• 11:39 صباحاً
logo




محمود شاكر .. رحلة أديب خاض كل غمار الثقافة

إضافة رد
عضو فـعّـال
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 1,358
معدل تقييم المستوى: 7
slaf elaf is on a distinguished road
15 - 10 - 2019, 04:38 PM
  #1
slaf elaf غير متواجد حالياً  
افتراضي محمود شاكر .. رحلة أديب خاض كل غمار الثقافة


ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة؛ فهو كاتبٌ له طريقته الخاصَّة التي لا تُبارى أو تُحاكى، وشاعرٌ مبدعٌ حقَّق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته «القوس العذراء»، ومحقِّقٌ بارعٌ لكتب التراث، قادرٌ على فكِّ رموزها وقراءة طلاسمها، ومفكِّرٌ متوهِّج العقل يَنقُض أعتى المسلَّمات، ومثقَّفٌ واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربيَّة كلِّها فكانت عنده كتابًا واحدًا.

غير أنَّ العلامة الشيخ محمود محمد شاكر ظلَّ سنواتٍ طويلةٍ في عزلةٍ اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلَّا المقربون منه من تلامذته ومحبِّيه، تاركًا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلَّا شاكي السلاح، مستجيبًا لدعوة الحقِّ حين يشعر بأنَّ ثقافة أمَّته يتهدَّدها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلَّفاته استجابةً لتحدِّيَّاتٍ شكَّلَت خطرًا على الثقافة العربية.

هو محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما.

وُلِد في الإسكندرية في ليلة العاشر من المحرم سنة (1327هـ) الموافق الأوَّل من فبراير سنة (1909م)، وانتقل إلى القاهرة في العام نفسه مع والده؛ إذ عُيِّين والده وكيلًا للجامع الأزهر، وكان قبل ذلك شيخًا لعلماء الإسكندرية.

النشأة:

نشأ الشيخ محمود شاكر «أبو فهر» في بيئةٍ متديِّنة؛ إذ كان أبوه كبيرًا لعلماء الإسكندرية، ثم وكيلًا للجامع الأزهر.

ولم يتلقَّ إخوته تعليمًا مدنيًّا، أمَّا هو -وقد كان أصغر إخوته- فقد انصرف إلى التعليم المدني، فتلقَّى أولى مراحل تعليمه في مدرسة «الوالدة أم عباس» في القاهرة سنة (1916م)، ثم بعد ثورة (1919م) انتقل إلى مدرسة «القربية» بدرب الجماميز، وهناك تأثَّر كثيرًا بدروس الإنجليزية لاهتمامهم بها، ولكونها جديدة عليه.

ولمـَّا كان يقضي أوقاتًا كثيرةً في الجامع الأزهر فقد سمع من الشعر وهو لا يدري ما الشعر!! ومن الجدير بالذكر أنَّه حفظ ديوان المتنبي كاملًا في تلك الفترة.

وفي سنة (1921م) دخل المدرسة الخديوية الثانوية ليلتحق بالقسم العلمي ويتعلَّق بدراسة الرياضيات، وبعد اجتياز الثانوية، وعلى الرغم من حبه للرياضيات، وإجادته للإنجليزية؛ فإنَّه فضَّل أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية لِمَا شعر به من أهميَّة «الكلمة» في تاريخ أمَّته قديمًا؛ فلا بُدَّ أن يكون لها الدور الأكبر في مستقبلها.

ولأنَّه كان من القسم العلمي فقد تعذَّر دخوله لكلية الآداب بداية، إلَّا أنَّه بوساطةٍ من «طه حسين» لدى «أحمد لطفي السيد» رئيس الجامعة المصرية آنذاك استطاع أن يلتحق بما يريد سنة (1926م).

وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي، وهى التي عُرِفت بكتاب «في الشعر الجاهلي»، وكم كانت صدمته حين ادَّعى طه حسين أنَّ الشعر الجاهلي منتحل، وأنَّه كذب ملفَّقٌ لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنَّما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي.

وضاعف من شدَّة هذه الصدمة أنَّ ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن اطَّلع عليه بحذافيره في مجلة استشراقيَّة في مقالٍ بها للمستشرق الإنجليزي (مرجليوث)!

وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، وصاحبنا عاجزٌ عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشًا أستاذه، وظلَّ على ذلك زمنًا لا يستطيع أن يتكلَّم، حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمُّل بقيَّة، وقف يردُّ على طه حسين في صراحةٍ وبغير مداراة.

