار غرائزهم الجنسية أكثر .
المتبحر فى العالم الافتراضى للأنترنيت يمكنه أن يلاحظ هيمنة وتناسل المواقع والمدونات الإباحية الجنسية، مما يجعل من ذلك ظاهرة ملفتة للنظر وجديرة بالدراسة والتأمل
ولكن ما هى البواعث والأسباب التى تقف وراء إنشاء المواقع والمدونات الجنسية الإباحية؟ وهل يترتب على ذلك تأثيرات سلبية أم إيجابية على مجتمعاتنا؟ أن من أسباب انتشار المواقع الإباحية، يعود الى أن الطلب عليها جد مرتفع -حسب بعض الدراسات والمعاينات- وبالتالى فهى مربحة، سواء كانت مجانية، حيث تستغل للإشهار، أو كانت بالأداء عن طريق التسجيل بالمواقع، أو انها تؤدى -خدمات- دعارة مباشرة، كثيرا ما تستغل، من قبل الواقفين عليها، لاعمال الاحتيال والسرقة، وخاصة اذا ما كان -الدفع- عن طريق بطاقات الائتمان، حيث يتم من خلالها سحب أى مبلغ، وربما لعدة مرات، من دون علم او موافق الضحية
وهذا بدوره كثيرا ما يضطر الى قبول السرقة، اما لانه لا يستطيع ان يلاحق اللصوص، او لانه يخشى التعرض للفضيحة
وبطبيعة الحال، فبما أن الغالبية العظمى من تلك المواقع الاباحية هى فى الأصل غير شرعية، وتتولى الاشراف ليها عصابات جريمة منظمة يكاد من العسير معرفة حجمها الحقيقي، فانها تستخدم للايقاع بضحايا اغبياء، يستحقون فى النهاية ما يتعرضون له من أعمال احتيال ونصب
أما المدونات الإباحية، ذات الطابع الشخصي، فغالبا ينشئها أصحابها إما للإثارة، وحب الظهور وإثبات الذات عن طريق الجسد، أو انطلاقا من -انحراف جنسي- يدعى -حب التعرية- Exhibitionnisme، أو من أجل التشهير بأشخاص والانتقام،أو التغرير بقاصرين
والأسباب التى تقف وراء إنشاء المواقع والمدونات الإباحية، بصفة عامة، تتراوح بين اللصوصية والتجارة غير المشروعة، باستغلال عوامل الكبت والحرمان الامراض الجنسية، حيث تبدو مجتمعاتنا العصرية هى مجتمعات -عولمة- الطاعون الجنسى الذى ينتشر عبر القنوات والتلفزيونات والإشهارات، والانترنت
حيث أصبح الجنسى بضاعة مربحة، وأصبح الأفراد، بحكم التفتح والتحرر، تثار غرائزهم الجنسية أكثر، وتجد لها قنوات تصريف مباشرة وواقعية، أو افتراضية عبر الإنترنيت من خلال المواقع الإباحية
القلق، أسبابه وأعراضه ونتائجه(11)
القليل منه يدفع الإنسان قدماً والكثير يحدث شرخاً في الشخصية
ليس من السهل تحديد مدى انتشار حالات القلق بين الناس, فهذا المرض ليس منظوراً في أسبابه وأعراضه, وهو حالة ذاتية يصعب فيها تعيين الحدود الفاصلة بين ما هو طبيعي وما هو مرضي. فأحياناً يظهر القلق كعارض نفسي أولي, ويظهر أحياناً أخرى كعارض صحي له مظاهره الدالة على وجود اضطراب في الصحة النفسية. ويمكن القول بشكل عام, أن درجة من القلق تتوفر في كل إنسان طبيعي بين الحين والآخر. وهنالك ملاحظات طبية متوافرة, وتفيد بالتصاعد المستمر للقلق في مجتمعاتنا الحاضرة, ويعود ذلك الى طبيعة الحياة المعاصرة, والى التحوّلات الهائلة في أوجهها المختلفة.
كل إنسان يطمح الى تحقيق أهدافه, وكل فشل يتعرّض له, يصدمه وينمي فيه مشاعر القلق ويجعله مضطرباً خوفاً من الوقوع في الأسوأ, وعلى ذلك ينبغي أن يكون المرء واعياً لحاجاته الذاتية والآنية القائمة فعلاً في واقعه الخارجي, كي يحقق التماس والتواصل الإيجابي المطلوب في الشخصية السويّة والناجحة اجتماعياً.
متى يبدأ القلق في حياة الإنسان؟ وما هي الأسباب التي تؤدي الى الشعور به, وكيف ينظر علم النفس الى حالات القلق؟ وما مدى صحة الاعتقاد السائد بأنه حالة مرضية * نفسية ناتجة عن تجارب مؤلمة؟ وما هي سمات الشخصية القلقة؟
النظرية العامة " للقلق"
القلق, حالة من التحسس الذاتي يدركها الانسان على شكل شعور من الضيق وعدم الارتياح, مع توقّع حدوث الضرر أو السوء, وهي حالة أشبه ما تكون بطبيعتها الشعورية, وفي انفعالات الجسم المصاحبة لها, بحالة الخوف, والفارق الوحيد بينهما, أن مصدر الخوف يكون واضحاً بالنسبة للخائف, بينما مصدر القلق غير واضح ومعلوم بالنسبة للذي يعانيه؛ فقد يشعر الإنسان بالقلق فجأة ومن دون سبب واضح, غير أن هذا الشعور, قطعاً, لا يتوفر في النفس عفواً, وإنما هو حصيلة دافع أساسي يقع بنتيجته الإنسان أسير القلق بشكل غير إرادي وغير واعٍ.
يقول فرويد: من الحكمة أن يتمكّن الإنسان من مواجهة المواقف المثيرة للقلق في نفسه, وأن "الوعي" هو الطرف الأساس في مفردات التفاعل بين امكانيات الفرد والمعطيات التي تبررها الظروف التي يمر بها في مراحل الحياة المقررة.. كما افترض أن القوى اللاواعية في الفرد يمكن اعتبارها مسبباً للقلق, فالإنسان يقع تحت تأثير قوى نفسية * عقلية, هي في معظمها غير واعية تؤثر في تفكيره وسلوكه وعاطفته, من دون أن يستطيع تبيّن أصول هذه القوى ولا كيف يقع تحت تأثيرها. كما لفت فرويد الى أن ما يدركه الفرد ويعيه عن نفسه وعن محيطه, لا يقتصر على ما يحويه في مجال الإدراك, وإنما يشمل أيضاً التجارب المادية والمعنوية التي يخضع لها وتعطيه صفة التوازن التي يُعرف بها... ثم إنّ التجارب والأفكار التي يُبعدها الفرد بسبب تعارضها مع مُثُله الفردية والاجتماعية, هي أكثر قوة دافعة ومسيرة لسلوكه.
من جهته, يرى الكسندر (Alexander) أن القلق متعلّق بشكل وثيق بعملية كبت دوافع التعدي في النفس, فكل إنسان يحتفظ في مجال وعيه بالتجارب التي تعتبر مرفوضة وغير مرضي عنها اجتماعياً, ويقول: إن الدافع للتعدي هو من أكثر الدوافع التي ينشأ عنها كل مرض نفسي, ولما كانت الدوافع للتعدي يجب أن تقيّد بالكبت, فإن التهديد بفك هذا القيد يؤدي حتماً, الى القلق في رأيه.
فالقلق هو خوف داخلي, وإحساس الفرد به, ما هو إلا إشارة أو إنذاراً للنفس بأن تجربة ما مكبوتة, قد أصبحت مهيأة للظهور الى حيّز الوعي, مهددة بذلك التكامل النفسي للفرد؛ ووظيفة هذا الإنذار, هو التهيؤ لدرء الخطر وإعداد النفس لمقاومة الحالة الطارئة.
الكبت ومفاعيله
اتجه علماء النفس الى تفسير عملية الكبت (Repression) , على أنها عملية عقلية يلجأ إليها المرء ليُبعد عن إدراكه الواعي, الرغبات والدوافع التي لا يتفق تحقيقها مع القيود التي بُنيت في نفسه على شكل مُثل وتقاليد, تفرض عليه الإلتزام بها. وبإبعاد هذه الرغبات والدوافع أو كبتها في اللاوعي, يضمن الإنسان لنفسه حالة من الاستقرار, ومع ما يُفترض من تلقائية هذه العملية التي توجب كبت الرغبة والتحوّل عنها, من الطبيعي أن يحدث صراع في النفس قد يتعذّر تصريفه غالباً ليكون سبباً لنشوء حالة القلق, ومعظم هذه العمليات تحدث في سن مبكرة.
