• 8:57 صباحاً
logo




حول العالم في 80 يوم تلخيص

إضافة رد
الصورة الرمزية *angel*
عضو فـعّـال
تاريخ التسجيل: Sep 2011
المشاركات: 1,593
الدولة: مصـــ EgypT ـــــر
معدل تقييم المستوى: 10
*angel* is on a distinguished road
02 - 11 - 2011, 09:03 AM
  #1
*angel* غير متواجد حالياً  
افتراضي حول العالم في 80 يوم تلخيص
[B]

سنة 1872 كان البيت رقم 7 من شارع سافيرو في لندن ، يسكنه فيلياس فوغ أحد أعضاء " نادي الإصلاح "
البارزين ، وكان حريصاً على ألا يلفت إليه الأنظار .
وفيلياس فوغ هذا شخصية غامضة ، ولا يعرف عنه سوى أنه رجل مهذب من الطبقة الإنكليزية الراقية ، ولعله
لم يكن من أهل لندن أصلاً ، فلم يره أحد في البورصة أو في المصرف ، ولم يكن مالك سفينة أو محامياً ولا عضواً في مجلس إحدى الإدارات ولا رجل صناعة ولا تاجراً ولا مزارعاً .
ولم يكن عضواً في إحدى الجمعيات الكثيرة المنتشرة في لندن كجمعية مكافحة الحشرات الضارة ، مثلاً ، وما هو إلا عضو في " نادي الإصلاح " وحسب .
هل كان غنياً ؟ هذا أكيد . وقد انتسب إلى " نادي الإصلاح " بتزكية من الإخوة بارينغ أصحاب المصرف الذي يتعامل معه ، ولا يعرف أحد مصدر ثروته .
ولم يكن مبذراً ولكنه ليس بخيلاً أيضاً ، وهو يشارك في أعمال البر والإحسان حين يستطيع دون أن يعلن عن نفسه .
لم يكن وثيق الصلة بالناس ولا يتكلم إلا قليلاً وحياته واضحة شفافة ، ولكن هذا ما جعله رجلاً غامضاً أيضاً ، لأن الخيال يبحث عن شيء يتجاوز ماتبصره العين .
هل تجول في البلاد ؟ هذا أكيد ، لأنه شديد الإطلاع على خريطة العالم ، ويعرف حتى الأماكن القاصية من الأرض .
وكثيراً ما كان يصحح الأفكار التي يتداولها أعضاء النادي حول الرحالة الضائعين أو التائهين ، وذلك بآراء دقيقة صائبة كأنها النبوءات ، ولعله لم يسافر إلا في مخيلته وحسب ؟
مهما يكن الأمر ، فإنه لم يغادر لندن منذ زمن طويل ، ويقضي معظم وقته في القراءة وطالعة الصحف .
لا يعرف لفلياس فوغ امرأة أو ولد أو حتى صديق ، ولم يدخل بيته سوى خادم واحد يعتني به ويقوم على شؤونه ، وكان يتناول طعام الغداء والعشاء في النادي وحيداً ، ولا يبدل طاولته .
ويعود إلى بيته بإنتظام منتصف الليل تماماً ، وكان يكفيه طعام نادري الإصلاح والتجوال في ردهاته .
أما بيته فهو مجهز بكل وسائل الراحة ، ولا تتطلب العناية به الشيء الكثير ، ولكنه يقتضي من خادمه دقة صارمة في المواعيد وطاعة تامة في تنفيذ الأوامر .
لذلك صرف من خدمته اليوم خادمه جيمس فورستر لأنه سخن الماء الذي أعده لحلاقته إلى ثمانين درجة فرنهايت بدلاً من ست وثمانين درجة ، وهو ينتظر قدوم خادم أخر يخلفه ما بين الساعة الحادية عشرة والحادية عشرة والنصف .
كان فيلياس فوغ جالساً في كرسيه ينظر في ساعة الحائط ، وهي آلة معقدة تعين الساعات والدقائق والثواني و تواريخ اليوم والفصل والسنة .
في تلك اللحظة قرع الباب ودخل فورستر الخادم المصروف من الخدمة ، وقال : الخادم الجديد .
وظهر أمام الباب شاب في الثلاثين ، فألقى عليه التحية .
فسأله فيلياس فوغ : أنت فرنسي ، اسمك جون ؟
فأجابه الخادم الجديد : جان باسبارتو يا سيدي ، وهذا لقبي ومعناه " الزئبق " لأني أتخلص من المآزق الحرجة ، وأحسبني رجلاً أميناً ، وقد مارست عدة مهن ، فكنت مطرباً جوالاً ولاعب سيرك و مدرب رياضة ، وآخر مهنة لي إطفائي في مدينة باريس .
وقد غادرت باريس منذ خمس سنوات ، وقدمت إلى إنكلترا باحثاً عن حياة مستقرة آمنة ، وعلمت أن السيد فيلياس فوغ مثال الدقة والنزاهة والالتزام في إنكلترا كلها ، فقدمت إليك آملاً في حياة هادئة أنسى فيها لقب الزئبق .
فأجابه الرجل : الزئبق اسم يلائمني ، وقد استعلمت عنك ، وعرفت كل شيء ، فهل اطلعت على شروطي ؟
باسبارتو : نعم .. ياسيدي .
فيلياس فوغ : حسناً .. كم الساعة معك ؟
باسبارتو : الحادية عشرة واثنتان وعشرون دقيقة .
قال باسبارتو هذا وجذب من جيبه ساعته الفضية الضخمة .
فقال فيلياس فوغ : ساعتك تؤحر .
باسبارتو : عفواً يا سيدي ! هذا مستحيل .
فيلياس فوغ : ساعتك تؤخر أربع دقائق ، المهم أن تأخذ هذا الفارق باعتبارك ، أنت في خدمتي اعتباراً من الساعة الحادية عشرة وتسع وعشرين دقيقة من صباح يوم الأربعاء في اليوم الثاني من شهر تشرين الأول سنة1872 .
ثم نهض وأمسك قبعته بيده اليسرى ، ووضعها على رأسه بحركة آلية وانصرف دون أن يضيف كلمة أخرى .
