• 6:18 صباحاً
logo




حرب القرم

إضافة رد
عضو فـعّـال
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 1,176
معدل تقييم المستوى: 7
slaf elaf is on a distinguished road
22 - 04 - 2019, 04:44 PM
  #1
slaf elaf غير متواجد حالياً  
افتراضي حرب القرم


تُعدُّ حرب القرم بين الجيوش الروسيَّة والدولة العثمانية من أهمِّ مراحل التاريخ الحديث؛ فقد دفعت بالعلاقات الدولية نحو التأزُّم، وغيَّرت من التحالفات السياسية؛ فقد وقفت فيها إنجلترا وفرنسا بجانب الدولة العثمانيَّة ضدَّ روسيا، كما تشغل هذه الحرب مكانًا فريدًا في تاريخ الدولة العثمانية وتاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي.

أسباب حرب القرم

تعدَّدت آراء المؤرِّخين حول الأسباب التي تسبَّبت في نشوب حرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية، ولكن من أهمِّ هذه الأسباب الخلافات الدينيَّة بين روسيا وفرنسا حول الأماكن المقدَّسة في فلسطين؛ فقد كان لفرنسا حقٌّ تقليديٌّ يعود تاريخه إلى زمن الحروب الصليبية في حماية الكنائس في بيت المقدس، ولمـَّا ضمَّت الدولةُ العثمانية البلادَ العربيَّة خوَّلت لفرنسا هذه الامتيازات في سنة (1153ه= 1740م)، وبموجب هذه الامتيازات أعطت فرنسا للنصارى الكاثوليك حقوق امتلاك هذه الكنائس والإشراف عليها.

وعندما انشغلت فرنسا بالثورة الفرنسية والحروب في أوروبا استطاعت روسيا سلب هذه الامتيازات وإعطائها لرعياها الأرثوذكس، غير أنَّ فرنسا لمـَّا انتهت من حروبها، وارتقى عرشها الإمبراطور نابليون بونابرت أرسل إلى السلطان العثماني عبد المجيد الأول (1255- 1277ه= 1839- 1861م) مذكرةً في سنة (1268ه= 1852م) يطلب فيها استعادة امتيازات فرنسا القديمة، ولما وافق السلطان العثماني على طلب الإمبراطور الفرنسي احتجت روسيا وهددت بالحرب.

أحداث ما قبل حرب القرم

اتَّخذت روسيا من هذا الخلاف ذريعة، ووجدت أنَّ الفرصة قد أصبحت ملائمةً في شنِّ الحرب على الدولة العثمانية، فأرسلت الأمير منشيكوف إلى إسطنبول بمهمَّةٍ ظاهرها تسوية مسألة الأراضي المقدَّسة، ولكنَّ الهدف الحقيقي لمهمَّته توقيع معاهدة تكفل لروسيا تدخُّلها في الشئون العثمانية الداخلية، وهذا إذا ما رُفِضَ من قِبَل السلطان العثماني سيكون مبرِّرًا لإعلان الحرب على الدولة العثمانية.

وقبل وصول الأمير منشيكوف إلى إسطنبول حاولت روسيا الاستعانة بإنجلترا وفرنسا فلم يُوافقا، ولمـَّا وصل الأمير منشيكوف إلى إسطنبول رُفِض طلبه بالفعل وفشلت مهمَّته، فغادر إسنطبول في (12 شعبان 1269ه= 21 مايو1853م).

أحداث حرب القرم

بعد أن رفض السلطان العثماني المطالب الروسية وغادر منشيكوف الأراضي العثمانية قطعت روسيا علاقتها الدبلوماسية مع الدولة العثمانية وأصدرت مذكرة، مهدِّدةً فيها باحتلال الأفلاق (في رومانيا حاليًّا) والبغدان (جزء من ملدوفا حاليًّا) في حالة استمرار تمسُّك الدولة العثمانية بموقفها، ولكن رفضت الدولة العثمانية المذكِّرة، فتقدَّمت الجيوش الروسية وعبرت نهر بروت في (شوال 1269ه= يوليو 1853م)، واحتلت إقليمي الأفلاق والبغدان، وسَعَت النمسا للصلح بين الدولتين بعقدها مؤتمر في فيينا في (ذي القعدة 1269ه= أغسطس 1853م)، ولكنَّ المؤتمر انفضَّ دون اتِّفاق.