في البدء, تكون عملية الكبت, عملية واعية تحتمها التجارب التي يتعرض لها الطفل كلما حاول تحقيق رغبة لم تلقَ قبولاً من والديه, ووجد نفسه مضطراً لمقاومة رغبته وكبتها قسراً؛ وبالتدريج تصبح هذه العملية غير واعية وغير إرادية وتتم بشكل تلقائي. فالصراع بين الرغبة والخطر من تحقيقها, يدفع الطفل الى تجنبها وإغفالها أو إبعادها وتبديدها, وهذه العملية هي عملية واعية من عمليات الكبت التي بتأثيرها يندفع تيار القلق في النفس.
إن التجارب المكبوتة, لا يمكن أن تحدد فقط بالدوافع المتضاربة, فهي أيضاً تشمل المشاعر والإنفعالات العاطفية التي نضطر أحياناً الى كبتها. وقد سميت التجربة المكبوتة مع ما اتصل بها من إطار عاطفي بالعقدة النفسية (Complex), وكبت هذه العقدة بإبعادها عن مجال الوعي وتغييبها لا يُفقدها قوتها المستمدة من طبيعة العوامل التي حركتها في البداية, بل يحجبها مؤقتاً تحت ستار ظاهري من الهدوء.
وعملية الكبت التي تبدأ منذ الطفولة تخدم كمرحلة أولى مصلحة الطفل لأنها تجنّبه العقاب والمواجهة, ومن جهة ثانية, تخدم غرضاً إجتماعياً ينظّم سلوكه ضمن القيم المتعارف عليها في المحيط الذي يعيش فيه.. على أن خطورة هذه العملية تتمثل في كونها قد تصبح قاعدة في حياة الطفل بسبب ما يتعرض له من أساليب النهي وعوامل الحرمان, ما يجعله حذراً ومتشائماً ويتّسم بنفسية مبنية على القلق لا تسمح له بالتصرّف الهادئ حتى في الظروف الطبيعية.
وحول هذه النقطة بالذات, كان لفرويد رأي, جاء فيه: "... ما من شيء يُنسى تماماً مهما كان ضئيلاً أو بعيداً عن حاضرنا, وإن بالإمكان استعادة كل ما مرّ من تجارب سابقة, ثم إن نسيان تجربة نفسية معينة لا يعني انتهاء فعاليتها, فبعض التجارب قد تكون من الشدة بحيث تبقى فى مخزون النفس, وبهذا من الممكن استعادتها في أي وقت بدون تبديل أو تغيير في جوهرها..", كما أصرّ فرويد بأن عملية الكبت في الطفولة تعتبر نذيراً لولادة الشخصية القلقة.
القلق والحياة النفسية
إن الربط بين الحياة النفسية والقلق ليس بنظرية بقدر ما هو مبدأ من المبادئ المسلّم بها في مفهوم علم النفس, ويقول فرويد: كما النفس مفتاح الشخصية, فالقلق هو المحرّك لكل انفعال نفسي, وهو إذا تمكّن من النفس أحدث فيها شرخاً عميقاً بتأثيره يختلّ توازن الإنسان وتضطرب شخصيته.
وقد لاقت نظريته هذه قبولاً عند الكثير من علماء النفس, الذين اعتبروا القلق, حالة مكتسبة يجب مقاومتها والتغلّب عليها لفعالية تأثيرها على حياتنا اليومية.. فكل صراع نفسي نعيشه ينبع من القلق, وكل شخصية مترددة تقع تحت سيطرة نفس قلقة.
إن كل تصرف يقوم به المرء في الظروف الطبيعية هو تعبير عن التوازن القائم بين إمكانياته على تحمل التجارب وبين قوة ووطأة هذه التجارب, فلكل شخص قدرة معينة, والتجربة التي تفرض على صاحبها بذل طاقة تزيد عن حدود طاقته, من شأنها أن تبعث فيه القلق, ولعل في هذا الافتراض العلمي تأكيداً على أنه كلما كان الإنسان قادراً على الإحاطة بالتجارب الواردة والتفاعل مع ما يتصل بها من انفعالات, كلما كانت حياته النفسية خالية من القلق وعقده.
وقد أجمع البحّاثة النفسيون, على أن الصراع النفسي يقوم في الإنسان منذ الطفولة, حيث يتعلّم الطفل بالتوجيه, أصول التصرّف والتفكير, وبالتدريج تنمو لديه القوى العاطفية * الوجدانية, وتكون له بمثابة الضمير. وعندما تنضج الشخصية, فإنه في حال عجز عن التفاعل مع الظروف ووجد نفسه أمام تحديات لا تتحملها إمكانياته, فقد يصبح أسير القلق.
وحين يطغى القلق على التوازن النفسي للفرد, يؤثر في سلوكه وفي استعداداته على تصريف أموره بهدوء ومرونة, لتصبح شخصيته مضطربة * مترددة, ويدخل القلق في النمط الإعتيادي لحياته. ولكن حين يواجه الإنسان مواقف معيّنة ومرهقة, ويظل محتفظاً باستقراره النفسي, يكون من السهل عليه كبت صراعاته الداخلية, والتأقلم مع الواقع والتحسس بالطمأنينة والثقة بالنفس التي تعطيه الإنطباع بأنه كفوء لتحمل المسؤولية الإجتماعية في جميع أدوار الحياة.
القلق والطفولة
إن القلق في الطفولة والحداثة أكثر بساطة مما هو عليه في الكبر, كما أن ارتباط القلق بالمصدر في عمر الطفولة هو أكثر وضوحاً منه في ما بعد. ويعود ذلك الى خلو تجربة الطفل من الانفعالات العاطفية السابقة, وبذلك يأتي الانفعال محدوداً ومباشراً ومبسّطاً. ومع النمو, تزداد التجارب وتصبح لديه انفعالات عاطفية سابقة تترك أثرها في حياته النفسية؛ ولهذا يصعب ربط القلق في الكبر بتجربة معينة, من دون النظر في التجارب التي مرّ بها الإنسان في طفولته. الى ذلك فإن الانفعال الذي يحدث في مرحلة ما بعـد الطفولة والحداثة, يصبح أكثر تعقيداً بسبب تأثير الانفعالات العاطفية السابقة لأنه يستغلها. وعلى ذلك كلما كانت حياة الإنسان مليئة بالتجارب, صعب تعيين المصدر الحقيقي لقلقه, وكلّما قلّت تجربته وجاءت انفعالاته على وتيرة واحـدة, سهل ربطها بالمصدر الذي يثيرها..
مصادر القلق في حياة الطفل متعددة, ومن إمعان النظر في هذه المصادر, نجد أن تجربة الطفل تضع حجر الأساس لكل تجربة في المستقبل, ولهذا سميّت بالمصادر الأولية, أما ما يأتي بعد هذه المرحلة من العمر فيعتبر مصادر ثانوية.. وقد دلّت الاجتهادات الحثيثة في هذا المجال الى أن الطفل يتعرض الى مواقف محبطة, تفرض عليه التحسس بالقلق, منها مثلاً: العجز, الفراق والحرمان والفشل...
العجز والاتكالية
يولد الطفل عاجزاً يعتمد على ما يفوز به من حب ورعاية من والديه, وفي فترة النمو يكون اتكالياً, الى أن يصبح قادراً على الاعتماد الذاتي على نفسه. ومع الوقت نجد أن التجارب التي تعزّز شعوره بالعجز والحاجة للغير كثيرة, وتقترن غالباً بالأسباب الداعية الى القلق.. ومع أن هنالك أنماطاً ثابتة من انفعالات القلق يشترك بها الناس في تفاعلهم مع محيطهم, إلا أن هنالك فروقاً فردية بين فرد وآخر في بعض انفعالاتهم المستمدة من معاناتهم الداخلية ومن التجربة الحياتية. الى ذلك, يبقى أن نشير الى أن انفعالات القلق التي يكتسبها الطفل من تجاربه تكون الحقلة الأولى من سلسلة انفعالاته في الكبر, عندما يتعرض الى مواقف مماثلة تشعره بالعجز والقصور, وإذا كان في تعـريض الطفـل الى تجارب ترسّب في نفسـه الشعـور بالعجـز, وتكون مسبباً لبداية نشوء بوادر القلق في محيطه النفسي. فإن الرقابة الزائدة والمساندة المستمرة للطفل تحرمه من إمكانية التعوّد على مواجهة المواقف واستثمار طاقاته بشكل بنّآء وخلاّق, وهذا الحرمان يجعل الطفل في وضع نفسي غير متكافئ, وأكثر تهيئة للوقوع في مصيدة القلق.