وبقي باسبارتو في البيت وحيداً .
[b]قال باسبارتو لنفسه ، بعد أن أفاق من ذهوله : والله ، تبدو الحياة على سيدي كما تبدو على تمثال .
وقد تفحص الرجل جيداً فوجده من الذين يطلق عليهم صفة " طويل البال " .
إذ لم يكن عجولاً في حركته ، وهو دقيق في مواعيده ، لا يبدل مظهره الوقور .
لقد أمضى باسبارتو خمس سنوات في إنكلترا خادماً شخصياً ، ولم يجد سيدأ يرتبط به ، وهو شاب شهم ، يسيل لعابه لتذوق متع الحياة ، بهي الطلعة ، لطيف المعشر ، عريض المنكبين ، قوي العضلات ، يمارس الرياضة منذ طفولته .
فهل تنسجم شخصيته الحيوية مع شخصية فيلياس فوغ المتزمتة ؟
من السابق لأوانه القطع بشيء ، وإنما يبحث باسبارتو عن الطمأنينة .
وقد كان سادته السابقون ، على العكس مما يشاع عن الإنكليز من برودة الطبع ، إما رحالة متجولين أو باحثين عن المغامرات ، وكان يأمل أن يجد لدى فيلياس فوغ الحياة المنظمة التي يرجوها ، ويالفرحه إذ وجد هذا السيد الوقور !
بدأ بتفقد البيت بعد أن ظل وحيداً ، ففتشه من القبو إلى السقيفة ، ووجده نظيفاً مرتباً لا ينقصه شيء ، فأعجبه هذا ، وبدا له أنه قوقعة حلزون جيدة الطلاء حسنة الإضاءة .
ودخل غرفته الخاصة به في الطابق الثاني فوجدها ملائمة له .
يصلها بالطابق الأول جرس تنبيه كهربائي ، وفوق إفريز المدفأة ساعة كهربائية شبيهة بالساعة الموجودة في غرفة نوم فيلياس فوغ ، وتتطابق الساعتان بالدقيقة والثانية .
قال باسبارتو وهو يفرك كفيه : هذا يناسبني .
وجد فوق الساعة ورقة مسجلاً عليها البرنامج اليومي المفصل ، من الساعة الثامنة صباحاً ، إذ يستيقظ فيلياس فوغ حتى الساعة الحادية عشرة والنصف حين يغادر بيته غلى نادي الإصلاح ، وقد دون فيها كل شيء بالتفصيل ، من شاي الصباح في الساعة الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة ، إلى ماء الحلاقة في الساعة التاسعة وسبع وثلاثين دقيقة .... إلخ .
وجد هذه التفاصيل التي تنظم حياة فيلياس فوغ المنهاجي من الساعة الحادية عشرة والنصف حتى منتصف الليل موعد نومه .
وابتهج باسبارتو بتأمل هذا البرنامج وحفظه عن ظهر قلب بكل بنوده .
أما خزانة ملابسة فكانت مثال الدقة والنظام ، إذ كتب على كل بدلة موعد دخولها وخروجها وتاريخ إستعمالها ومناسبته ، كذلك الحال بالنسبة للأحذية .
ولم يكن في البيت سلاح ، أو أداة تتعلق بالصيد أو الحرب من قريب أو بعيد .
فهو بيت مسالم ، ففرك باسبارتو كفيه ثانية وهو يردد فرحاً : سوف نتفاهم جيداً أنا والسيد فوغ ، إنه محب لبيته ، منظم كأنه آلة ميكانيكية ، وتسعدني خدمة هذه الآلةبعد خمسمائة وخمس وسبعين خطوة ، وصل فيلياس فوغ إلى نادي الإصلاح ، فتوجه إلى قاعة الطعام حيث ينتظره كرسيه فيها ، وأنهى غداءه الساعة الثانية عشرة وسبعاً وأربعين دقيقة ، ثم انتقل إلى القاعة الكبرى المزينة باللوحات الثمينة ليبدأ مطالعة الصحف ، وحمل إليه الخادم جيريدة ( التايمز ) فتناولها بيد مرنت على التعامل مع الصحف ، وانشغل بمطالعتها حتى الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة .
ثم انتقل إلى جريدة ( ستاندر ) واستغرق في مطالعتها حتى موعد العشاء .
ولم يختلف عشاؤه عن غداءه كثيراً ، وفي الساعة السادسة إلا الثلث انصرف إلى مطالعة جريدة ( مورننغ كورنيش ) .
بعد نصف ساعة بدأ أعضاء نادي الإصلاح يتوافدون ، وتجمعوا حول نار المدفأة الكبيرة وهم من معارف السيد فيلياس فوغ ، ومعظمهم من رجال العلم والصناعة وأصحاب المصارف .
قال توماس فلانغن : أين وصلت قضية السرقة يا رالف ؟
وقال أندرو ستيوارت : لقد طارت أموال المصرف .
فاعترض رالف : على العكس ، سيقبض على اللص لأن مفتشي الشرطة يلاحقونه في موانئ أمريكا وأوروبا ولن يفلت منهم .
وسأل ستيوارد : وهل تعرفون أوصاف السارق ؟
فأجاب رالف : إنه ليس سارقاً بمعنى الكلمة .
ستيوارد : كيف لا يكون سارقاً ؟ لقد اختلس خسة وخمسين ألف جنيه ، هل هو من رجال الصناعة ؟
تذكر جيدة ( المورننغ كورنيش ) أنه جنتلمان .
قال هذا فيلياس فوغ وقد برز رأسه وراء جريدته .
فحياه زملاؤه في الوقت نفسه .
كانت هذه القضية قد شغلت البلاد كلها خلال ثلاثة أيام .
إذ سرقت رزم من الأوراق النقدية بقيمة خمسة وخمسين ألف جنيه من مكتب الصراف الرئيسي في نك إنكلترا واعتذر للصراف أنه كان مشغولاً بتسجيل مقبوض بقيمة ثلاثة شيلنات ولم نتبه إلى السارق .