وتولَّدت عنده مشاعر خيبة أملٍ كبيرة، فترك الجامعة غير آسفٍ عليها وهو في السنة الثانية؛ لأنَّه لم يعد يثق بها، ولم تُفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة (1928م) مهاجرًا، وأنشأ هناك -بناءً على طلب الملك عبد العزيز آل سعود- مدرسة «جدة السعودية الابتدائية» وعمل مديرًا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة سنة (1929م).

بعد عودته من الحجاز إلى القاهرة، انصرف إلى الأدب والكتابة وقراءة دواوين الشعراء حتى صارت له مَلَكَةٌ في التذوُّق، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسيَّة في مجلتي «الفتح» و«الزهراء» لمحبِّ الدين الخطيب.

واتَّصل بأعلام عصره من أمثال: أحمد تيمور، وأحمد زكي باشا، والخضر حسين، ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقةٍ خاصَّةٍ معه.

وعلى الرغم من هذا فإنَّه يصف المرحلة الزمنية من (1926 – 1936م) -أي منذ السابعة عشر إلى السابعة والعشرين- بأنَّها: «حياةٌ أدبيَّةٌ بدأتُ أحسُّ إحساسًا مبهمًا أنَّها حياةٌ أدبيَّةٌ فاسدة؛ فلم أجد لنفسي خلاصًا إلَّا أن أرفض -متخوِّفًا حذرًا- شيئًا فشيئًا، أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية».

وبدأ بإعادة قراءة ما وقع تحت يده من الشعر العربي، قراءةً تختلف عن الأولى في أنَّها متأنِّيةٌ تتوقَّف عند كلِّ لفظٍ ومعنى، محاولًا أن يصل إلى ما قد يكون أخفاه الشاعر في ألفاظه بفنِّه وبراعته، وهذا هو أساس «منهج التذوق» الذي جعله منهجًا شاملًا يُطبِّقه على كلِّ الكلام شعرًا كان أم غيره.

فأقدم على قراءة كلِّ ما يقع تحت يده من كتب أسلافنا: من تفاسير لكتاب الله، إلى علوم القرآن، إلى دواوين الحديث، إلى ما تفرَّع منها من كتب مصطلح الحديث والجرح والتعديل وغيرها من كتب أصول الفقه وأصول الدين، وكتب الملل والنحل، ثم كتب البلاغة، والنحو، والتاريخ، بحيث يكون اتِّجاهه من الأقدم فالأقدم.

ومع تطبيقه لأسلوب التذوُّق، كان يقرأ كلَّ التراث على أنَّه إبانةٌ عن خبايا كاتبه.

يقول: «وشيئًا فشيئًا انفتح لي الباب على مصراعيه، فرأيت عجبًا من العجب، وعثرت يومئذٍ على فيضٍ غزيرٍ من مساجلات صامتة خفيَّة كالهمس، ومساجلات ناطقة جهيرة الصوت، غير أنَّ جميعها إبانةً صادقةً عن الأنفس والعقول».

كتابة أبي فهر عن المتنبي:

ولم يكن شاكر معروفًا بين الناس قبل تأليفه كتابه «المتنبي» الذي أثار ضجَّةً كبيرةً بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يُعدُّ علامةً فارقةً في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد.

والعجيب أنَّ شاكر الذي ألَّف هذا الكتاب سنة (1936م) ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره، لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي؛ إنَّما كان مكلَّفًا من قبل «فؤاد صروف» رئيس تحرير مجلة «المقتطف» بأن يكتب دراسةً عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحوَّل على يد شاكر كتابًا مستقلًّا عن المتنبي أنجزه في فترةٍ زمنيةٍ قصيرة على نحوٍ غير مسبوق، ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال (1354هـ) الأول من يناير (1936م)، وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله: هذا العدد من المقتطف يختلف عن كلِّ عددٍ صادرٍ منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوعٍ واحدٍ ولكاتبٍ واحد.

وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحدٌ من قبله استنتجها من خلال تذوُّقه لشعر المتنبي، فقال بعلويَّة المتنبي وأنَّه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل؛ بل كان علويًّا نشأ بالكوفة وتعلَّم مع الأشراف في مكاتب العلم، وقال إنَّ المتنبي كان يُحبُّ خولة أخت سيف الدين الحمداني، واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه، واستُقبل الكتاب بترحابٍ شديد، وكتب عنه «الرافعي» مقالةً رائعةً أثنى عليه وعلى مؤلِّفه.

والعجيب أنَّ المديح الشديَّ لم يُعجبه لأنَّه يرى أنَّ كتابه لا يستحقُّ كلَّ ذلك، حتى إنَّه رأى أنَّ النقد الموجَّه لكتابه كان نقدًا على غير أصولٍ علمية.