الفراق والحرمان والفشل
إن تأثير الفراق والحرمان على نفسية الطفل عميق جداً, فالفراق تجربة قاسية والشعور بالحرمان يتحدى سلامته النفسية, وغالباً يبدأ ظهور القلق بسبب تجربة مؤلمة من الفراق والحرمان في حياة الطفل.. ولكل حالة سبب, فقد يكون الفراق مرده الى طلاق الأبوين, وهذا الوضع يعرّض الطفل الى ضغوطات نفسية حادة, يكتسب منها القلق والخوف من الفشل في مواجهة الظروف الجديدة.. لأن الطلاق معناه حرمان الطفل من العاطفة الأبوية, وانتقاله الى أجواء أسرية أخرى, وفي مثل هذه الظروف إمّا أن يبقى الطفل في حضانة مربية يبحث في أحضانها عن حنان أمه المفقود والذي يعطيه الدعم للتأقلم مع الظروف غير الاعتيادية, وإما أن تفرض عليه الظروف أن يبقى في رعاية زوج الأم أو زوجة الأب, وهو هنا, وإن فاز برعاية جيدة, إلا أنه لا يشعر بالاستقرار لافتقاده لرعاية أبويه الحقيقيين وحبّهما, وهذا النقص في الحالتين يثير فيه القلق والمخاوف؛ وكلما كانت الصلة متينة بين الولد وأبويه ومحيطه كلما كانت تجربة الفراق أشد وأقسى.
وللفشـل أيضاً دور كبير في ترسيخ القلـق في النفس.. فالفشل في الفوز بحاجة ملحّة في نفس الطفل, هو تماماً كالفـشل في الدراسـة, أو الفشـل في إنجـاز نشـاط يحتاج الى الذكاء والإبداع..
الشخصية القلقة
هنالك التزام وترابط بين الشخصية القلقة, وبين انفعال القلق, وهذا يتضح من أن الحالات المرضية القلقة تحدث أكثر ما تحدث لأولئك الذين اتصفوا من صغرهم بشخصية قلقة. وأهم مظاهر الشخصية القلقة هي, زيادة الانتباه, والحذر, والتوقّع والخوف من النتائج, وأخذ الأمور باهتمام بالغ سواء ما مضى منها وما هو قائم الآن, أو ما هو متوقّع منها في المستقبل. وهدف صاحب الشخصية القلقة أن يصل دائماً الى مرتبة أعلى, ويرتبط ذلك من أن يحدث في حياته ما لا يمكّنه من ذلك, كالفشل والمرض, والحاجة المادية. وذو الشخصية القلقة يتصف عادة بضمير حي, وهو حريص وأمين ومخلص في عمله, ويتجنّب ما من شأنه أن يخلّ بعلاقاته مع غيره, أو الخروج من جادّة القواعد والنواميس الاجتماعية, كما أنه يتفادى كل ما من شأنه أن يقلل من ثقته بنفسه والمجتمع الذي يعيش فيه, وخاصة في المواقف التي تهدد التقدير والاحترام له ولمجتمعه.
القلق.. مصدر إيجابي
"إن القـلق حالـة إيجابية" عندما يكون في حـدوده الطبيـعية, حيث أجمع البحّاثة النفسيون, على أنه يخدم أغراضاً هامة في حياة الإنسان, فرداً أو عائلة أو مجتمعاً. فتحسّس الإنسان بشيء من القـلق ضرورة لازمة, فهو يمكّنه من الانتباه لخطر قبل حدوثه. فقلق الإنسان على صحته يدفعه للحرص على سلامتها, وقلقه على مستقبله يجعله حريصاً على عمله والوفاء له, وقلقه على وطنه يجعله أميناً على الإخلاص له. والقلق هو الدافع الذي يوجّه الإنسان لتحمل المسؤولية العائلية.
ومن الصعب أن نتصوّر عالمنا وهو خال من أي أثر للقلق, فلو حصل ذلك, لعاش الإنسان ليومه, لا يتقيّد بمسؤولية أو طموح, أو هدف.
السلوك والنضج والكبت .. تشابك المحكات(12)
رغم اننا عبر مسيرة حياتنا اليومية نتعامل بطرائق معينة في مختلف المواقف ومختلف الاوقات الا ان شيئا ما يدفعنا لاٍن نسلك تحت تأثير هذا المحرك الخفي في هذا الموقف او ذاك واحيانا ننتبه الى ما قمنا به وننقده بشدة ونحاسب عليه انفسنا واحيانا اخرى لاندري لماذا نتراجع او نتقهقر لاشعوريا ونمتنع عن اداء ذلك الفعل ،هل هو انحراف الدافع ام الوعي به او عوامل الكبت الداخلية فينا تعمل بطريقة لا شعورية ، رغم ان ديالكتيك الحياة يلزمنا على التواصل "بين- الذاتي"(بين ذات وذات اخرى) اي كما عبر عنه فيلسوف التحليل النفسي العربي(مصطفى زيور)اي وجود الانسان بما هو انسان. هذا الوجود قائم على الالتحام التحاما متكاملا في جشطلت يفقد معناه بل كيانه اذا ما انفرد الانسان مع ذاته فقط.
فالسلوك كما يعرفه سيد خير الله بانه تلك الحوادث الجارية في حياة الفرد اليومية من حيث انه يعيش في بيئة خاصة به مع آخرين مماثلين له ،يتفاعل معهم ويتفاعلون معه اي يتأثر بهم ويؤثر فيهم ،او كما قصد به دانييل لاجاش بقوله لا يقصد بالسلوك هنا المظاهر الخارجية والمادية البحتة بل هو جماع الافعال الفسيولوجية والنفسية واللفظية التي تقوم بها شخصية متصلة ببيئته لمحاولة حل التوترات التي تحفزها ولتحقيق امكانياتها. فالسلوك هنا ضم شقين اولهما:
- السلوك الظاهري – الخارجي ،وهو الذي يمكن ملاحظته موضوعيا مثل النشاط الحركي والتعبير اللفظي الذي يؤديه البعض او بعض تعبيرات الوجه التي تصاحب حالة الانفعال او التحدث.
- السلوك الباطني مثل التفكير والتذكر والادراك والتخيل.. الخ من العمليات العقلية الاخرى التي لا نستطيع ملاحظتها بشكل مباشر وانما نستدل على حدوثها عن طريق ملاحظة نتائجها.
ونود ان نضيف بان السلوك الذي يصدر من اي منا لا يتأثر بالعوامل والقوى الخارجية External Forces فحسب ويكون رد فعل لموقف خارجي بل يتأثر بالعوامل الداخلية ايضا Internal Forces وحديثنا هنا نراه مناسبا ان ينصب على هذا الجانب غير المرئي والملموس والذي يمكن ان ندرك ابعاده،فمقولة السلوك تكوين فرضي ،هي مقولة صحيحة تماما ومهما كان الامر فعلينا ان نذكر ان السلوك يتكون بصورة مجردة ،لا يتحقق الاحينما يكون في الواقع فعلا ملموسا ولكن علينا الان ان ننظر في بعض الامور قبل ان ننتقل الى معرفة هذا السلوك ،واول هذه الامور هو هيئة الوجدان ،من حيث انها تكشف عن اعمق احوال النفس وعن احوال الانسان ،واول ما يقابلنا من احوال انساننا المعاصر ،هو كيف عصفت به تيارات ورياح الحضارة التي اضافت الى ذاته الموروثة من عوامل منقولة اضافات مكتسبة متعلمة بشكل خاطئ او صحيح ،هل زادتها قساوة ام حيدتها ،هل نجح النضج في تعليق الحكم على ما يصدر من الفرد من سلوك ،لاسيما ان النضج كما يحدده علماء النفس بانه ظهور استعدادات خاصة للفرد دون اي اثر للمران ،وكذلك الظهور المفاجئ لمظاهر سلوكية جديدة واضطراد انماط السلوك وتسلسلها بنظام واحد في افراد النوع الواحد مع الاستمرار التدريجي في النمو ،ولكن نقول ان هناك مؤثرات تهز الكيان الانساني من الداخل ،قد تجعل من النضج يقف عاجزا عن التفسير او الحركة ،وهذه المؤثرات هي آليات الدفاع التي هي بقدر ما تعطي ،تأخذ ومنها واشدها وطأة الكبت Repression فهو محرك اساس في النظام النفسي وبها يحاول الفرد وبوساطتها حماية"الانا" عن طريق دفع تلك الافكار والخبرات التي تتصارع مع مختلف ما يدور داخل التفكير وتتعارض معه وتسبب الالم، حتى كاد البعض ان يعالج مشاكله بالهروب منها بالنسيان وكثيرا منا لاحظ ان بعض الناس ممن ينتابهم الكبت دائما يشعرون بالفشل والدونية واحتقار الذات،ويبدو هذا واضحا في سلوكهم وفي تعاملهم،صحيح اننا معشر الاصحاء لا نبرأ من علة هذا الميكانيزم ونلجأ اليه لاشعوريا بغية تخفيض حدة التوتر ولو لحين استعادة توافقنا ولكن يرى علماء النفس انه يحقق راحة وقتية،الا انه يعمل على تأجيل الاضطرابات الانفعالية عن طريق اخفائها ،وازاء ذلك تقول كارن هورني ان كبت المشاعر العدوانية مثلا هو السبب الرئيس في القلق ومن ثم العصاب النفسي.