بعد انتهاء المؤتمر وتحقَّق للجميع سوء مقاصد روسيا، أرسل السلطان العثماني إلى روسيا بإخلاء ولايتي الأفلاق والبغدان في ظرف خمسة عشر يومًا وإلَّا سيعتبر ذلك إعلانًا للحرب، فرفضت روسيا إخلاء هاتين الولايتين، فعبرت الجيوش العثمانية بقيادة عمر باشا نهر الدانوب في (21 صفر 1269ه= 23 نوفمبر 1853م)، وبعد موقعةٍ عظيمةٍ انتصرت الجيوش العثمانية انتصارًا أدهش العالم، كما انتصر العثمانيُّون في الوقت نفسه على جبهة القوقاز، واحتلوا بعض القلاع، لكن توقَّف القتال على الجبهتين بسبب برد الشتاء وتساقط الثلوج في هذه البلاد.

دخول إنجلترا وفرنسا حرب القرم

عند هذه المرحلة من الحرب أبدى القيصر الروسي نيقولا الأول (1796- 1855م) قلقه من تدخُّل إنجلترا وفرنسا في الحرب لصالح الدولة العثمانية، فطلب من إمبراطور النمسا الوساطة في عقد تحالف بينهما، لكنَّ الإمبراطور النمساوي رفض طلبه واعتذر له عن تلك المساعدة، وبعدها جرى اتفاقٌ بين فرنسا وإنجلترا والدولة العثمانية على محاربة روسيا، فتقدَّمت السفن الفرنساوية والإنجليزية إلى إسطنبول عبر مضيق البوسفور لحماية العاصمة من هجومٍ روسيٍّ محتمل، وبالفعل في (28 صفر 1269ه= 30 نوفمبر 1853م) هاجم الأسطول الروسي الأسطول العثماني في ميناء سينوب ودمَّره تدميرًا، وأثار هذا الهجوم عاصفةً من السخط في إسطنبول، وعدَّت إنجلترا وفرنسا ذلك العمل إهانةً لهما، فأدخلا سفنهما على إثر ذلك إلى البحر الأسود.

حاولت فرنسا إقناع روسيا بالحلِّ السلمي، فأرسلت إلى القيصر الروسي وعرضت عليه إخلاء الجيش الروسي لولايتي الأفلاق والبغدان مقابل سحب أسطولها وأسطول إنجلترا من البحر الأسود، غير أنَّ القيصر الروسي رفض هذا الصلح، ونتيجةً لرفضه أعلنت إنجلترا وفرنسا الحرب على روسيا في (4 جمادى الآخر 1269ه= 4 مارس 1854م)، ووقَّعَتا بعد أسبوع اتفاقيَّة حربٍ مع الدولة العثمانيَّة ضدَّ روسيا.

بدأ القتال في البحر الأسود قبل أن تصل قوَّات الحلفاء، وازداد حدَّةً بعد وصولها حين قصفت بحريَّتهم ميناء أوديسا والثغور الروسيَّة الأخرى على البحر الأسود، ممَّا دفع القيصر الروسي إلى إعلان الحرب على إنجلترا وفرنسا في (13 رجب 1269ه= 11 أبريل 1854م)، وسحب سفيريه من لندن وباريس، وقبلها كانت الجيوش الروسية قد اجتازت نهر الدانوب وحاصرت مدينة سلسترية، مدَّة خمسة وثلاثين يومًا، إلَّا أنَّها رفعت الحصار عن المدينة بسبب استبسال العثمانيِّين وانتشار مرض الكوليرا في صفوف الجيش الروسي.

دخول النمسا حرب القرم

ثم حدث أن تدخلت النمسا في الحرب بعد أن عقدت اتفاقيَّةً مع إنجلترا وفرنسا للحفاظ على سيادة الدولة العثمانية، وتوَّجت هذا التدخل بإرسال إنذارٍ إلى روسيا بإخلاء الأفلاق والبغدان، ثم اتُّفِق على احتلال النمسا للإقليمين مقابل صدِّ الهجمات الروسيَّة عنهما، ومساعدة الدولة العثمانية وإنجلترا وفرنسا في الحرب ضدَّ الروس، وبدأت القوَّات النمساوية بالفعل بالحلول تدريجيًّا مكان القوَّات الروسية.

