• 4:27 صباحاً
logo




أسرة آل قدامة المقادسة ودورهم العلمي

إضافة رد
عضو فـعّـال
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 1,304
معدل تقييم المستوى: 7
slaf elaf is on a distinguished road
12 - 01 - 2020, 03:51 PM
  #1
slaf elaf غير متواجد حالياً  
افتراضي أسرة آل قدامة المقادسة ودورهم العلمي


أسرة آل قدامة المقادسة هي أسرة فلسطينية الأصل دمشقية الدار، كان لها أثرها الواضح في تاريخ الفكر الإسلامي خلال العصر الأيوبي والمملوكي سواء بكثرة من ظهر فيها من العلماء أو باستمرار نشاطها العلمي عدة قرون (ما بين أواسط القرن السادس والحادي عشر الهجريين).

وأسرة المقادسة هي الأسرة التي نشأ في أحضانها الحافظ عبد الغني وابن خاله الموفق ابن قدامة صاحب المغني، وغيرهما من أعلام السنة ورواة الحديث وفقهاء المذهب الحنبلي، وهي شجرة باسقة مثمرة ذات فروع كثيرة نافعة، لها جهود عظيمة في خدمة السنة، ويقع للكثيرين الاشتباه والخلط بين أفرادها، وقد اشتهرت هذه الأسرة بالمقادسة لكونهم في الأصل من جَمَّاعيل التابعة لنابلس الجبل القريب من بيت المقدس.

وأسرة آل قدامة المقادسة كان قد هاجر كبيرهم أحمد بن محمد بن قدامة -أيام احتلال الصليبيين بيتَ المقدس وما حوله- من بلده جماعيل التي كان خطيبًا بها لما أخبِر بعزم حاكمها من قبل الصليبيين على قتله، فسافر مع أولاده إلى دمشق بصحبة زوج أخته عبدالواحد بن علي بن سرور -والد الحافظ عبدالغني المقدسي، فنزلوا بجبل قاسيون في مكان قفْرٍ فعمروه وسُمّي بالصالحية وغدا حيًا من أهمّ أحياء دمشق، واعتنت الأسرة كلها بالقرآن والحديث وروايته وبالعقيدة السلفية والمذهب الحنبلي إعتناءًا بالغًا، وشاركت مع صلاح الدين الأيوبي في تحرير بيت المقدس، ورحل كثير منهم طلبًا للحديث كالشيخ أحمد بن قدامة وابنه الموفق وابن أخته عبد الغني وسبطاه الضياء والبخاري والد الفخر، مرجع كثير من الأسانيد عند المتأخرين والذي كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول عنه لعلوّ سنده: "ينشرح صدري إذا أدخلت ابن البخاري بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وكانت وجهة أكثرهم في الرحلة بلاد المشرق كبخارى وأصبهان، فتحملوا كتب الحديث الكبيرة، فنقلوها إلى الناس، ورووها، ونسخوا منها النسخ الكثيرة، وبعد ذلك بمدةٍ هجم التتار على تلك الديار فأصبحت -بعد عمرانها- خرابًا، ولكن بعد أن نُقلت منها كتب السّـنّة التي حملتها تلك الديار منذ العصور الأولى في الإسلام، قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

قدامة بن مقدم المقدسي:
الجد الأعلى الذي حملت الأسرة اسمه هو قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي. وكان من أهل قرية جَمَّاعِيْل أو جماعين (قرب نابلس) في القرن الخامس الهجري. ويبدو أنه أو ابنه محمدا قد التقى بأبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الذي قدم القدس من بغداد ونشر مذهب ابن حنبل في فلسطين ثم في دمشق حيث توفي سنة 486هـ. ويروي لنا الموفق قصة ذلك اللقاء المبارك، فيقول: "كلنا في بركات الشيخ أبي الفرج .. لما قدم الشيخ أبو الفرج إلى بلادنا من أرض بيت المقدس تسامع الناس به، فزاروه من أقطار تلك البلاد. فقال جدي قدامة لأخيه: تعال نمشي إلى زيارة هذا الشيخ، لعله يدعو لنا. فزاروه، فتقدم إليه قدامة، فقال له: يا سيدي، ادع لي أن يرزقني الله حفظ القرآن. فدعا له بذلك، وأخوه لم يسأله شيئًا، فبقي على حاله".