فالكبت يضرب الفرد وينعكس على سلوكه وتصرفاته بشكل مباشر حتى يبدو عليه اضطراب في المنطق وفساد في الحكم على ما يجري من حوله، فنراه يتأرجح بين الانقباض النفسي او تعطل القدرة على التفكير الواضح او المنطقي او ربما تنتابه الوساوس والمخاوف المختلفة حتى يطغي سلوك القلق عندئذ على نحو هلوسي، فاذا نجح الفرد في تحويله الى افكار مقبولة او عمل بانواعه المختلفة اليدوي منها او الفكري منه او الفني فانه استطاع ان ينحو بسلوكه نحو السوية ،وهو تسامي في الافكار والانفعالات وما يعتمل في النفس من هيجان يضرب جدران الدماغ ومراكز التفكير ،فعملية التنفيس او تفريغ المشاعر لاجل خفض التوترات والقضاء على التفكك او بعبارة ادق كما يقول دانييل لاجاش هو التكامل . وهو الهدف العام من السلوك. ويظل هدف السلوك في هذه الحالة خفض التوتر ولكن بشرط ان يتم هذا بدون زيادةالتوتر الوسيط وذلك بطرد الانفعالات المؤلمة والحوافز المثيرة ،وتلك عملية توافق فادحة الثمن ،لانه لابد من استمرارها او تكرارها ولان الحافز المكبوت يظل موجودا في حالة اشتقاقية ويتسلل الى السلوك والتفكير في صورة محرفة وبدون ان يتعرف عليه الانا.هذا يجري عند الانسان الناضج ،اما الذي توقف لديه النضج في مرحلة عمرية معينة سابقة ،وبدأ ينمو ويكبر في العمر ،ولكن عمره العقلي ظل متخلفا عن عمره الزمني ،فان الكبت الذي يضرب السلوك يتحول الى طاقة وكتلة من العدوانية يتم اسقاطها على الاخرين ،لذا اوصى علماء التحليل النفسي قولهم بانه من الخطا كبت كل المشاعر العدوانية ،فأن كبت مثل هذه المشاعر قد يؤدي الى القلق والاضطرابات العصابية ومن الافضل ان يعبر الفرد عن مشاعره العدوانية او العدائية بين الحين والحين حتى يزيح عن نفسه ضغط هذه المشاعر ،نستطيع القول ان الحدود القائمة بين ذواتنا والاخرين تكاد تختفي في الحالات الانفعالية الايجابية والسلبية ،وهو سلوك مشوب بالكبت وابلغ درجة من الكبت في السلوك كما يقول جماعة التحليل النفسي بالمقولة الشهيرة اياك والحليم اذا غضب.
مدخل إلى النظرية العلائقية(13)
تعرِّف النظرية العلائقية في النفسجسميات[1] بثلاثة محاور أساسية للأداء، ترتسم اعتباراً منها ثلاثةُ أشكال باثولوجية رئيسية، تشتمل على النفسي والجسمي في آنٍ معاً. وتتعيَّن محاور الأداء، كما والأشكال الباثولوجية المقابلة لها، بمفهومين أساسيين: وظيفة الخيال، من ناحية، وكبت وظيفة الخيال، من ناحية أخرى. ويسمح بسطُ هذين المفهومين، عبر مقاربة بَدَرية، باستنباط الباثولوجيا البشرية برمَّتها، في انتمائها المزدوج إلى النفسي وإلى الجسمي. غير أن هذا الاستنباط ليس ممكناً إلا لأن الخبرة العيادية قد يسَّرت أصلاً عدداً من الاكتشافات الجوهرية.
*
فما هو الخيال؟
الخيال مفهوم نفساني وبيولوجي في الآن نفسه، مقيَّض له أن يؤسِّس لما يُتعارَف عليه كصحة وكمرض، بمقدار ما يتعلق كلاهما بسيرورة نفسجسمية ينتظمها تقلُّب الأعراض – وهو تقلُّب يجيز تتبُّعَ تطور باثولوجيا تتملص من الحواجز الموضوعة بين النفسي والجسمي، الأمر الذي يكرِّس في الحال استمرارية الأداء حيثما نصطدم بانقطاع الأداءات الجزئية.
عِياناً، ليس الخيال شيئاً غير الحلم ومكافئات الحلم في حياة الصحو. لكن الحلم أصلاً سيرورةٌ بيولوجية محمولة على إيقاع ومرقَّنة بتناوب النوم الخُلفي[2] والنوم البطيء، وفي الوقت نفسه بحضور أداء يتصدَّر فيه الخيال قبل انبثاق الواقعي. فإذا سلَّمنا بأن الحلم تحقيق للرغبة فإن الرغبة ليست هي ما يطلق للحلم العنان. فالحلم، بمضمونه الخاص، ليس إلا غارب موجة تتجدد وتأتي من مكان أبعد.
لا يصح اختزال الخيال إلى التمثيل بالصور لأنه الذاتية بعينها. لذا فإن الخيال مرادف للإسقاط، الذي ينبغي أن نرى فيه ضرباً من الفكر يختص به الحلم، يحوِّل الذات إلى موضوعات كما وإلى مكان الموضوعات وزمنها: إنه الذاتي بإطلاق وقد صار الموضوعي بإطلاق. من هنا فإن الإسقاط لا يُختزَل إلى آلية جزئية تتصل بالاستدماج،[3] بما أنه ينبغي، في هذه الحالة، أن تنطرح مجدداً مسألةُ منزلة الغرض الخيالي الذي نقتنيه ونتخلَّى عنه – وهذه مسألة لا يجوز تجاهلها.
غير أن الحلم ليس الحلم الليلي فقط. حسبنا هذه المعاينة لكي نتصور نَسَباً للخيال يجيز الإحاطة بوحدة الأداء النفسجسمي الذي ليس الكلِّية والذي يتفعَّل في شروط أخرى غير النوم، عبر تنويعات النشاط الأحلامي التي هي التهويم، وأحلام اليقظة، والهذيان، والهلوسة، والوهم، والاعتقاد، واللعب، والتحويل، والسلوك السحري... – وكلها ظاهرات يحدث فيها الحلم من أجل تحقيق توازن، مختلف في كل مرة، بين الواعية، وما قبل الوعي، واللاوعي. ففي النفسجسميات، أكثر من أي مكان آخر، لا مندوحة من التأكيد أن الخيال واحد وأنه وظيفة تتكوَّن.
تتوسط في هذا التكوُّن العلاقةُ الباكرة بين الأم والطفل؛ فعبر هذه العلاقة، بالفعل، يتوطد إيقاع بيولوجي أساسي بحسب ما إذا تم تجاوز التكرار أو كان هذا يسير نحو النفاد. قَدَران متضادان، إلا أنهما لا يرتبطان بالتصور الفرويدي لدوافع الحياة ودوافع الموت، بما أنهما لا يتعلقان بتلقائية تكرارية مستقلة عن الطوارئ العلائقية بقدر ما يتعلقان بتلقائيات ضمن علاقة معينة.
هكذا يُعرَّف بالخيال بوصفه وظيفة تنبسط في علاقة تتفرد بكون وجودها سابقاً على طرفيها المترابطين.
*
أتصدى الآن للمفهوم الثاني، ألا وهو كبت وظيفة الخيال.