والشيء الذي أثار سخط الناس وغضبهم أن السارق هو من علية القوم ، وقد زعزع الثقة الراسخة بين المصرف وزبائنه ، وسوف يضطر إلى استخدام الحرس والحواجز الحديدية ، ولم ينتبه الصراف إلى هذه السرقة إلا بعد أن أعلنت ساعة المصرف الخامسة موعد إغلاق الصندوق ، وكان قد فات الأوان لمعرفة السارف ، والمؤكد أنه ليس من هؤلاء اللصوص المحترفين المنتشرين في كل أنحاء العالم ، كما لا حظت جريدة ( المورننغ كورنيش ) .
وقد توجهت الشكوك إلى " جنتلمان " لائق المظهر ، حسن التهذيب ، مهيب الهيئة ، كان أمام شبابيك القبض يوم الحادث ، ودونت مواصفاته ووزعت على كل مفتشي الشرطة في المملكة المتحدة .
والرأي الشائع أن السارق لن يفلت من بين أيديهم ، ولم يشك السيد رالف بأن نتائج التحريات ستؤدي إلى القبض على السارق ، لأنه قد رصدت مكافأة قدرها ألف جنيه وخمسة بالمائة من المبلغ المسروق لمن يسترد المبلغ أو يدل على السارق ، ولكن السيد ستيوارت خالف صاحبه الرأي ونشب بينهما جدال حول هذا الموضوع .
فقال ستيوارت : أظن أن الظروف في صالح السارق الذي يبدو رجلاً داهية .
فأجاب السيد رالف : ولكن أين يهرب وهو ملاحق في قطار العالم كله ؟
قال ستيوارت : لا أدري .. ولكن بلاد الله واسعة .
فتدخل فيلياس فوغ وقال : كانت واسعة في الزمن القديم .
فدهش ستيوارت وقال : كيف في الزمن القديم ؟ هل نقصت مساح الأرض مثلاً ؟
قال رالف : طبعاً ، لقد نقصت مساحة الأرض لأننا ندور حولها الآن بمدة أسرع عشر مرات مما كانت عليه منذ مائة عام ، وأنا أوافق السيد فوغ .. وهذا يجعل التحريات صعبة .
قال فوغ : ويجعل هروب السارق أسرع .
فاستأنف ستيوارت النقاش قائلاً : هذه طريقة غريبة في قياس مساحة الأرض ، إذا استطعنا الدوران حول الأرض خلال ثلاثة أشهر فمعنى ذلك ..... .
فقاطعه فيلياس فوغ : خلال ثمانين يوماً فقط .
وأيد كلامه جون فولمان قائلاً : خلال ثمانين يوماً منذ أن دشن الخط الحديدي الرابط بين روتال والله آباد .
وقد أجرت جريدة ( المورننغ كورنيش ) حساب هذه الرحلة كالتالي :
من لندن إلى قناة السويس ( بحراً ) 7 أيام .
من السويس إلى بومباي ( بحراً ) 13 يوماً .
من بومباي إلى كلكتا ( بالقطار ) 3 أيام .
من كلكتا إلى هونغ كونغ ( بحراً ) 13 يوماً .
من هونغ كونغ إلى يوكوهاما ( بحراً ) 6 أيام .
من يوكوهاما إلى سان فرانسيسكو ( بحراً ) 22 يوماً .
من سان فرانسيسكو إلى نيويورك ( براً ) 7 أيام .
من نيويورك إلى لندن ( براً وبالقطار ) 9 أيام .
المجموع 80 يوماً .
هتف ستيوارت : نعم في ثمانين يوماً .
ولكن هل حسبتم حساب رداءة الطقس والأعاصير وغرق السفن ، وحوادث القطارات ... وسواها ؟
فقال فيلياس فوغ بهدوء : هذه الأحوال محسوبة كلها .
فقال ستيوارت : حتى إن انتزع الهنود السكك الحديدية ، أو هاجموا القطارات ، أو نهبوا المسافرين وسلخوا جلود رؤوسهم ؟
فأجاب فيلياس فوغ : كل هذا محسوب .
فقال ستيوارت : نظرياً أنت على صواب سيد فوغ ، ولكن عملياً .... .
فيلياس فوغ : عملياً كذلك يا سيد ستيوارت .
ستيوارت : أتمنى لو أراك تقوم بهذه الرحلة .
فيلياس فوغ : أنا جاهز ، فلنسافر معاً .
فضحك ستيوارت وهو يقول : أعوذ بالله ! ولكني أراهن على ثمانين ألف جنيه بأن هذه الرحلة مستحيلة في مثل تلك الظروف .
فيلياس فوغ : على العكس ، هي يسيرة التحقيق .
ستيوارت : حاول إذاً .
فيلياس فوغ : أنا مستعد .
ستيوارت : متى ؟
فيلياس فوغ : الآن .. في الحال .
ستيوارت : هذا جنون .
فيلياس فوغ : أراهنك على ثمانين ألف جنيه .
ستيوارت : حيني قلت أراهنك ، فأنا جاد في قولي .
فيلياس فوغ : وأنا كذلك .
ثم التفت فوغ إلى زملائه وقال : لدي ثمانون ألف جنيه مودعة في مصرف الإخوة بارينغ ، أراهن عليها بطيب خاطر .
جون سولفان : ثمانون ألف جنيه ! قد تخسرها إذا حدث طارئ أخرك عن الوصول .
فيلياس فوغ : لا يوجد شيء اسمه طارئ .
جون سولفان : ولكن مدة ثمانين يوماً هي الحد الأدنى .
فيلياس فوغ : الحد الأدنى المحسوب رياضياً .
جون سولفان : هذه مزحة .
فاحتد فيلياس فوغ وقال : إن الرجل الإنكليزي لا يمزح حين يتعلق الأمر بالرهان ، وأراهنكم على ثمانين ألف جنيه ... بأن أدور حول العالم في ثمانين يوماً أو أقل ، هل تقبلون الرهان ؟
فأجابه : ستيوارت وفالنتن وفلانغن ورالف : لقد قبلنا الرهان .
فيلياس فوغ : حسناً .. سوف أستقل قطار دوفر ، الذي يقلع الساعة الثامنة وخمساً وأربعين دقيقة .
ستيوارت : هذا المساء ,
فيلياس فوغ : هذا المساء بالذات .