وكان محمد بن قدامة، ثم ابنه أحمد، ثم حفيده محمد أبو عمر، خطباء جماعين حين غزا الفرنجة الصليبيون فلسطين سنة 492هـ/1099م. وقد عاشوا مع فلاحي الريف الفلسطيني في إقطاع الأمراء الفرنجة.

أحمد بن محمد بن قدامة:
كان المسلمون في أرض بيت المقدس ونواحيها زمن احتلال الفرنج في شدة وضيقٍ، فقد كان الفرنج يؤذونهم ويحبسونهم، ويأخذون منهم أموالًا كالجزية، ويستخدمونهم في الفلاحة. وكان من أعتى الكفار وأكثرِهم تَجَــبُّرًا ابنُ بارزان الذي كانت تحت يده جمّاعيل والقرى التي حولها.

وكان خطيب جمّاعيل الشيخ العالم الزاهد الرجل الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي قد سافر واشتغل بالعلم ولاسيما الحديث النبوي الشَّريف فقد حدّث عن الإمام المحدِّث الشهير أبي الحسن رَزِين بن معاوية العبدريّ صاحب كتاب " تجريد الصحاح". ورجع إلى جمّاعيل وأقام بها ينفع الناس ويُقرِئُهم القرآن، ويقرأ لهم الأحاديث، ويعلّمهم كما يعلّم إخوته وأولاد عمه. وكان له أخت تزوجها عبد الواحد بن عليّ بن سرور، وكان بيته قريبًا من بيت أخته.

وكان الشيخ أحمد لا يرضى بمقامه تحت أيدي الكفار -كأبيه الذي كان يذكر الهجرة دائمًا، وكان يخطب أيام الجُمُعات ويجتمع الناس إليه، فقد تمثلت مقاومة آل قدامة في المزيد من التمسك بالدين والتقوى، حتى كان أبناء القرى يجتمعون اليهم في خطب الجمعة، وكان لأقوالهم صدى طيب في نفوسهم بسبب ما يعانونه من اضطهاد الإقطاع الفرنجي الذي كان يتقاضاهم الجزية أضعافًا مضاعفة ويؤذي الناس بالضرب والحبس وقطع الأرجل. فقيل لابن بارزان : "إنّ هذا الرجل الفقيه يُشغِل الفلاحين عن العمل، ويجتمعون عنده". فتحدث في قتله فأعلم الشيخَ رجلٌ، فعزم على المضيِّ إلى دمشق، فسافر إليها سنة 551هـ / 1156م وصَحِبه عبدالواحد بن علي بن سرور -زوج أخته. وكانت دمشق سنة 551هـ / 1156م قد صارت منذ سنتين فقط لنور الدين محمود بن زنكي الذي اشتهر يومذاك بالجهاد والتقوى. ولما جاء دمشق، خرج إليه أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشافعيّ (491 - 572هـ) ومعه ألف دينار فعرضها عليه فأبى، فاشترى بها موضعًا بدمشق، ووقفه على المقادسة. وكتب الشيخ أحمد إلى ابنه أبي عمر ليهاجر إليه بجميع أهله، فخرج بهم إلى دمشق متحملين المشقة صابرين، وكانوا نحوًا من أربعين نفسًا من ذكرٍ وأنثى وكبيرٍ وصغيرٍ. فأنزلهم الشيخ أحمد في مسجد أبي صالح، وضاق المسجد بعد ثلاث سنوات باللاجئين وكثرت عليهم المصاعب والأمراض المميتة والمشاكل بسبب عددهم ومذهبهم الحنبلي (وأكثر سكان دمشق شافعية)، فارتاد لهم أبو عمر منزلا آخر في سفح جبل قاسيون المطل على دمشق حيث تقوم على المزارات المباركة وبنى دارًا دعيت "دير الحنابلة"، وهي اليوم جامع الحنابلة. ومنذ سنة 554هـ/1159م بدأ تاريخ جديد لآل قدامة والبقعة التي نزلوها من قاسيون (وقد سميت الصالحية باسم سكنهم القديم في جامع أبي صالح) والمذهب الحنبلي الذي كان يحمله هؤلاء المقادسة.