ينبغي لي، بدايةً، أن أشدد أني لا أتكلم عن المفهوم الفرويدي للكبت، الذي، من جانبه، يتناول حصراً محتوى من رتبة الوجدان أو التمثيل. فنحن نضع هنا، بالمقابل، كبت الخيال باعتباره وظيفة، الأمر الذي يسمح، من ناحية، بتوسيع حقل الباثولوجيا لكي يضم العضوي، وبتعيين ثلاثة محاور للأداء بحسب مآل الكبت، من ناحية أخرى. وهاكم كيفية حدوث الأمر:
الإمكانية الأولى هي أن نقول، مع فرويد، بأن كل باثولوجيا نفسية تتم على ثلاث مراحل: الكبت، فشل الكبت، وعودة المكبوت على هيئة أعراض عصابية أو ذهانية. وهذا يصح على أبسط الزلات بمقدار ما يصح على أعقد الذهانات. فالأمر، في كل الحالات، عبارة عن تشكُّل أعراضي، عابر أو يدوم طويلاً، ينبثق فيه من جديد خيال سبق له أن ألغِيَ.
يوطد فشل الكبت، في هذه الحالة، استمراريةً مع الخيال. فإذا حصل عندئذٍ تجسيم[4] فإنه يقع في الجسم الخيالي، بحسب نموذج التحويل الهستيري،[5] ويبقى على تواصل إيجابي مع الخيال. إنها باثولوجيا نفسية يكون فيها الجسم نفسه هو الذي يؤسِّس للحلم ويفترض أن يكون الدعم قد تمَّ سابقاً. كذلك فإن الأعراض تبقى وظيفية، عكوسة، تتحلَّى بمعنى رمزي أوَّلي، معنى يعيِّن العَرَض، ويكون في أصله، متطابقاً مع الأعراض، عصابية كانت أم ذهانية. وعندئذٍ يُختزَل الجسم إلى صور الجسم ويتعلق التجسيم بالمجاز.
لكن هذا يجيز لنا استشفاف إمكانية أخرى.
يمكننا بالفعل أن نتساءل عما إذا كان الكبت يجب أن يفشل دوماً وعما يمكن أن تؤول إليه الباثولوجيا فيما إذا ظل الكبت على حاله. وهذه مسألة لامَسَها فرويد بالفعل، لكنها تظل بلا جواب ما برحنا نقف على صعيد الباثولوجيا النفسية.
على أني طرحت في كتابي المبتذل (1980) فرضية باثولوجيا أخرى، عضوية حصراً، تماثِل الكبت الناجح لوظيفة الخيال ويعيِّنها الموقفُ الأساسي حيال الحلم.
وهذا الموقف ناتج عن الكبت الطبعي لنشاط الحلم وينحو إلى إدامة هذا الكبت عينه. لا ينجم عن ذلك النسيانُ الرتيب للأحلام وحسب، بل وفقدان الاهتمام حيالها. وفي المآل، سيان إذا تذكَّر المرء أحلامه أو لم يتذكرها، من فرط قلة اهتمامه بها. عندئذٍ تأتي قواعدُ التكيف لتملأ فراغاً يتسع، ولتحلَّ محلَّ الذاتية التي تصير ذاتية بلا ذات. ومن هنا باثولوجيا تكيُّفية يعيِّن فيها المبتذلُ، في آن معاً، العلاقة مع الذات ومع الآخر.
هو أداء يبدو متناقضاً إلى أقصى حد، لأن الأحلام (باستثناء الحالة الخاصة بالمعالجة بالمتقبِّضات العصبية) توجَد موضوعياً وليس ذاتياً، كما تؤكد على ذلك دراسات تخطيط الدماغ الكهربائي. تلكم طريقة يُستلَب بها المرء من ذاته وهو قانعٌ بذلك، منقطعٌ عن ذاته بدون أن يعاني من جراء ذلك. وهذا لا يمت بصلة إلى "الذات الزائفة". فههنا تُستبدَل بالأعراض سماتُ الطبع، ويحلُّ التشكُّل الطبعي محلَّ التشكُّل الأعراضي. فإذا استبانت هنا باثولوجيا فإنها لا يمكن أن تكون إلا جسمية، تصيب الجسم في واقعيَّته. الأعضاء هي الأعضاء، والجسم برمَّته يمكن أن يتضرر من حيث كونُه سيرورة بيولوجية. لذا، بالمناسبة، يتعلق التجسيم بالحَرْفي وبالحيادي، وليس بالمجازي، والمعنى الذي يمكن أن نضمِّنه فيه معنى ثانوي ينضاف إلى العَرَض لاحقاً، لكنه لا يعيِّن إيتيولوجيَّته [= منشئيَّته]. فههنا، كل شيء كبت، لكنْ بدون عودة للمكبوت. وهو وضع يفضي إما إلى اختفاء الأحلام من الحياة النفسية، وإما إلى تعديل وظيفة الحلم بعينها؛ فلا تعود تظهر منذئذٍ إلا أحلام عن العمل، يبرمجُها الأنا الأعلى ويقيِّض لها أن تكون نفياً للحلم. فالأحلام التي نحسبها – خطأً – أحلاماً واقعية، تتسم بنقص في الصياغة، إنما تستجيب في الواقع لإيعاز بعدم الحلم، بالاستمرار في العمل، وهي بذلك مكافئة للأرق. وفي هذا نقد أساسي لكلا "الفكر العملياتي" و"الألكسيثيميا"، بمقدار ما يغفل كلاهما عن عمق عمل الكبت – وهو عمل، من جانبه، لا ينفصل عن الأداء الطبعي ويتطلب، لكي يُفكَّر فيه، نموذجاً نظرياً آخر.
يقابل الكبتَ الناجحَ لوظيفة الخيال اكتئابٌ بَدَري من شأنه أن يتطابق تطابقاً تاماً مع الأنا الأعلى، إلى حدِّ أنه يشهد تلاشي كل نزاع معه. وهذا الأخير أنا أعلى جسماني يتكل عليه الفردُ لكي يحدد موقعه في المكان والزمن كما وفي الوظائف الجسمانية غير الذاتية الحكم؛ أي أن الأنا الأعلى الجسماني يطرح على نحو آخر إشكالية النرجسية برمَّتها، وأن إلغاء الذاتية، الذي تتسم به باثولوجيا التكيُّف إلى حدٍّ كبير، عبارة عن طريقة وجود بفضل عدم الوجود، وبالتالي، طريقة امتثال لإلزامات الأنا الأعلى الجسماني. إن نفي الذات يمر عبر إثبات قدرة كلية يشارك فيها المرء. ولنُشِر، بالإضافة إلى ما تقدم، أن الكبت الطبعي للخيال يمكن أن تكون له مكافئاتٌ في بعض العلاجات الكيميائية القائمة على المتقبِّضات العصبية، في جملة أدوية أخرى، والتي، إذ تبدِّل فعلياً الطور الخُلفي للنوم، تفضي إلى تعطيل وظيفة الخيال برمَّتها. وسواء اختفت هذه الوظيفة فعلاً أو غُيِّبت من جراء كبتٍ يدوم بلا ثغرات، فنحن في كلا الحالين بإزاء باثولوجيا طبعية يبقى فيها التجسيم، عندما يظهر، على ترابط سلبي مع الخيال، وتشهد على الصعوبة الجمَّة في القيام بنكوصات.
*
ومع ذلك فإن التجسيم لا يُختزَل إلى الأداء وحده، بما أنه يتم في وضع لامخرجي، على العكس مما تقول به النظريات المصاغة حتى الآن التي تشتق كل شيء من بنية الشخصية. يتفرد الوضع اللامخرجي بوجود نزاع غير قابل للحل لأنه يتضمن تناقضاً، فيبقى، بهذه المثابة، متميزاً عن النزاع العصابي الذي يتخذ شكل الخيار البسيط: "أ أو نفي–أ"؛ بينما يعبَّر عن اللامخرجية في آنٍ معاً بـ"أ أو نفي–أ و لا أ ولا نفي–أ". وبذلك فإن النزاع، في بنيانه المنطقي، يكون أقرب إلى الذهان، الأمر الذي يحول، في الوقت نفسه، دون الكلام على "عصاب عضوي". ثمة، علاوة على ذلك، علاقة خاصة بين التجسيم والذهان: كل شيء بالفعل يجري كما لو أن كليهما يحصل في الوضع اللامخرجي عينه، كما لو كنا نواجه في كلتا الحالتين مالايُعقَلَ التناقض، مع فارق أن الذهان، عندما يصاغ عبر الهذيان حصراً، عبارة عن محاولة أخيرة لعَقْل مالايُعقَل، ولعَقْلِه بالدقة على الرغم من العقل.