يقول في حوارٍ له مع د. نجم عبد الكريم: «لم أجد كاتبًا إلى هذا اليوم قام بنقد هذا الكتاب نقدًا صحيحًا أو فهم طريقة ما كتبت؛ فليس هناك من نَقَد الكتاب كما ينبغي أن يُنقد .. نقده الدكتور طه حسين في كتابه مع المتنبي نقدًا لا أستطيع أن أعدَّه نقدًا في الحقيقة، لأنَّه لا أصل له» .. «إنَّ كلَّ هذا الثناء لا يُؤثِّر عليَّ، ولا يُغيِّر شيئًا من قناعاتي، كما أنَّ الثناء لا يُغيِّر رأيي في الناس! وأقولها بأمانة: إنَّه لم يكتب أحدٌ كلمةً أستطيع أن أحترمها بشأن كتابي سوى رجلٍ واحدٍ كتب نقدًا لي من وجهة نظره، وهذا النقد يحتوي على شيءٍ من الحقيقة، أمَّا الرجل فهو الأستاذ «الوديع تلحوم»، وقد نشره في مجلة المقتطف، ولم أحتفظُ بشيءٍ ممَّا كتب عني سوى هذه المقالة أو هذا النقد، بالإضافة إلى مقالة أستاذي الأستاذ مصطفى صادق»[1].

من هنا يُمكننا أن نفهم أنَّه توقَّف عن الدراسات الأدبيَّة لأنَّه شَعَر بسطحيَّة تناولها من قِبَل النقاد.

معارك أبي فهر الأدبية:

أعظم دورٍ لعبه الأستاذ محمود شاكر، هو انتصابه بشجاعةٍ لمنازلة «طه حسين» عندما افترى على الشعر الجاهلي، مدَّعيًا عدم جاهليَّته وأنَّه من صنع المسلمين ليُفسِّروا قرآنهم.

وقد فضحه الأستاذ شاكر على الملأ بعد ما أبان بأنَّ هذه المقولة إنَّما سطا عليها الدكتور طه حسين، وادَّعاها لنفسه بينما هي في الأصل دعايةٌ استشراقيَّةٌ تولَّى كِبَرَها المستشرق المشهور «مرجليوث».

ولمـَّا صدر كتاب محمود شاكر عن المتنبي عام (1936)، صدر كتاب د. طه حسين «مع المتنبي» عام (1938)، وعلى الرغم من أنَّ طه حسين نقد في كتابه -كتاب شاكر- إلَّا أنَّه لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يسلك سبيلًا يُقلِّد فيها محمود شاكر، لذا فقد هاجم شاكر ما كتبه طه حسين في 13 مقالة في جريدة «البلاغ»، تحت عنوان «بيني وبين طه».

اتَّهمه فيها بأنَّه سطا على أفكاره وحذا حذوه، وقال: إنَّ كتاب طه حسين محشوٌّ بأشياء كثيرة تدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ الدكتور طه لم يسلك هذا الطريق الجديد على كتبه في كتاب المتنبي إلَّا بعد أن قرأ كتابه.

كما نشر «د. لويس عوض» المستشار الثقافي للأهرام حينذاك سنة (1964) مجموعة مقالات في الأهرام بعنوان «على هامش الغفران» وذهب في كلامه إلى تأثُّر المعري باليونانيَّات، كما ألمح إلى أثر الأساطير اليونانيَّة في الحديث النبوي، ممَّا دفع الرجل إلي العودة إلى الكتابة بعد عزلة فرضها على نفسه، لبيان خطأ وتهافت لويس عوض ومنهجه، ثم انتقل عن الكلام عن الفكر والثقافة في العالم العربي والإسلامي وما طرأ عليها من غزوٍ فكريٍّ غربي.

جُمِعَت هذه المقالات ونُشرت في كتابٍ مشهور «أباطيل وأسمار».

وجديرٌ بالذكر أنَّ الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- كان قد أطلق على لويس عوض في مقالاته بمجلة الرسالة «صبي المبشرين أجاكس عوض»، وكانت مقالات شاكر في ذلك حدثًا ثقافيًّا مدوِّيًّا كشفت عن علمٍ غزيرٍ ومعرفةٍ واسعةٍ بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرةٍ باهرةٍ على المحاجاة والبرهان.