وقد لحق بهم فيما بعد كثيرون من جماعين والقرى المحيطة بها (الجماعيات) وانتسبوا جميعًا إلى القدس لأنها الأشهر. وقد اهتم الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بالشيخ أحمد وأسرته وكان يساعدهم، وكان يقول: "هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وأنا أزوره لأنتفع به".

ثم بنى ابنه أبو عمر المدرسة العُمريّة، ثم كثر البناء في تلك المنطقة التي اشتهرت بالصالحية -قيل : سميت بالصالحية نسبةً إلى صلاح هؤلاء المقادسة، وقال أبو عمر المقدسيّ : "قال الناس: الصالحية، نسبونا إلى مسجد أبي صالح لأننا نزلنا فيه أولًا لا أنا صالحون"، وعقّب على ذلك العلامة محّد بن علي ابن طولون الصالحي الحنفي (880 - 953هـ)بأن قال: "وهذا من باب التواضع من الشيخ رحمه الله"، حتى صارت مفخرةً لدمشق يسهب في وصفها الرحالون والأدباء، وينشد في مدحها الشعراء.

وقد توفي الشيخ أحمد بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ (سنة 558هـ)، قال الذهبي: "وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، قانتًا، صاحب كرامات وأحوال، جمع أخباره سِبْطُه الحافظ ضياء الدِّين، وساق له عدَّة كرامات، وحكى عن خاله الموفّق، أنّ أَبَاهُ قرأ فِي شهر رمضان بمسجد أبي صالح خمسًا وستّين ختْمة، ثُمَّ حكاها عن الشَّيْخ العماد، عن الشَّيْخ أَحْمَد، أنّه قرأ ذلك. وقال العماد: كان الشَّيْخ أَحْمَد بين عينيه نور لا يكاد أحدٌ يراه إلا قَبَّل يده".

وكان من أولاده:
1- أبو عمر محمد. 2- الموفَّق عبد الله. 3- بنت اسمها رقية تزوجها: عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي. 4- بنت اسمها رابعة تزوجها ابن أخته سعيدة: عبد الغني بن عبد الواحد.

وكان من إخوان الشيخ أحمد: 1- يوسف. 2- سعيدة: تزوجها عبد الواحد بن علي بن سرور، فوُلد له: إبراهيم والحافظ عبد الغني المقدسي.

وهؤلاء هم أركان أسرة المقادسة الشهيرة التي نبغ منها غير واحد من العلماء الذين نصروا العقيدة الأثرية، ونشروا الحديث النبويّ الشَّريف، وخدموا مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وقاموا برواية كتب السنة، وتركوا كتبًا عظيمة تزخر بخزائن العلم، وكانوا قدوةً لمن بعدهم في كثير من مجالات الخير، وهم بيت صلاح وعلم ورواية، قيل في بعض أفرادهم المتأخرين: "حدّث هو وأخوه وأبوه وجدّه وجدّ أبيه وجدّ جدّه".

أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة:
هو الشيخ الزاهد الفقيه المقرئ المحدِّث محمّد بن أحمد بن قدامة، ولد سنة 528هـ بجمّاعيل، سمع الحديث من أبيه وغيره، وهو الذي ربى الموفَّق وغيره ولذا يقال عنه : "شيخ المقادسة"، وكان قدوةً صالحًا كثير الصيام والتلاوة والصلاة والجهاد، كان قلّما يتخلف عن غزوة، وكان ينسخ مختصر شيخ الحنابلة أبي القاسم عمر بن الحسين الخِرَقيّ المتوفى سنة 334هـ من حفظه، وكتب بخطه المليح عدة مصاحف وكتبًا كثيرة كالمغني لأخيه الموفَّق و"معالم التنزيل" لمحيي السُّنَّة الحسين بن مسعود البغويّ المتوفى سنة 516هـ، وهو واقف المدرسة العمرية، تُوفِّي سنة 607هـ .