المخرج الذهاني ممكن إذن؛ وبهذا المعنى فإن الذهان، بتخطيه لما لا يُتَخَطَّى، يُمَوْضِع طرفَي النزاع، وبذلك، يقوم بالعبور من الجسم الواقعي إلى الجسم الخيالي. فالذهان يدرأ من التجسيم، بحيث إن ترابطاً سلبياً يتوطد بينهما، الأمر الذي، فضلاً عن ذلك، يعلِّل معاينةً غريبة قلما يعاني الذهانيون بمقتضاها من المرض العضويِّ الذي، من جانبه، يهاجم الجسم الواقعي.
وهذا يسمح، إلى ذلك، بإقامة صلة أساسية بين اللامخرجية والاكتئاب، وهو ارتياب منطقي لا تُختزَل إشكاليتُه إلى مجرد انخفاض في المقوية الحيوية، بل تبقى بالأحرى علائقية من أولها إلى آخرها: الـ"نعم" والـ"لا" سيان عند المكتئب، وكل شيء يتسم في نظره بسمة سلبية،[6] الأمر الذي يحيل في المآل إلى علاقة مبكرة مع أم مكتئبة، حاضرة بغيابها، غائبة بحضورها، تضع طفلها أمام خيار لا حلَّ له، من حيث إنه يشعر بنفسه مداناً مهما فعل. لا شيء يتوسط بعدُ بينه وبين الغياب: غياب الحب، غياب التبادل، غياب المحبوب. بهذا يصير الوضع لا يطاق من وجهين: فهي تسد كل المخارج، وهي لا تترك للطفل حتى إمكانية وضع حدٍّ لعلاقة اتكال مطلق لا تمنح الوجود إلا لكي تستردَّه. قالت إحدى المعاوِدات: "لم تكن أمي تعلم أنني في حضنها، بل كانت تفكر في أمر آخر. عندما كانت تتغيب كانت شديدة الحضور، وعندما كانت حاضرة كانت غائبة تماماً." فإذا كانت اللامخرجية متحالفة مع التناقض، فمن شأنها أن تتجلَّى في أشكال مشتقة تفضي جميعاً، على الرغم من تنوُّعها، إلى الارتياب المنطقي عينه. هذا ما يوضِّحه مثال مشهور، مِيزتُه أنه قبل كل شيء اكتشاف تجريبي، وأعني الطريقة التي وصف بها ألكزاندر النزاع الخاص بالقرحة المَعِدِية.[7] فباستثناء العوامل التكوينية، كما نعلم، يُرجِع ألكزاندر قرحة المعدة إلى اتكال فموي لاواعٍ، إلى حاجة المرء إلى أن يتغذَّى ويُحَبَّ بشكل منفعل [سلبي]. أما عند الأفراد "الأسوياء" فإن هذه الحاجة لا تُقبَل على الإطلاق، بل تحرِّض، بمقتضى مثال، موقفَ رفض يجسِّده فرط نشاط معاوِض. وهذا النشاط يجعل هؤلاء الأفراد، في أوضاع التنافس المهني، يجابهون عدوانية تحرِّض الخوف من الاقتصاص. هنا يظهر شعور بالذنب، يدفع بهم إلى الاستجابة انفعالياً للعدوانية، الأمر الذي يعود بنا إلى نقطة الانطلاق. بذلك ترتسم دائرة معيبة، حيث يحث الانفعالُ الفعلَ ويحث الفعلُ الانفعالَ، والنزاع الذي يتمثل أولاً كمجرد خيار عصابي، يتضمن إمكانية اختيار واحد من الحدَّين الماثلين، لا بل احتمال الجمع بين الاثنين في حلٍّ تنازلي، يؤول إلى الدوران في الفراغ، إلى عضِّ ذيله، إلى الاستعصاء على الحل. اللامخرجية هي هذا التعذُّر في إيجاد مخرج، وهذا الأمر يؤهِّب للتجسيم. نتيجة لذلك، ليس الأداء التكيُّفي بحدِّ ذاته مولِّداً للمرض، لكنه يمكن أن يصير كذلك، معجِّلاً في تجسيم في الجسم الواقعي، حيثما يجد الفرد نفسه فجأة في طريق مسدود.
*
الشكل الثالث الكبير من أشكال الباثولوجيا التي يُعرَّف بها، هي الأخرى، بالنسبة إلى كبت وظيفة الخيال، هي عبارة عن العبور من الكبت الفاشل إلى الكبت الناجح. تبدأ الأحلام بالحضور في أداء نفسي يشبه العصاب الذهاني، قبل أن تختفي اختفاءً يكاد يكون تاماً لمدة طويلة لأسباب يصعب حصرها، إنما يبدو أنها مرتبطة بالحِداد. غير أن الأمر اللافت هو أن هذا التغيير في الأداء، الذي يترافق بشعور بالفقد، لا يقتصر على المجال النفسي؛ فهو، على العكس، يستجرُّ تعديلاً في الباثولوجيا التي تنتشر من الجسم الخيالي إلى صعيد الجسم الواقعي، حيث يخلي المجازيُّ الساحةَ اختلاساً للحَرْفيِّ والحيادي، في حين ينغرس المرء أكثر فأكثر في وضع يتصف بكل خصائص اللامخرجية.
*
بالتوازي مع ما سبق، يحسن بنا أن نشدد على وجود محور أداء رابع، يتصف بتحول تدريجي للكبت إلى كبت فاشل، إبان سيرورة علاجية تؤتي أُكلها أخيراً. ومع استرجاع وظيفة الحلم الذي يندمج شيئاً فشيئاً في الأداء النفسي، نشهد خروجاً من اللامخرجية التي، في غياب ذلك، تبقى مرتبطة بالتجسيمات وبخطر التجسيمات على صعيد الجسم الواقعي.
على أنه يهمنا أن نلفت النظر إلى أن كل مرض ليس بالضرورة تجسيماً، وأنه ينبغي أن تنطرح مسألة معرفة الروابط الممكنة الموجودة بين باثولوجيا معطاة وحياة الفرد؛ الأمر الذي يبقي الميدان مفتوحاً للاكتشاف، بمنأى عن وهم الاعتقاد بأنه يمكن الإجابة على كلٍّ شيء اعتباراً من مبدأ واحد.
*
إن المحاجَجة التي بسطناها حتى الآن، التي تشكل في آن معاً امتداداً للنموذج الفرويدي وقطيعة معه، تحول بيننا وبين أن نرى في التجسيم إما تنويعاً للعصاب الحالي المتَّسم بقصور في الصياغة النفسية، وإما شكلاً مشتقاً من الهستيريا التحويلية، حيث يطابَق بين التناذر العضوي وبين محتوى رمزي مكبوت يعود بعد فشل الكبت، وإما، أخيراً، على غرار نظرية لاكان في الذهان، تجلياً في الجسم لما لا يقبل الترميز – وكلها منطلقات، مع أنها تعكس مواقف نظرية متباعدة، تتموقَع ضمن الباثولوجيا النفسية الفرويدية، باعتبارها الإطار المرجعي الممكن الوحيد. بيد أن البحث في النفسجسميات يتصل هنا بتساؤل جذري حول منزلة الجسم بمقتضى نموذج نظري متعدد الأبعاد، يُجتهَد، بالمناسبة، في تبيان مَتاتِه فيما يتعلق بالظاهرات التي تبقى فيها إشكالية الجسم غير قابلة للفصل عن إشكالية المكان والزمن. فإذا تبيَّن أن المكان والزمن بُعدان أساسيان، فذلك لأنهما يحيلان بإصرار إلى تساؤل يظل ماثلاً في خلفية الإنجاز الفرويدي، ويستنهضان في الوقت نفسه الإبداعَ العلمي والتحليلَ الذاتي. وهو تساؤل كانت فيه الجانبية[8] المكوِّنة للمكان الجسماني مناسَبة لفرويد لاستيعاء معيَّن تَرافَق باتخاذ موقف، متطابق قطعاً مع النموذج النظري في طور الصياغة، لكنه لا يغيِّب إشكالية أخرى. ذلكم بالفعل ثمن كل خيار يريد أن يكون متماسكاً. ولهذا تضعنا ثيمة المكان والزمن من فورها في أصل عمل خلاق وتسمح بإلقاء ضوء مختلف على تاريخ أحد الاكتشافات.