ثم بسط مفكرة أمامه وقال : اليوم الأربعاء 2 تشرين الأول وينبغي أن أعود إلى لندن في هذه القاعة من نادي الإصلاح يوم السبت 21 كانون الأول ، الساعة الثامنة وخمساً وأربعين دقيقة مساءً . وإذا لم أفعل تحصلون على الثمانين ألف جنيه المودعة في مصرف الإخوة بارينغ حلالاً لكم ، وهذا شيك بالمبلغ .
وحرر محضر بهذا الرهان ووقعه المعنيون به ، ولم يظهر التأثر على فيلياس فوغ ، فهو لم يقبل هذا الرهان ليربح المال ولم يخاطر بنصف ثروته إلا لأنه سينفق نصفها الآخر في إنجاز هذه المهمة الصعبة بل المستحيلة ، وأما خصومه فقد ظهرت الفرحة على وجوههم .
.[B]الساعة السابعة والثلث استأذن فيلياس فوغ زملاءه وغادر نادي الإصلاح ، والساعة السابعة وخمسين دقيقة فتح باب بيته ودخل .
وذهل باسبارتو لرؤية فيلياس فوغ مخالفاً قواعد الانضباط وعائداً في هذه الساعة ، وكان ينبغي له طبقاً للبرنامج المدون أن يعود منتصف الليل .
صعد فيلياس فوغ إلى غرفته ونادى : باسبارتو .
ولم يجبه باسبارتو لأن هذا النداء لا يمكن أن يوجه إليه في هذه الساعة .
فأعاد فيلياس فوغ نداءه : باسبارتو .
ولم يرفع صوته أعلى من المرة الأولى ، وصعد إليه باسبارتو .
فقال له فيلياس فوغ : هذا ثاني نداء لك !
فأجابه باسبارتو وهو ينظر إلى ساعته : ولكننا لسنا في منتصف الليل .
فقال فيلياس فوغ : أعرف ، ولست ألومك ، سنسافر خلال عشر دقائق إلى دوفر و كاليه .
فانتاب باسبارتو ذعر مفاجئ : هل يسافر سيدي ؟
فيلياس فوغ : نعم ، سنقوم بجولة حول العالم .
فتأمل باسبارتو سيده مذهولاً كمن انقطع عنه الهواء ، ثم نطق بصعوبة : جولة .. حول .. العالم ؟
فأجابه فيلياس فوغ : في ثمانين يوماً ، لذلك يجب ألا نضيع لحظة واحد .
قال باسبارتو كالمرهق : والحقائب ؟
فيلياس فوغ : لا حاجة لنا بها ، خذ حقيبة صغيرة وضع فيها قميصين من الصوف وثلاثة أزواج من الجوارب ولحافاً للرحلة وحذاء متيناُ ، ولا نحتاج لغير هذا ، لأننا لن نمشي تقريباً .
باسبارتو : وأنا الذي كنت أبحث عن حياة مستقرة !
وأعد باسبارتو ما طلب منه سيده دون تفكير .
والساعة الثامنة رجع إلى فيلياس فوغ الذي كان مستعداً وقد تأبط كتيباً فيه مواعيد القطارات ، ودليلاً عاماً يساعده على تحديد مسار رحلته ، وتناول الحقيبة من يد باسبارتو ووضع فيها رزمة كبيرة من الأوراق المالية ، وسأل فيلياس فوغ باسبارتو : ألم تنس شيء ؟
باسبارتو : لا شيء .. يا سيدي .
فيلياس فوغ : حسناً احمل الحقيبة وانتبه إليها لأن فيها عشرين ألف جنيه .
وكادت تسقط الحقيبة من يده ، ولكنه تدارك الأمر .
الساعة الثامنة والربع كان السيد وخادمه في محطة { شارينغ كروس } ، ودفع فيلياس فوغ لسائق العربة أجرته .
في تلك اللحظات اقتربت منه سائلةٌ تجر طفلاً بيدها ، مرتدية أسمالاً حافية القدمين وطلبت منه صدقة ، فأخرج من جيبه عشرين جنيهاً ربحها في لعب الورق وأعطاها للسائلة وقال : خذي أيتها البائسة ، إني مسرور بلقائك .
فترقرق الدمع في عيني باسبارتو ، فقد احتل سيده منزلة عالية في قلبه .
في قاعة المحطة رأى فيلياس فوغ زملاءه الخمسة في نادي الإصلاح على حين كان باسبارتو يشتري بطاقتين من الدرجة الأولى إلى باريس ، فحياهم وقال لهم : أيها السادة ، إن التأشيرات على جواز سفري ستكون برهاناً على مسيرة رحلتي .
فاجابه رالف بلطف : هذا غير ضروري يا سيدي ، فنحن واثقون بأمانتك كجنتلمان .
فقال فيلياس فوغ : الأفضل القيام بالإجراءات حسب الأصول .
الساعة الثامنة وأربعين دقيقة ركب فيلياس فوغ وباسبارتو القطار ، وتحرك القطار الساعة الثامنة وخمساً وأربعين دقيقة .. وكان باسبارتو الذي ما يزال مذهولاً يضم الحقيبة المملوءة بالنقود إلى صدره . وفجأة .. أطلق باسبارتو صرخة يأس حقيقية فسأله فيلياس فوغ : ماذا حدث ؟
باسبارتو : لقد نسيت في عجلتي إطفاء النور في غرفتي .
فأجابه فوغ بهدوء : سأحسمها من أجرتك .[b]حينما غادر فيلياس فوغ لندن لم يفكر في صدى رحيله ، فقد أثار نبأ الرهان عاصفة من الدهشة في نادي الإصلاح ، ومن ثم نشره مراسلو الصحف إلى لندن و إلى المملكة المتحدة بأسرها .
وقد عمدت الصحف إلى تحليل قضية الجولة حول العالم ، وعلقت عليها بإهتمام ، فوقفت ضد فيلياس فوغ جرائد التايمز وستاندر وإفننغ ستار والمورننغ كورنيش ، ولم تؤيده سوى جريدة الديلي ميل بتحفز .