وأبو عمر محمد هو الذي بنى مجد الجماعة ورسم لها خط الحياة العلمية الذي ظلت عليه في القرون التالية. فقد بنى لنفسه مدرسة عرفت بـ "المدرسة العمرية" على ضفة نهر يزيد في سفح الجبل (وآثارها باقية إلى اليوم). وظل يعمل على التدريس فيها طوال نصف قرن إلى أن توفي سنة 607هـ/1210م. وقد أدت زيادة الطلبة إلى قيام مدرسة أخرى بناها ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي صهر أبي عمر على باب دير الحنابلة لتكون دار حديث للغرباء ووقف عليها كتبه.

ومن أولاده: ابنته آمنة (550 - 631هـ) كانت مقرئةً صالحةً عابدةً، قرأت القرآن على والدها، وكانت البنات يقرأن عليها القرآن، وكانت كثيرة الصدقة. وثلاثة أبناء: عُمر وعبد الله وعبد الرحمن وهم من شيوخ ابن تيمية والذهبي والنووي رحمهم الله. وأشهرهم شمس الدين عبد الرحمن شيخ الإسلام المعروف بشيخ الجبل، وهو صاحب "الشرح الكبير على المقنِع للموفق"، و"كان شيخ وقته وفريد عصره"، وهو أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق وذلك سنة 664هـ، تولاه مدةً تزيد على اثني عَشَرَ عامًا وكان لا يأخذ أجرًا ويقول: "نحن في كفاية"، كما أنّه أول من درّس في دار الحديث الأشرفية، وتُوفِّي سنة 682هـ.

الموفَّق عبد الله بن أحمد بن قدامة:
هو شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمَّاعيلي موفق الدِّين العلامة المجتهد، ولد بجمّاعيل في شعبان سنة 541هـ، وحفظ القرآن وكان عالم أهل الشام في زمانه، وكان إمام الحنابلة في جامع دمشق، وكان حسن الأخلاق مجاهدًا شجاعًا، وكان يميل في مسائل الاعتقاد إلى طريقة المحدِّثين، ومن مؤلفاته في الفقه "عمدة الفقه"، و"المقنِع"، و"الكافي"، و"المغْني"، تُوفِّي يوم الفطر سنة 620هـ. وابنه مجد الدِّين عيسى (578 - 615هـ) كان فقيهًا خطيبًا، خطب مدة بالجامع المظفريّ.

عبد الواحد بن أحمد السعدي:
وللموفق وأبي عمر أخت اسمها رقية وتكنى أمّ أحمد، كانت امرأة صالحة، تنكر المنكر، ويخافها الرجال والنساء، وتفصل بين الناس في القضايا، وكانت تاريخًا للمقادسة في المواليد والوفيات، تُوفِّيت في شعبان سنة 621هـ، تزوجها عبدالواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسيّ السعديّ، وهو من بيت علمٍ وفضل، فابنُ أخيه عبد الرحمنُ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل بهاء الدِّين أبو محمّد، لازم الموفَّق وتفقه به، وهو صاحب"العدة في شرح العمدة"، وكان متواضعًا حسن الخُلُق، وأقبل على طلب الحديث، وكتب فيه الكثير، وسُمع عليه "فضائل القرآن" للفريابيّ، وأقام يؤمّ بنابلس بعد فتوح صلاح الدين الأيوبي سنين كثيرة، وانتفع به خلق كثير، وتُوفِّي سنة 624هـ، وقد رُزق عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسيّ السعديّ ابنة عالمةً هي آسية أمّ أحمد (577 - 640هـ) كانت ديّنة خيّرة كثيرة الصيام والصلاة، محافظة على قيام الليل، حافظة لكتاب الله، وكانت تلقِّن النساء القرآن الكريم.