*
غير أن الجانبية لا تقبل الإرجاع إلى واقع تشريحي بما أنها موجودة في منطلق سيرورة إسقاط يناط بها بناء المكان والزمن. وبهذا نبقى أقرب ما نكون من الجسم عينه وهو يؤدي عمله كمخطط تمثيل ويتأرجح بين الواقعي والخيالي. لكن الجانبية متحالفة مع الجانبية الدماغية، بحيث أمكن توطيد علاقة بين الجهاز العصبي المركزي وبين الجهاز المناعي، من ناحية، وبين الجهاز المناعي وبين السائد الدماغي، من ناحية أخرى. وإذ تغلق هذه العلاقة الدائرة، تسمح، في بعض أمراض المناعة الذاتية، كالداء السكري على سبيل المثال، باستشفاف إمكانية شد التناذر العضوي إلى طوارئ تكوين المكان الجسماني ومكان التمثيل. وعلى نحو مقايس، يفتح الزمن، المندرج في إيقاع جسماني توسِّعه بعض مكتشفات البيولوجيا الزمنية، مجالاً يمكن فيه التعرف إلى باثولوجيا نفسجسمية تتراوح بين الخيال وبين المبتذل وتستدعي من جديد العلاقة بين الزمن وبين اللاوعي.
*
في صياغة للثيمة التي كرَّسنا لها هذه الاعتبارات أوْلَيْنا انتباهاً خاصاً لإشكالية البصر التي تقع على الحد بين الجسم الواقعي وبين الجسم الخيالي من خلال باثولوجيات قلما تم تناولها من زاوية النفسجسميات. وفضلاً عن ذلك تمتد هذه الثيمة نفسها في مجال الجماليات حيث قمنا بتحليل الروابط المركَّبة التي تشد حاسة البصر إلى المكان وإلى الإسقاط اعتماداً على مثال واحد: نظرية ألبرتي في المنظور.
*** *** ***
ترجمة ديمتري أفييرينوس
[1] الطبابة التي تبحث في الاضطرابات الجسمية الناشئة عن اضطرابات ذهنية أو نفسية نتيجة اختلال حاد أو مزمن في توازن حيوي ضعيف ناجم عن ضغط نفساني. ولعل أوضح الأمثلة على الأمراض النفسجسمية الربو والقرحة الهضمية والتهاب القولون القرحي. (المترجم)
[2] النوم الخُلفي هو طور النوم الذي تظهر فيه الأحلام، ويتسم بنشاط دماغي مقايس للنشاط المسجَّل إبان حالة الصحو حين تكون العضلات مسترخية تماماً، كما ترافقه حركات العينين السريعة REM. (م)
[3] السيرورة التي يمتص الفرد عن طريقها، أو يستدمج في بناء الأنا، شخصاً أو موضوعاً، كلياً أو جزئياً، بحيث تصير علاقته بالشخص أو الموضوع المُستدمَج علاقة مع صورة الشخص أو الموضوع "في الداخل" بدلاً من أن تكون مع الشخص أو الموضوع "في الخارج"؛ والاستدماج عبارة عن دفاع، وفي الوقت نفسه، سيرورة تطورية سوية: دفاع لأنه يخفف قلق فراق المحبوب، وسيرورة تطورية لأنه يساعد الفرد على تحقيق حكم ذاتي متزايد. وعكسه الإسقاط، وهو سيرورة نفسية تتجه من محور الداخل إلى الخارج، معاكسة بذلك الإدراك الذي ينقل صور الأشياء إلى النفس عبر الحواس؛ فالإسقاط ينقل صور أشياء قابعة في اللاوعي إلى موضوع خارجي، لكي تعود الحواس فتتلقَّفه ثانية من الخارج إلى الداخل. (م)
[4] أي تحويل اضطرابات أو نزاعات نفسية إلى أعراض جسمية وظيفية. (م)
[5] الهستيريا التحويلية شكل من أشكال العصاب يتظاهر بأعراض جسمانية، سببُها ليس عضوياً بل نفسي، ويحمي فيه المرضُ المريضَ من الموقف المسبِّب للإصابة؛ من هنا فهو لا يكترث بالمرض، حتى وإن كان معوِّقاً له من الناحية العضوية، لأنه يشعر بأن وضعه في وجود المرض أفضل من مواجهته للواقع الذي يتهرب منه. (م)
[6] يقول زورْن: "كلما تحسَّنتُ ساءت حالي."
[7] وإن كنا نأخذ على هذا المؤلف لغته المنزعية التي تغيِّب البُعد العلائقي، وتحيل بذلك كل شيء إلى السيرورة الداخلية، أي إلى الأداء وحسب. بهذا المعنى، إذا كان الأداء يراوح مكانه، فإن هذا علامة على انغلاق علائقي يشير إلى وجود لامخرجية. هذه الملاحظة تصح أيضاً على باثولوجيات أخرى، ولا سيما الخاصة منها بالجهاز المناعي، الذي يؤدي أداءً يبدو متناقضاً، كما في أمراض المناعة الذاتية.
[8] السيادة الوظيفية لأحد جانبي الجسم على الآخر التي تجعل الفرد يفضل، على سبيل المثال، استعمال ذراعه اليمنى على اليسرى، وبالعكس. (م)
ثقافة الكبت(14)
في ظل الاوضاع الملتهبة في العالم تعجبت من ذلك الخطيب الذي لم يطل فحسب في خطبته فقط بل اطال كذلك في اللحن.
ذلك الموضوع الذي تقرأ في ثناياه ان خطيبنا الكريم لم يفق بعد لينظر الى واقعه الاعلامي المتخبط وما آل اليه الامر من التنوع الاعلامي والاتساع الفكري وانتشار فضاء القنوات والمسموعات وتعدد الاجتهادات ليسوق كل خطبته متحدثا عن (الدش) وآثاره على الاخلاق والمجتمع والجيل الجديد.
واتساءل هنا لماذا الى الان يطرح مثل هذا الخطاب وبطريقة تقليدية جافة بعيدة عن الطرح الموضوعي والواقعي والحلول الايجابية المثمرة، وكأن مجتمعنا بالذات مازال يعيش منغلقا - في قرية - بعيدةعن الاعلام والبث ولم تصله قشور التقنية والبرمجة.
وكأن من يعرض هذا الفكر يريد حلا للمشكلة ان يعمل ميثاق اخلاق دولي ينص على احترام تقاليد واخلاق مجتمعنا بالذات او انه يريد ان تكون هناك رقابة حكومية تعمل على شل اجهزة البث الفضائي.
يا له من منطق غريب وكأننا مع كل مشكلة تواجه مجتمعنا تظهر ردود الافعال الطبيعية ثم تتغير، وكأن حرية الاعلام هي وحدها التي ستدمر اخلاق مجتمعنا وكأننا في معزل عن العالم فلماذا لا نفكر في ان كثرة الضغط على المجتمع واحساسه بالكبت المستمر وخوفنا من الحرية هي التي ستفجر يوما هذا المجتمع المقيد!!
لقد اصبح الكبت والفاظ التحريم والتحمس في فرض عبارات الرفض لكل ماهو مفروض على ثقافتنا ومؤثر على ديننا فكأن مشكلة اقتحام الاعلام اردنا ام لم نرد هي مشكلتنا الأم، فالعالم باحداثه وتوتراته يتزلزل ويقهر ونحن مازلنا نناقش آثار البث ومشكلاته.
اني اوافق ان ما تعرضه وسائل الاعلام من مفاتن وبيع لجسد المرأة والتطبيل لاهل الفن والغناء تخدير لفكر شباب الامة وعقولها، لكنني في المقابل اقول ان كثيرا من فئات المجتمع لديهم وعي بما يجري له وان هذا كله يمكن ان يعالج عن طريق الرقابة المتوازنة والحكيمة، وتنمية الرقابة الذاتية القائمة على الاقتناع الداخلي والحوار العقلاني، مع ان بعض الرقابة وما شابهها من اجهزة الهيمنة على الفكر والمشاعر مجرد رادار خارجي يسجل المخالفات تمهيدا لاقامة العقوبات.
فطبقة الشباب من الجنسين ان لم يدعمهما توازن داخلي وصفاء اسري، وليس لهما القدرة على حماية انفسهم، فهم ليسوا بحاجة الى (دش) ولن ينتظروا مشاهدة فيلم فاضح لكي ينحرفوا.