وبعد عدة أيام شككت هذه الجريدة في إمكانية إنجاز هذه الرحلة .
في السابع من تشرين الأول ظهرت مقالة مطولة في نشرة الجمعية الملكية الجغرافية تعالج المسألة من كافة جوانبها ، وانتهت إلى تأكيد استحالة كسب هذا الرهان ، إذ يكفي أن يتأخر المسافران مرة واحدة حتى تنكسر سلسلة مواعيد القطارات والسفن وينتج عنها تأخير لعدة أيام .
ولم يتبقَ لفلياس فوغ سوى مناصر احد ، هو اللورد الهرم مال المشلول منذ سنوات والذي كان مستعداً للتضحية بكل شيء لو استطاع القيام بجولة حول العالم حتى في عشر سنوات ، وقد راهن بخمسة آلاف جنيه لصالح فيلياس فوغ .
وتهاطلت المراهنات على نجاح هذه الرحلة أو فشلها ، لأن الإنكليز مولعون بالرهانات ، ولكن بعد أن هدأت عاصفة حماسة الأيام الأولى هبطت أسهم فيلياس فوغ ، فلم يعد يراهن عليه إلا بواحد من مائة ، وبعد سبعة أيام من انطلاقه ، تلقى مدير شرطة لندن البرقية العاجلة المؤرخة في السويس وهذا مضمونها :
من السويس إلى لندن :
روان مدير الشرطة ، الإدارة المركزية ، سكوتلاند بلاس ، نلاحق سارق المصرف فيلياس فوغ ، أرسلوا عاجلاً مذكرة توقيف إلى بومباي ( الهند الإنكليزية ) .
من المخبر فيكس .
وكان وقع هذه البرقية عظيماً ، فقد لوحظ أن صورة فيلياس فوغ تتطابق تتماماً مع أوصاف سارق مصرف إنكلترا ، ولعل هذا تفسير حياة ذلك الجنتلمان الغامض ، وتفسير هذا الرهان المجنون ، ولم تكن هذه الرحلة السخيفة حول العالم إلا وسيلة لتضليل شرطة المملكة المتحدة .
[b]و إليكم الظروف الداعية إلى تعميم البرقية المتعلقة بالسيد فيلياس فوغ .
يوم الأربعاء 9 تشرين الأول كان رجلان يتجولان على رصيف ميناء السويس ينظرون وصول السفينة [ مونغوليا ] التابعة للشركة الشرقية المسافرة إلى بردنيزي في إيطاليا و بومباي مروراً بقناة السويس .
أحد الرجلين من الهيئة القنصلية البريطانية في السويس والثاني رجل نحيف ، قصير القامة ، ذكي الملامح ، عصبي ، مقطب الحاجبين على الدوام ، وتلتمع عيناه تحت حاجبيه الكثيفين ، فصعد في تلك اللحظة الرصيف وتلتمع وقد وجدت عليه علائم نفاذ الصبر ، هذا الرجل اسمه فيكس ، وهو أحد مفتشي الشرطة الإنكليزية الذين أرسلوا في مهمة إلى مختلف موانئ العالم بعد سرقة مصرف إنكلترا ، وكان فيكس مكلفاً بمهمة مراقبة المسافرين على خط السويس ، وقد وصلته أوصاف المجرم عن طريق رجال التحقيق في لندن ، وأثارت شهيته المكافأة التي رصدها المصرف للقبض على السارق ، فكان يتشوق لوصول الباخرة القادمة من أوروبا وهي { مونغوليا } .
قال له القنصل : قليلاً من الصبر يا سيد فيكس ، فقد أعلن عن وصول مونغوليا إلى بور سعيد البارحة ، وستصل إلى هنا بعد دقائق ، والذي يقلقني هو كيفية تعرفك علىالسارق لأن أوصافه تنطبق على أي
شخص كان .
فيكس : ياسيدي القنصل ، هولاء الناس نستشعر بوجودهم أكثر مما نتعرف إليهم ، إنها مسسألة إحساس ، وإحساسي لايخطئ ، فإذا كان السارق على متن الطائرة فلن يفلت مني .
القنصل : الأجدار بك ألا تخطئ ، لأن الأوصاف تنطبق على أي شخص شريف .
فيكس : هذا طبيعي لأن كبار اللصوص يتشبهون بكبار الأشراف ، والأجدار بالناس القباح وجوههم أن يظلوا شرفاء لأن الشبهات تدور حولهم قبل سواهم .
أنما ينبغي مراقبة الذين تلوح عليهم علائم الشرف و الأمانة ، وهذا عملٌ شاق لا يتقنه إلا الخبراء ، إنه فن يا سيدي القنصل .
وهكذا يتبين أن المدعو فيكس لا ينقصه الإعجاب بنفسه .
ودبت الحركة في الرصيف لغرب وصول السفينة ، وكان الجو بارداً لهبوب الريح الغربية ، ولكنه جو بديع ، وتوافد على الرصيف البحارة من مختلف الجنسيات والتجار والمقاولون والفلاحون ، وتراقصت على مياه البحر الأحمر عدة قوارب رشيقة الصنع مما توارثه أهل البلد عن أجدادهم .
وكان فيكس يحدق النظر في المارة بحكم العادة .
وسأل المخبر فيكس فجأة : كم من الزمن ستبقى { مونغوليا } في السويس ؟
القنصل : الوقت الكافي للتزود بالفحم قبل عبورها البحر الأحمر بإتجاه بومباي .
فيكس : ألا تتوقف مونغوليا في عدن ؟
القنصل : تتوقف للتزود بالفحم فقط ، ولكنها تبحر مباشرة إلى بومباي .
فيكس : إذا كان اللص مبحراً على ظهر هذه السفينة فيكون من بين خططه النزول في السويس ليركب سفينة أخرى إلى المستعمرات الفرنسية أو الهولندية في آسيا ، لأنه لن يكون بمأمن في الهند ، المستعمرة الإنكليزية .
فأجابه القنصل بهدوء : رأي فيه نظر ، لأن المجرم يجد مخبأ آمناً في لندن أكثر مما يجده في البلدان الأجنبية .
وتركه القنصل يفكر بهذا الجواب ومضى إلى مكتبه القريب من الميناء .