كما رُزق ثلاثة أبناء علماء، منهم:
أحمد شمس الدِّين، العلامة الأصوليّ المعروف بالبُخَاريّ لتفقهه وتحصيله العلوم ببخارى، وكان ذكيًا فصيحًا من أوعية العلم، تُوفِّي سنة 623هـ، وابنه فخر الدِّين عليّ مسند الدنيا (595 - 690هـ)، وناهيك بمن يقول في حقه شيخ الإسلام ابن تيمية: "ينثلج صدري إذا أدخلت ابن البُخَاريّ بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث"، وهو آخر من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال ثقات بالسماع المتصل، وحصل الفخر لمن أخذ عن أصحاب الفخر، روى كثيرًا، وألحق الأحفاد بالأجداد.

الشهرة العلمية لآل قدامة المقادسة:
أخذت سمعة آل قدامة في التقى وسمعة مدرستهم في العلم تنتشران، وأخذ تلاميذهم في القرآن والحديث والفقه يتكاثرون. وكانت الأموال والأوقاف والهبات بالمقابل تتدفق على الجماعة المقدسية والمدرستين والأبنية القائمة حول دير الحنابلة فتحولت البقعة الى بلدة كاملة ذات أسواق ومنازل وسكان ومساجد. وبنى بعض الأمراء مقابرهم في أطرافها. وكانت صالحية آل قدامة الحنابلة ترافق في نشاطها في تلك الفترة النشاط السياسي والعسكري والعلمي العظيم الذي عرفته دمشق أيام نور الدين فصلاح الدين والملك العادل. ولم يكن غريبا مع الحماسة الدينية التي أعقبت فتح القدس والأخطار الداهمة التي هددت بعد ذلك قلب العالم الإسلامي أن يصبح المركز الذي أقامه آل قدامة للعلوم الدينية في سفوح دمشق مركز إشعاع روحي واسع يجتذب الكثير من الأستاذة والطلاب على السواء.

وإذا كان آل قدامة قد أعطوا هذا المركز الكثير من جهودهم الفكرية فإن ما لقوه من التشجيع الكبير والاحترام والتكريم دفعهم بالمقابل إلى المزيد من العمل والانتاج والاندفاع.

ولم يكن آل قدامة في هذا الجهد كله وحدهم، فإن نجاحهم كان قد أغرى منذ الأيام الأولى مجموعة من الأسر الحنبلية القريبة لهم في جماعين وما حولها بالهجرة إليهم على توالي السنين والدخول في نشاطاتهم العلمية نفسها. وقد ظلت هذه الهجرة قائمة في العصر الأيوبي والعصر المملوكي الأول. وهكذا انتقل بالتدريج مجتمع قروي كامل من تلك البقاع الفلسطينية إلى سفح قاسيون بدمشق وتحول من العمل الزراعي إلى النشاط العلمي.

وبرز منه، كما برز من آل قدامة وبتأثيرهم، عدد من العلماء يرتبطون بآل قدامة بالروابط العائلية المتفاوتة. وقد حملوا مثلهم لقب المقادسة. وأبرز تلك الأسر خمس:

1- آل عبد الهادي، وجدهم يوسف بن محمد بن قدامة هو شقيق أحمد المهاجر الأول إلى دمشق.

2- بنو سرور بن رافع الجماعيلي ويرتبطون بآل قدامة برابطة المصاهرة.

3- بنو عبد الواحد بن أحمد السعدي، وهم بدورهم أصهار لآل قدامة.

4 و 5- هما أسرة راجح وجماعة ممن يحملون نسبة المرداوي، وبينهما وبين آل قدامة روابط قرابة عائلية.

وقد أسهم عدد من رجال هذه الأسر بدرجات متفاوتة في النشاط العام لذلك المركز العلمي الذي أسسه الحنابلة القداميون.

من جهة أخرى اجتذب آل قدامة بحركتهم العلمية النشيطة وسمعتهم الدينية علماء الحنابلة من حران وبغداد ونابلس وبعلبك وغيرها إلى دمشق، وشاركوا في نشاطات المركز الحنبلي الصالحي وذيوع شهرة دمشق العلمية. ولعل من أبرز هؤلاء الإمام ابن تيمية الحراني (661 - 728هـ) المجتهد المشهور، وأبناء مفلح المقدسيون، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسندين والحفاظ المحدثين والفقهاء والقضاة من أصحاب المذاهب الأخرى.

