شفرة الإخصاب والتخليق: سر الماء الدافق
وامتداد الجنين بين الصلب والترائب
تعددت تفاسير المفسرين واختلفت الآراء حول قوله تعالى في سورة الطارق:
(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)،
وسنتناول هنا تبيان هذه المسألة لغوياً وتشريحياً وفق أحدث
معطيات العلم وبمدلول اللسان العربي المبين.
شمولية "الماء الدافق" وحيوية الخلية
المنظور التقليدي يسند الدفق للرجل وحده، لكن اللسان العربي والبيولوجيا الحديثة يقدمان أبعاداً أدق:
ماء الرجل: يحتوي على الحيوانات المنوية التي يجب أن تمتلك قوة دفق وحركة ذاتية نشطة
(Motility)،
وهذا شرط أساسي للإخصاب.
ماء المرأة: المبيض يطلق البويضة بحركة دافقة متجهة إلى قناة الرحم "فالوب"، ويكون السائل
المحيط بها متدفقاً وحيوياً لتسهيل وصول واختراق الحيوان المنوي.
إذن، اللفظ القرآني {مَاءٍ دَافِقٍ} يصف المحصلة المشتركة للمائين اللذين يحدث بينهما
الالتقاء والالتحام لدمج الشفرات الوراثية وتكوين النطفة بأصلها الكروموسومي الكامل
(46 كروموسوم)، في إشارة رقمية إعجازية مذهلة طابقت رقم الآية 46 من سورة النجم:
(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى)
2. النطاق التشريحي والديناميكي لـ (الصلب والترائب)
في لسان العرب وأمهات المعاجم (كـ لسان العرب والقاموس المحيط)، يُحدَّد الجسد بدقة:
الصُّلب: هو العمود الفقري (الظهر) لأنه ركيزة قوة الإنسان وتمسكه.
الترائب: هي عظام وأضلاع الصدر (ومنه قول العرب "موضع القلادة من الصدر").
واستخدام ظرف المكان {بَيْنِ} في الآية يفيد الاحتواء والتوسط؛ أي وجود
"حيز مكاني واحد مشترك"
يتوسط الظهر والصدر، وهو التجويف البطني والرحمي للأم. وهنا يتجلى
الإعجاز التكويني والديناميكي عبر أطوار الحمل التسعة:
مرحلة النطفة والإخصاب الأول: تبدأ في أسفل هذا الحيز عند منطقة
الحوض وقناة فالوب المحاذية لأسفل الصلب.
مرحلة النمو والتمدد الجنيني: مع مرور أشهر الحمل، يتسع الرحم عمودياً في بطن الأم
ويخرج من الحوض صعوداً. يمتد الجنين طولياً مستنداً من الخلف على الصلب (العمود الفقري للأم)،
ومتسعاً وصاعداً من الأمام والأعلى حتى يبلغ قاع الرحم أقصى ارتفاع له ليلامس ويضغط على القفص الصدري وأضلاعه السفلى
(الترائب بمفهومها الشامل لعظام الصدر). وبذلك يشغل الجنين هذا الحيز الجغرافي الممتد بين الظهر والصدر طوال تسعة أشهر كاملة.
3. الربط المحكم بالنص القرآني
إن تكرار فعل {خُلِقَ} في السورة يشير إلى أن الآيات لا تتحدث عن دفق لحظي للمني فحسب،
بل عن "عملية التخليق الإنساني الكاملة" التي بدأت من ذلك الماء. بناءً على هذا، فإن جملة
(يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)
تعود بيانياً وتشريحياً على الإنسان المتخلق نفسه؛ فهو الذي يخرج بالولادة إلى الوجود بعد
أن شغل هذا الحيز الجغرافي المحمي بين ظهر أمه وصدرها طوال تسعة أشهر.
لذا يعقبها النص مباشرة بآية البعث:
{إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}؛
فالذي أحكم هندسة هذا التكوين، وتمدده في هذا الحيز وتجاوزه ضيق البطن، ثم خروجه منه
إنساناً سوياً، قادرٌ بالضرورة على إرجاعه وإعادة تركيب شريطه الوراثي يوم البعث والنشأة الآخرة.
والحمد لله رب العالمين
التفسير لغةً وعِلماً، بلسانٍ عربيٍّ مبين.