وبقى فيكس في الميناء وحيداً وقد تملكه إحساس غريب بأن اللص على سطح السفينة ، فإذا أراد السفر إلى أمريكا ، فالأجدر به أن يمر بالهند ، لأن هذا الخط خاضع لمراقبة أقل من الخط الأطلسي .
وانتزعت صفارات السفينة فيكس من أفكاره .
وبدأت السفينة الضخمة تعبر القنال ، وأرست الساعة الحادية عشرة في ميناء السويس ، ونزل معظم المسافرين بالقوارب الصغيرة المحاذية للسفينة .
وكان فيكس يتفحص كل الركاب الذين نزلوا إلى اليابسة ، وتقدم إليه أحدهم وسأله بأدب عن مكاتب القنصلية البريطانية ، وأظهر له جواز سفره لأنه يريد أن يضع عليه ختم القنصلية .
فأمسك فيكس بجوار السفر ، ونظر في أوصاف حامله ، وكاد يسقط الجواز من يده لأن الأوصاف تنطبق على اللص بكل تفاصيلها .
فيكس : هل هذا الجواز لك ؟
....... : إنه جواز سيدي الذي بقي على ظهر السفينة .
فيكس : ولكن عليه أن يأتي بنفسه للتحقق من شخصيته .
....... : هل هذا ضروري حقاً ؟
فيكس : لا بد منه .
....... : سأطلب منه الحضور ، ولا أظنه سيسر لهذا الإزعاج .
وحيا المسافر فيكس ورجع إلى السفينة .انطلق فيكس إلى مكاتب القنصلية مسرعاً ، ودخل إلى القنصل وهو يقول دون مقدمات وبصوت مرتجف : سيدي القنصل ، لدي أسباب وجيهة تدل على أن اللص على متن السفينة { مونغوليا } .
وحكي فيكس للقنصل ماجرى بينه وبين الخادم بخصوص الجواز .
قال القنصل : أتمنى لو أرى وجه هذا اللص ، ولكنه قد يبقى على ظهر السفينة ، وأنت تعلم أن التأشيرة ليست إجبارية للمسافرين عن طريق الترانزيت .
فيكس : إنه رجلٌ واثق بنفسه كما أعتقد ولسوف يأتي ، وجواز سفره نظامي ، ولكن أمل ألا يمنج التأشيره .
القنصل : إذا كان جواز سفره نظامياً فإني مضطر إلى منحه التأشيرة إلا إذا صدرت بحقه مذكرة توقيف أو أوامر من إنكلترا .
فاكتأب فيكس ، وسأل : أليس من وسيلة إلى احتجازه في القاهرة ؟
القنصل : لا يوجد إلا إذا صدرت مذكرة توقيف .. حينئذ ٍ .
في تلك اللحظة ، قرع الباب وأدخل الحاجب شخصين أحدهما الخادم الذي تكلم مع المفتش فيكس .
وقدم السيد جواز سفره وطلب من القنصل بإحترام أن يضع عليه تأشيرته .
أما فيكس فكان واقفاً في زاوية المكتب يحدق إليه بنظرات ثاقبة ، وقرأ القنصل جواز السفر : حضرتك السيد فيلياس فوغ ؟
فيلياس فوغ : نعم يا سيدي .
القنصل : وهذا الرجل خادمك ؟
فيلياس فوغ : نعم ، فرنسي يدعى باسبارتو .
القنصل : وأنت قادم من لندن ؟
فيلياس فوغ : نعم .
القنصل : وأين تتجه ؟
فيلياس فوغ : إلى بومباي .
القنصل : حسناً أنت تعلم أن هذه التأشيرة ليست إجبارية .
فيلياس فوغ : أعلم ذلك ، ولكن أريد أن تؤكد عبوري بالسويس .
القنصل : كما تشاء يا سيد .
وختم له القنصل التأشيرة على جواز سفره ، ودفع فيلياس فوغ الرسوم ، وحياه ببرودة ، ثم خرج مثل ما دخل .
القنصل لفيكس : ما رأيك ؟
فيكس : سيطمئن قلبي بعد قليل ، وهذا الفرنسي الذي يخدمه سيبوح لي بما أريد ، إلى اللقاء يا سيدي القنصل .
ورجع فيلياس فوغ إلى مونغوليا ودخل مقصورته وفتح مفكره مكتوباً فيها الملاحظات التالية :
* مغادرة لندن ، الأربعاء 2 تشرين الأول ، الساعة الثامنة وخمساً وأربعين دقيقة مساءً .
* الوصول إلى باريس ، الخميس 3 تشرين الأول ، الساعة السابعة وعشرين دقيقة صباحاً .
* مغادرة باريس عن طريق مونستيس إلى تورينو ، الجمعة 4 تشرين الأول الساعة السادسة وخمساً وثلاثين دقيقة .

حول العالم في 80 يوم تلخيص

[B]* مغادرة تورينو ، الجمعة الساعة السابعة وعشرين دقيقة صباحاً .
* الوصول إلى برنديزي ، السبت 5 تشرين الأول الساعة الرابعة مساء .
* السفر على سفينة مونغوليا السبت ، الساعة الخامسة مساء .
* الوصول إلى السويس الأربعاء 9 تشرين الأول ، الساعة الحادية عشرة صباحاً .
مجموع الساعات : 158 ساعة ونصف مايعادل من الأيام 6 أيام ونصفاً .
كان فيلياس فوغ قد رسم مسيرة رحلته من 2 تشرين الأول إلى 21 كانون الأول على عمودين وزع عليهما الأيام وتواريخ الوصول المتوقعة وتواريخ الوصول الفعلية ، وبنظرة واحدة يستطيع معرفة الوقت المهدور والوقت المقتصد في كل رحلة ، وفي هذا اليوم 9 تشرين الأول لم يربح الوقت ولم يخسره ، فقد كان الوقت دقيقاً .
هذا كل شيء .
تناول عشاءه في مقصورته ، ولم يفكر في زيارة المدينة لأنه من جنس الإنكليز الذين يوكلون إلى خدمهم مهمة زيارة البلاد التي يعبرونها .[b]بعد لحظات كان فيكس يحادث باسبارتو الذي كان يتسكع في البلدة وسأله : هل تمت التأشيرة على الجواز ؟
باسبارتو : آه طبعاً.