وأدى تأثير المركز الصالحي من جهة ثانية إلى تصدير المذهب الحنبلي إلى مصر وبعلبك وغيرها. وقام في نابلس فرع من بني سرور (أولاد نعمة) أطلع بعد تحرير فلسطين من الفرنجة عددا من العلماء الحنابلة ناظروا أقرباءهم في الشام وإن لم يحظوا بالتألق نفسه. وقد استمر نشاط هذه الجماعة العلمية في نابلس حتى أواسط القرن الثامن الهجري.

ونتيجة لذلك كله، ومع نمو دمشق الاقتصادي والسياسي في العهد المملوكي باعتبارها مركز نيابة السلطة، ومع نشاط مدارس دمشق الأخرى ودور الحديث ركيزة العلماء في ذلك العهد، صارت المدرسة العمرية في سفح قاسيون مركزًا من مراكز العلم الكبيرة في الإسلام، وإن تكن خاصة بالمذهب الحنبلي. ويذكر ابن عبد الهادي أحد مؤرخي الأسرة في القرن الثامن الهجري أنه "لم يكن في بلاد الإسلام أعظم منها". وإذا كانت قد بدأت بعشر غرف للطلبة قد زاد فيها الناس عشرات الغرف الأخرى وانهالت عليها الهبات والأوقاف و"قل سنة من السنين تمضي (حتى ما بعد قرنين) إلا وصير إليها فيها وقف". وكان في المدرسة مكتبة غنية بالمصاحف (منها مصحف بخط الإمام علي) وكتب الحديث والفقه واللغة والأجزاء والمجلدات.

على أن المدرسة أصيبت مع الصالحية ودمشق بضربتين قاسيتين أشد القسوة. كانت الأولى ضربة قازان المغولي (آخر القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي) التي نهبت الصالحية: مساجدها ومدارسها وكتبها ورجالها والنساء. وكانت الثانية ضربة تيمورلنك بعد قرن من ذلك (مطلع القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي) وقد دمرت دمشق والصالحية معها أشنع التدمير.

واستطاعت الصالحية أن تعود بعد ضربة قازان إلى سيرتها الأولى في العلم والعمران والاقتصاد، وأن تعود المدارس بما فيها الحنبلية إلى العطاء حتى رآها ابن بطوطة في أواسط القرن الثامن "مدينة عظيمة لها سوق لا نظير له، وفيها مسجد جامع ومارستان"، ورأي مدرسة أبي عمر على شاطئها في التعليم والجراسة الكافية على طلابها بالمأكل والملبس. ولكن النكبة التيمورية أضعفت ذلك النشاط كثيرًا. وإذا وصف القلقشندي الصالحية في أواخر القرن التاسع ومطلع العاشر بأنها "مدينة ممتدة ذات بيوت ومدارس وربط وأسواق وبيوت جليلة وبساتين .." فإن النشاط العلمي لآل قدامة كان قد ضعف ولم تعد مدرسة أبي عمر ولا دار الحديث الضيائية المحمدية (نسبة إلى ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي) ولا غيرها تطلع ذلك الرعيل الأول من مشهوري العلماء، وإان استمرت تعيش على أمجادها السابقة وتكرر تخريج الشيوخ الموظفين بعد ذلك قرنا وبعض القرن.

إن مجموع العلماء الذين ظهروا من آل قدامة والأسر المتصلة بهم وذكرتهم كتب التراجم يزيدون في العدد على 110 شيوخ، منهم قرابة النصف من آل قدامة (أسرة أحمد وابنه أبي عمر 52 اسمًا) و14 اسمًا من آل عبد الهادي و12 اسمًا من آل عبد الواحد والباقي من أسرة راجح ومن المرداويين.