فالفتاة مثلا التي تحمل داخلها دوافع الرذيلة والخيانة لن تؤجل خيانتها الى حين ترى فيلما عن الخيانة.. وهي كمن يريد ان يقتل فهناك اسباب ستدفعه للقتل ليس ضروريا ان يتابع فيلما فليس صحيحا ان الانسان مجرم ومحب للرذيلة بالفطرة - الا من انحرفت فطرهم - او هو ريشة في مهب الريح.
ان المنطق الذي يتجاهل الدوافع الحقيقية لسلوك البشر هو بذلك يشوه النظرة الى الحرية ويحمل في المقابل على ترسيخ الكبت وثقافة القيد!!
ولعل التاريخ بنماذجه شاهد على ان مساوىء الكبت والقمع اشد ضررا من بعض المشاكل المؤقتة التي قد تصاحب مناخ الحرية، وان الفتاة التي يحاصرها الكبت والقمع الاسري لا تملك الا امرين اما الخطأ واما التمسك بفضيلة كاذبة شكلية، واقول كاذبة لانها تمارس بالفرض وليس بالحوار الهادىء المحفوف بالحب والمودة، وفي المقابل هي لم تمنح حرية الاختيار والتصرف في عواقب الامور بل صار هدفها ارضاء الآخرين لا تنمية الشخصية وتقويتها.
والحقيقة ان اي فضيلة مفروضة بالجبر هي خطر حقيقي على الفضيلة والذي يجعل الفضيلة والقيم امرا يشرف الانسان هو اختياره واقتناعه بها رغم انه قادر على ممارسة غيرها.
ان الذي يمكن ان يحمي اخلاقنا هو نفس اخلاقنا القائمة على صفاء وسماحة عقيدتنا وفطرتنا الدينية واذا استطاعت اخلاقنا وتقاليدنا وقيمنا ان تخاطب افكارنا ومشاعرنا واخلاقنا وصراعاتنا وتناقضاتنا بشكل ايجابي ومتوازن بعيدا عن التشنج والصراخ وباسلوب واقعي ومتجدد وهادىء تكون حينئذ قادرة على حماية نفسها وكذلك الأمر مع شبابنا.
فاذا وصلنا الى هذا لا نحتاج حينها الى التحمس الزائد في مواعظ الاخلاق مع اهميتها ولا الى الرقابة في الخارج، حينها سيستمتع الناس بالحرية وفق قيم الاسلام دون كبت او قيد.
الحيل اللاشعورية(15)
وتنجم من داخل الفرد نفسه لمواجهة الأخطار الناجمة من الخارج من الأشخاص المحيطين بالفرد نفسه في بينته لتدافع عن شخصية هذا الفرد ويطلق عليها بين قوسين (ميكانزمات الدفاع) ومنها:
1 : التوحد: وهي محاولة الفرد للوصول إلى الهدف بأن يبرمج ذاته بصفات محددة أو بذات شخص آخر من خلال تقليده أو محكاته ولذا فإن تقليد الوالدين ومحاكاتهم يخفف من درجة التوتر لدى الفرد .
2 : الاستبدال والإزاحة : وهي عملية توجيه الطاقة من هدف إلى آخر لتوضيح قدرة الفرد على تغيير هدف نشاطه من موضوع نفسي إلى أخر وتتم عملية التغيير هذه عندما يكون الهدف الجديد لا يكفي لإزالة التوتر ولذا فإنه يظل يبحث عن الأفضل لتخفيف ذلك التوتر لديه وهذا يفسر تنوع أشكال سلوك الإنسان .
ومن أمثلة الإزاحة التسامي وهو أسلوب تسلكه الدوافع العدوانية أو الجسمية لتتخذ طريقاً ثقافياً أو إنسانياً أو حضارياً أو فنيا ويحتاج الفرد لمزيد من النضج حتى يمكنه التسامي بطاقته وتحويلها إلى موضوعات تشبع حاجاته وتساعد على نمو مجتمعه أيضاً .
3: الكبت: وهو محاولة الفرد التحفظ عن دوافع مثيرة للقلق، ويرفض ببساطة الاعتراف بوجودها، الأفراد الذين يعتريهم الكبت تكون شخصياتهم متوترة متصلة وتسيطر(الأنا العليا) لديهم على (الأنا) ويعمل الكبت في مرحلة الطفولة على تقوية (الأنا) وتساعده حينما يكبر وتسبب له بعض المشكلات النفسية.
4: الإسقاط: وهو إنكار صفة معينة في الفرد ولإلصاقها بفرد آخر وهو مرتبط بحيلة الإنكار، فمثلاً عندما يكره طالب أحد زملائه فيدعي بأن زميله يكرهه ويستخدم هذا الأسلوب أحياناً في حياتنا اليومية غير أن الإفراط في استخدامه يعوق معرفة الفرد لنفسه ويفسد علاقته الاجتماعية أيضاً لأنه قد يصل به الحد للحط من شأن الآخرين مما يؤدي إلى اختلاف في الإدراك أو إدراك أشياء لا وجود لها .
5 : النكوص: وهي تراجع الفرد إلى ممارسة أساليب سلوكية في مرحلة سابقة من حياته لا تناسب مع مرحلة نموه الحالية ليجنب ذاته الشعور بالعجز والفشل أو المخاوف أو الحرمان وهذه العملية تجنب الفرد الشعور وبالقلق ولكنها تعيق النمو ومن الأمثلة: الطفل الصغير الذي ينكص إلى أنواع السلوك ألطفلي المبكر عندما يواجه خطر فقدان الحب ويعتقد أنه يعود إلى هذه المرحلة من النمو التي تحقق له الحب.
6 : التثبيت: عندما ينتقل الفرد من مرحلة نمو إلى مرحلة أخرى يواجه مواقف محبطة ومثيرة للقلق تعوق استمرار نموه بصفة مؤقتة على الأقل ويثبت على مرحلة معينة من مراحل نموه ويخاف الانتقال منها ويتخلى عن شرط سلوكي معين على إشباع حاجاته، لعدم تأكده من السلوك هل يستحق الإشباع أم لا ؟ .
7: التكوين العكسي: تحاول (الأنا) تكوين سلوك على النقيض عندما يكون هناك موقف يثير القلق فإذا كان الفرد يشعر بكراهية شخص ما، فقد يظهر مشاعر الود والحب تجاه هذا الشخص، وعادة ما ترجع أشكال متطرفة من السلوك إلى تكوين العكس .
8: التعويض: وهو أسلوب المبالغة الذي يبدو على سلوك الفرد فمثلاً فرد دميم الخلقة أو شخص قصير القامة على شكل قزم فنجد بأن كلاً من هذين الفردين يحاول إظهار السيطرة والتسلط بصورة مبالغ فيها في شكل عملية تعويض عن مشاعر مكبوتة تؤلم الفرد إذا شعر بها على شكل استعراضات يقوم بها، ويرجع السلوك التعويضي لبعض الأفراد إلى عوامل لا شعورية لا يعيها الفرد وتدفعه إلى أساليب سلوكية غير متكاملة مبالغ فيها قد تؤدي إلى اضطرابات انفعالية .
9: التبرير: وهو عملية نستطيع من خلالها إيجاد أسباب منطقية لسلوكنا ولكن هذه الأسباب غالباً ما تكون مخالفة للواقع وذلك لكون الفرد يرى بأن ما يراه لنفسه قد يراه الآخرون فيهم، ولذا فأن التبرير في بعض الأحيان يمثل عملية لا شعورية لأن صاحبها لا يدرك بأنه مشوه الواقع، يصعب عليه مناقشة مبررات سلوكه لأن (الأنا) تخشى الكشف عن الأسباب الحقيقية لذا فهي تعمل على كبتها، ومثال ذلك الطالب الذي يغش في الاختبار يبرر فشله بصعوبة أسئلة الاختبار وذلك لحفظ ماء الوجه.


تحياتي لكم......


منقول
رد مع اقتباس



إضافة رد

أدوات الموضوع


جديد مواضيع استراحة بورصات

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
موسوعة الحديث النبوي الشريف الكاملة(بخاري كامل+مسلم كامل+رياض الصالحين كاملة+الشرح) P_Files استراحة بورصات 17 28 - 10 - 2012 01:06 AM
موسوعة كاملة من الرسائل والبرامج والنغمات وطبعا مجانا اسعار الذهب استراحة بورصات 8 07 - 10 - 2010 11:19 AM


11:49 PM