فيكس : وهل تتفرج على البلدة ؟
باسبارتو : نعم .. ولكننا تمضي مسرعين بحيث لا أصدق أننا في إفريقيا .
تصور أني لم أر باريي مسقط رأسي إلا من الساعة السابعة والثلث صباحاً حتى الثامنة وأربعين دقيقة تحت المطر من خلال نوافذ عربة مسرعة ما بين محطة الشمال ومحطة ليون .
فيكس : أنتم مستعجلون إذاً ؟
باسبارتو : لست مستعجلاً ولكنه سيدي .. آه .. تذكرت يجب أن أشتري قمصاناً وجوارب ، لقد سافرنا دون ملابس تقريباً .
فيكس : سآخذك إلى سوق البازار فتجد فيه كل ماتريد .
باسبارتو : هذا لطف منك يا سيدي .
وانطلق لسان باسبارتو أثناء الطريق .
باسبارتو : آمل ألا أفوت السفينة .
فيكس : لديك الوقت الكافي .
إنها الثانية عشرة تقريباً .
قال باسبارتو ، وهو يجذب ساعته الضخمة : الثانية عشرة ؟ بل هي التاسعة واثنتان وخمسون دقيقة .
فيكس : ساعتك تؤخر .
باسبارتو : تؤخر ؟ هذه ساعة العائلة وهي لا تؤخر سوى خمس دقائق كل سنة , إنها ساعة ميقاتية تقريباً .
فيكس : أراك حافظت على توقيت لندن المتأخر ساعتين تقريباً عن توقيت السويس .
فهتف باسبارتو : لن ألمسها أبداً .. وماذا تهمنيالشمس ، إنها هي على خطأ .
فيكس : لقد غادرتم لندن على عجلة فما هي وجهتكم ؟
باسبارتو : جولة حول العالم .
فيكس : حول العالم ؟
باسبارتو : تماماً .. في ثمانين يوماً .. سمعت هذا ولكني لا أصدقه فهذا لا يعقل ، لا بد أن هناك شيء أخر .
فيكس : آه .. أعتقد أن سيدك رجل غامض .. هل هو غني ؟
باسبارتو : يبدو عليه ذلك ، وهو لا يبخل بالمال على أي حال ، وقد وعد قبطان مونغوليا بمكافأة هامة إن وصل بومباي قبل الوقت المحدد .
فيكس : وهل هو على عذع الحال دائماً ؟
باسبارتو : وكيف أعرف فقد دخلت خدمته يوم سافرنا .
ويمكننا أن نتخيل تأثير هذه المحادثة على المفتش فيكس إذ أن كل ماسمعه يؤيد شكوكه : الغموض الذي يحيط بفيلياس فوغ ، وهذا المبلغ الضخم من المال ، وسفره المفاجئ .
وعزم فيكس على أمر ، فترك باسبارتو في البازار و أسرع عائداً إلى القنصلية .
قال فيكس للقنصل : سيدي ، لم يعد لدي أدنى شك ، لقد أمسكت به ، يتظاهر أنه رجل غريب الأطوار ، يقوم برحلة حول العالم في ثمانين يوماً .
القنصل : ياله من شيطان .. لا ريب أنه سيعود إلى لندن بعد أن يدوخ كل شرطة الدنيا .
فيكس : سنرى هذا ، ولا أفهم إصرار على وضع تأشيرة السويس على جواز سفره ، هذه نقطة ستتوضح لنا ، وبإنتظار ذلك أرجو أن تبرق إلى لندن لاستصدار مذكرة توقيف بحق فيلياس فوغ في بومباي ، وسأبحر معه على ظهر السفينة .[b]كانت لسفينة ( مونغوليا ) تبحر بسرعة تتجاوز موعد وصولها النظامي .
والمسافة بين السويس وعدن عشرة آلاف ميل ، والوقت يمر سريعاً على متن السفينة .
وكان معظم الركاب موظفين أو ضباطاً يلتحقون بقطاعاتهم العسكرية ، وبعضهم أبناء عائلات ثرية يملكون الملايين وقد سافروا ليؤسسوا شركات تجارية .
وكانت خدمات الشركة الناقلة جيدة ، إذ تقدم وجبات عامرة باللحم والفواكة والحلويات ، والموسيقى تطرب المسافرين ، وقد تقام حفلات راقصة حين يكون البحر هادئاً ، لكن البحر الأحمر متقلب المزاج ، فقد بدأت الأمواج تتقاذف السفينة وهي منطلقة بقوة آلاتها البخارية نحو مضيق باب المندب .
ماذا كان يفعل فيلياس فوغ ، أثناء ذلك ؟ قد يُظن أنه قلق , ولكنه لم يكن مبالياً بشيء ، سواء بالتأخير المحتمل للسفينة أو بالمناظر الطبيعية التي تتوالى أمام ناظريه أو بالمدن المشهورة التي تترامى على ضفتي البحر الأحمر ، ولم يصبه دوار البحر الذي أصاب معظم الركاب .
ماذا كان يفعل إذاً ؟
كان لعب الورق مع مجموع من المولعين باللعب مثله ، وهم : قس عائد إلى بومباي ، وجابي ضرائب في غوا ، وضابط إنكليزي يلتحق بقطعته في بيناريس ، هؤلاء الأربعة يلعبون الورق هادئين ساعات طويلة .
أما باسبارتو الذي لم يصبه دوار البحر أيضاً ، فقد بدأ يجد الرحلة ممتعة في مثل هذه الظروف ، وكم كان سروره عظيماً يوم 10 تشرين الأول حين التقى بذلك الرجل الذي كلمه في السويس ، فقال وهو يقترب منه : أظنك الرجل الذي دلني على البازار في مصر .
فيكس : أنا هو ، وأنت خادم ذلك الإنكليزي الغامض .
باسبارتو : مع من لي شرف الحديث ؟
فيكس : فيكس .
باسبارتو : تسرني رؤيتك .. وإلى أين تتجه ؟
فيكس :إلى بومباي .. مثلك .