وتتضمن هذه الأسماء عددًا من النساء العالمات. فقد مس النشاط العلمي أيضًا نساء البيت القدامى وأدخلهن في الجو العام لعلوم الحديث والفقه وسمع عليهن عدد من علماء العصر. ومن أبرز علماء آل قدامة والأسر المتصلة بهم: عبد الغني بن عبد الواحد (541 – 600 هـ/1147 – 1204م) ومؤلفاته تزيد على 45 كتابًا، وموفق الدين عبد الله بن أحمد (541 - 620هـ/1146 – 1223م)، وضياء الدين محمد بن ابراهيم بن عبد الواحد (569 - 642هـ/1173 -1245م) وكان محدث عصره، وشمس الدين محمد بن ابراهيم بن عبد الواد (603 – 676هـ/1206 – 1277م) قاضي القضاة في مصر، وعائشة بنت الموفق، وفخر الدين علي بن أحمد بن عبد الواد (575 – 690هـ/1179 – 1291م) الذي حدث سنتين سنة وصار مسند عصره كله، وشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي (704 – 744هـ /1304 – 1343م) وله 58 مؤلفًا، وعائشة بنت عبد الهادي (723 - 816هـ /1323 - 1413م) التي أصبحت آخر عمرها أسند أهل الأرض ورحلة الدنيا.

ولا شك في أن آل قدامة ومن ارتبط بهم من الأسر العلمية قد تركوا في تاريخ القرون التي عاشوها أثرهم الواضح:

1- فقد أسهموا في إشاعة النماذج المثلى للعلم والتقوى في تلك العصور بما عرف عنهم من السلوك الديني والزهد. وتمثل الاحترام العام لهم في رعاية الحكام لمكانتهم ومبالغة الناس في تكريمهم.

2- امتد تأثيرهم في المدى الزماني عدة قرون، وفي المدى المكاني من الصالحية ودمشق إلى ضواحي الشام (دومة والرحيبة والضمير) ثم إلى بعلبك وقراهم في جماعين، وإلى نابلس والقدس وممصر والاسكندرية وحران وإربيل وبغداد.

3- قدموا لنظام الحكم المملوكي أعدادًا كثيرة من رجال القضاء والإفتاء وأصحاب الوظائف الدينية.

4- تركوا تراثًا واسعًا من المؤلفات في الفقه الحنبلي وكتب الترجم والحديث وعلوم القرآن واللغة، وكان إسهامهم الأساسي في بلورة الفقه الحنبلي.

5- جمعوا مجموعة واسعة من الكتب المخطوطة ما تزال بقاياها من ثروة المكتبة الظاهرية بدمشق. وكتبوا منها بخطوطهم الآلاف.

6- أسهموا في تلك العصور في تعليم المرأة حتى ظهرت منهم عدة نساء عالمات.

7- كان من نتيجة نشاطهم قيام بلدة صغيرة هي الصالحية التي صارت اليوم من أكبر أحياء دمشق.

ولا تكاد توجد في تاريخ الشام هجرة قروية صغيرة استطاعت أن تترك أثرًا كذلك الأثر الذي تركته هجرة آل قدامة إلى دمشق من حيث السعة والزمن والعمق والنوع.

مصدر البحث:
- الموسوعة الفلسطينية، الطبعة الأولى، 1984م.
- تعريف بأسرة المقادسة: مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية.

المصادر والمراجع:
- ابن طولون: القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، دمشق 1949م.
- ابن رجب الحنبلي: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة، دمشق 1951م.
- ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، القاهرة 1931م.
- النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، دمشق 1948م.
- ابن عبد الهادي: ثمار المقاصد في ذكر المساجد، دمشق 1943م.
- ابن كنان: المروج السندسية الفيحية في تلخيص تاريخ الصالحية، دمشق 1947م.
- العلموي: مختصر تنبيه الطالب (مختصر النعيمي)، دمشق 1947م.
قصة الإسلام
رد مع اقتباس



إضافة رد

أدوات الموضوع


جديد مواضيع القسم الاسلامي

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ابو قدامة والغلام MatriX استراحة بورصات 1 07 - 10 - 2018 09:48 AM
افتتاح الأسواق الأوروبية: اليورو عرضة للانخفاض على خلفيّة ارتفاع فروقات صفقات المقايضة للم فريق الأخبار الاخبار الاقتصادية - اخبار سوق العملات 4 30 - 12 - 2010 04:38 PM


04:27 AM