يقول الأستاذ شاكر في رسالة كتاب أباطيل وأسمار: «ولهذه الفصول غرضٌ واحدٌ وإن تشعَّبت إليه الطرق، وهذا الغرض هو ما قلت للأخ الصديق الأستاذ محمد عودة: "هو الدفاع عن أمَّةٍ برمَّتها، هي أمَّتي العربية الإسلامية"، وجعلتُ طريقي أن أهتك الأستار المسدلة التي عمل وراءها رجالٌ فيما خلا من الزمان، ورجالٌ آخرون قد ورثوهم في زماننا، وهمُّهم جميعًا كان أن يُحقِّقوا للثقافة الغربيَّة الوثنيَّة كلَّ الغلبة على عقولنا، وعلى مجتمعنا، وعلى حياتنا، وعلى ثقافتنا، وبهذه الغلبة يتم انهيار الكيان العظيم الذي بناه آباؤنا في قرونٍ متطاولة، وصحَّحوا به فساد الحياة البشرية في نواحيها الإنسانية والأدبية والأخلاقية والعملية والعلمية الفكرية، وردُّوها إلى طريقٍ مستقيمٍ عَلِمَ ذلك من علمه وجهله من جهله» [2].

وقد تدخَّل الناقد «محمد مندور» عند شاكر ليُوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقَّفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصُّصه في الأدب الإنجليزي؛ حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية «الضفادع» لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلَّات والصحف يستنصرهم ضدَّ شاكر، ويزعم أنَّ المعركة بينهما معركة دينيَّة، ولم يتوقَّف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة (1965م) حتى آخر شهر ديسمبر سنة (1967م).

وفي السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلمًا وعدوانًا، واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسُّكه بدينه وعن ذنب هو منه براء. ‏

وفي منتصف الثمانينيات واصل جولاته الفكرية الناجحة، وانتقد بشدَّة أفكار نجيب محفوظ وزكي نجيب محمود، ووصفهما بأنَّهما -مثل طه حسين وتوفيق الحكيم- مقلِّدان للغرب وليسا مبتكرين؛ بل يُقدِّمان الرؤى نفسها التي كان أولئكم يُنادون بها؛ ولهذا فهم يسيرون في طريق الخطأ.

وقال عنهم: «إنَّهم لم يُقدِّموا شيئًا مفيدًا لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم، ولو كانوا يسيرون في طريقٍ صحيحٍ لكان لهم شأنٌ آخر.. صحيحٌ أنَّهم مجتهدون ولهم جهودٌ دائمةٌ دائبة، ولكنَّها ضئيلة وباهتة، فعندما أنظر إلى الوجود الحقيقي لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ أراه وجودًا ليس مفيدًا لقضايا مجتمعهم أو مشاكله».

ولعلَّ جرأة شيخنا في الحقِّ وفي الصدع به كانت سببًا في تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجه الفكري إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى رحمة الله -إن شاء الله- التي وسعت كلَّ شيء؟

الرحيل:

لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظَّفًا يمد يده نهاية كلِّ شهر إلى مرتَّبٍ ينتظره فتكون للحكومة كلمةٌ نافذةٌ في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته.

وعاش على أقلِّ القليل يكفيه ويسدُّ حاجته، ومرَّت عليه سنواتٌ عجافٌ لكنَّه لم ينحنِ أو يميل على الرغم من أنَّ بيته كان مفتوحًا لتلاميذه وأصدقائه وعَارِفِي فضله.

ولم يكن له من موردٍ سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئًا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة (1982م) مائةً وخمسين دولارًا نظير مقالةٍ كتبها ردًّا على الكاتب اليمني «عبد العزيز المقالح» حول طه حسين، ورفض أن يتسلَّم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا».

وبعد رحلة حياةٍ عريضةٍ رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحقِّقين في الساعة الخامسة من عصر الخميس (3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من أغسطس 1997م) ولبَّى نداء ربِّه.. فسلامٌ عليك أبا فهر.

المصادر:

• الشيخ محمود شاكر.. بين التحدي والاستجابة أحمد تمام.
• الموسوعة الحرة بالإنترنت «ويكيبيديا».
• محنة التاريخ الإسلامي، أ.د يحيى هاشم حسن فرغل.
• مجلة البيان - العدد [38] صـ ‌64 شوال 1411ه- أبريل 1991م.
• محمود محمد شاكر وتحقيق تفسير الإمام الطبري عبد الرحمن بن معاضة الشهري.

الهوامش:

[1] صحيفة الشرق الأوسط - العدد 5663 - الثلاثاء 31/5/1994م.
[2] أباطيل وأسمار- رسالة الكتاب، ص10.
د: خالد النجار
رد مع اقتباس



إضافة رد

أدوات الموضوع


جديد مواضيع القسم الاسلامي

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رحلة سياحية إلى عاصمة الثقافة الإسلامية مدينة تلمسان الجزائرية عمر حسين استراحة بورصات 0 25 - 10 - 2011 02:30 AM
مجموعه سلاسل فضيله الشيخ محمود المصرى ابو عمار حفظه الله عمر حسين استراحة بورصات 0 13 - 06 - 2009 05:00 AM


11:39 AM