حتى هذه المرحلة من الحرب لم تستطع الدول المتحالفة ضرب القوَّة الروسيَّة البحرية وانهاء سيطرتها على البحر الأسود، لذلك قرَّرتْ نقل الحرب إلى الأراضي الروسيَّة وحصار مدينة سيباستبول، فأبحرت قوَّةٌ كبيرةٌ للحلفاء في اتِّجاه المدينة، وفي طريقها اصطدمت بالجيش الروسي وانتصرت عليه عند نهر ألما، وبات الطريق مفتوحًا أمام سيباستبول التي أسقطوها بالفعل ولكن بعد مدَّة سنةٍ كاملةٍ أي في (28 ربيع الأول 1272ه= 8 ديسمبر 1855م).

كان سقوط سيباستبول هو النقطة التي غيَّرت مجرى الحرب، على الرغم من انضمام السويد ومملكة سردينيا الإيطاليَّة إلى الدول المتحالفة، وتحقيق بعض الانتصارات الأخرى في بحر البلطيق والمحيط الهادي، إلَّا أنَّ النمسا قد شعرت بأنَّ نهاية الحرب أضحت وشيكة، فأرسلت إنذارًا إلى روسيا في (أواسط عام 1272ه= أوائل عام 1856م) تطلب منها قبول الصلح من غير قيدٍ أو شرط، ولمـَّا كانت روسيا استُنزِفَت تمامًا ردَّت بالموافقة، وعندئذٍ وجَّهت إليها النمسا دعوةً إلى عقد مؤتمر سلام، وانعقد المؤتمر في باريس واستمرَّ (من 18 جمادى الآخرة إلى 21 رجب 1272ه= 25 فبراير إلى 30 مارس 1856م)، وكانت مهمَّة هذا المؤتمر الحقيقية البتَّ في مستقبل الدولة العثمانية، فحقَّق الكثير في هذا المضمار ولكن لم يبلغ مبلغ التسوية النهائيَّة.

نتائج حرب القرم

خرجت الدولة العثمانية من حرب القرم وهي في حال ارتباكٍ على الرغم من أنَّ الحرب كانت لصالحها كما يبدو للوهلة الأولى، إلَّا أنَّ الحرب انتهت لصالح الدول الأوروبية التي راحت تُدبِّر المؤامرات لإضعاف الدولة العثمانية حتى تبقى تحت طوعها.

وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية منهمكة في إصلاح شئونها الداخليَّة أخذت القوميَّات التابعة لحكمها تنتفض وتُثير المتاعب في وجهها بتحريضٍ من الدول الأوروبِّيَّة بهدف تحقيق انفصالها، على الرغم من أنَّ إنجلترا وفرنسا والنمسا عقدت معاهدةً في (9 شعبان 1272ه= 15 أبريل 1856م) تعهَّدت فيها باحترام استقلال الدولة العثمانيَّة وضمان سلامة وتماسك ممتلكاتها، لكن ثبت بعد ذلك أنَّ عقد المعاهدات شيءٌ وتطبيقها عمليًّا شيءٌ آخر.

فلم تجنِ الدولة العثمانية من معاهدة باريس سوى المشكلات من قِبَل الدول الأوروبِّيَّة التي عملت على تقطيع أوصالها، وضمِّ أجزاءٍ من ممتلكاتها إليها، بحيث أصبحت عبارة "المحافظة على استقلال الدولة العثمانية وتماسك ممتلكاتها" غير ذات قيمة [1].


[1] محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1401هـ= 1981م، ص491- 523، ومحمد سهيل طقوش: تاريخ العثمانيين، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1434هـ= 2013م، ص379- 398، وعلى حسون: تاريخ الدولة العثمانية، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1415= 1994م، ص187- 196، ومحمود شاكر: التاريخ الإسلامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، 1421هـ= 200م، 8/ 175- 179.
قصة الإسلام
رد مع اقتباس



إضافة رد

أدوات الموضوع


جديد مواضيع القسم الاسلامي

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صور لنادى القرن mody_o استراحة بورصات 0 25 - 08 - 2010 01:10 AM
مهابيل القرن 21 linker استراحة بورصات 0 28 - 07 - 2009 12:30 AM


06:18 AM