باسبارتو : وهل سافرت إلى بومباي سابقاً ؟
فيكس : يعني .. قليلاً .
وغمغم فيكس جوابه ، لأنه لم يشأ التعمق في الحديث .
وسأله باسبارتو : لا ريب أنها بلاد عجيبة ؟
فيكس : عجيبة جداً .. ففيها المساجد والمآذن والمعابد والفقراء والنمور والثعابين .. سيكون لديك الوقت لزيارتها .
باسبارتو : لا أظن .. وكنت أتمنى لو توقفت الرحلة في بومباي ، إذ لا يمكن لإنسان سليم العقل أن يقضي حياته متنقلاً من قطار إلى سفينة ومن بلد إلى آخر ، واعتقادي أن السباق سيتوقف في بومباي .
سأله فيكس بلا مبالاة : وكيف حال السيد فيلياس فوغ .
باسبارتو : ممتازة .. مثلي تماماً.. فأنا لا أحس بدوار البحر ، وأكل كالغول .. إنه هواء البحر لاريب .
بعد هذه المحادثة استمرت لقاءات باسبارتو وفيكس ، وكانا يجلسان في المقصف يتناولان المشروبات معاً ويتحدثان في أمور كثيرة .
كانت مونغوليا تبحر بسرعة كبيرة .
يوم 13 تشرين الأول ظهرت مدينة مخا اليمنية الشهيرة بآثارها القديمة ، فتأملها باسبارتو ، خاصة وأنه مولع بشرب القهوة .
اجتازت السفينة باب المندب أثناء اليل .
ووصلت عدن في اليوم التالي ، فتزودت بالفحم الحجري ، إذ مايزال أمامها ألف ومائة وخمسون ميلاً للوصول إلى بومباي ، واستغرق وقوفها هذا أربع ساعات ، ولم ينزعج فيلياس فوغ لهذا التأخير لأنه متوقع سلفاً ، هذا من جهة ، كما أن السفينة وصلت ، من جهة آخرى ، مساء الرابع عشر بدلاً من صباح الخامس عشر من تشرين الأول ، وبذلك ربح خمسة عشرة ساعة .
هبط فيلياس فوغ إلى اليابسة ووضع التأشيرة على جواز سفره ، وبقي باسبارتو يتجول في المدينة .
الساعة السادسة مساءً كانت مونغوليا متوجهة إلى الحيط الهندي ، وقد هبت ريح الغرب الشمالية رخاء ، وعلا الإبتسام الوجوه ، واستمرت الرحلة في أفضل الظروف ، وظهر الساحل الهندي يوم 2 تشرين الأول ظهراً ، وبعد ساعتين أطلت أشجار النخيل برأسها من مدينة بومباي ، وأرست مونغوليا في الميناء الساعة الرابعة والنصف من 20 تشرين الأول بدلاً من 22 تشرين الأول ، وبذلك اقتصد فيلياس فوغ يومين من الرحلة ما بين لندن وبومباي .[b]صل المسافرون إلى بومباي الساعة الرابعة والنصف مساء ، ولا ينطلق القطار إلى كلكتا إلا الساعة الثامنة .
ودع السيد فيلياس فوغ زملاءه في اللعب وغادر السفينة ، وطلب من باسبارتو قضاء بعض الأشغال ، وأوصاه ألا يتأخر عن الوصول إلى المحطة الساعة الثامنة ، ثم توجه بخطا ثابتة نحو مكتب الجوازات ، ولم يشغل نفسه بالفرجة على آثار المدينة ومعالمها التاريخية .
بعد خروجه من مكتب الجوازات توجه إلى لمحطة مطمئناً وطلب وجبة عشاء .
من بين الأطباق التي قدمت إليه { أرنب الغابة } ، فتذوقه فيلياس فوغ ووجده غريب الطعم ، فنادى صاحب المطعم ودار بينهما الحوار التالي :
فيلياس فوغ : هل هذا أرنب ؟
صاحب المطعم : نعم يا سيدي .. أرنب الغابة .
- وهل سمعت مواءه وأنت تذبحه ؟
- هل له مواء ؟ أقسم لك يا سيدي أن .. .
- لا تقسم ! .. وتذكر أن القطط كانت حيوانات مقدسة في الهند ، وكان ذلك عصرها الذهبي .
- عصر القطط الذهبي .
- وعصر المسافرين الذهبي أيضاً .
وأنهى فيلياس فوغ عشاءه ببطء .
أما المفتش فيكس فقد سار إلى مدير شرطة بومباي يستفسر عن مذكرة التوقيف ، فلم تكن قد وصلت من ندن بعد ، ورفض مدير الشرطة توقيف السيد فيلياس فوغ ، فالقضية تتعلق بالشرطة المحلية المؤهلة وحدها بإصدار مذكرة توقيف ، وليس لديها آدلة اتهام ضده .
عزم فيكس في غمرة يأسه ألا يغيب فيليا فوغ عن ناظريه أثناء قامه في بومباي ، وظن أنه سيقيم فيها بعض الوقت مما يسمح بوصول مذكرة التوقيف .
وكان باسبارتو متأكداً أن الرحلة ستتوقف في بومباي ، ولكنه حين تلقى تعليمات من سيده ظن أن الرحلة ستنتهي في كلكتا على أبعد تقدير ، وسأل نفسه فيما إذا كان القدر قد شاء له أن يقوم بجولة حول العالم ، وهو الذي طالما منى نفسه بحياة مستقرة آمنة .
وبعد أن اشترى بعض الثياب ، جعل يتجول في بومباي ، وكانت غاصة بالأوروبين من مختلف الجنسيات ، وبالفرس بعماماتهم المدببة الطويلة ، والبارثيين بملابسهم السوداء .
وعلم أن يقام أحد أعيادهم ولذلك غصت بهم الأسواق ، والبارثيون من أتباع { زرادشت } هم القوم الأكثر نشاطاً وثروة في بومباي ، ويملكون معظم المؤسسات التجارية ، وكان عيدهم كرنفالاً يرقصون أثناءه في الشوارع على قرع الطبول وأصوات المزامير ، وقد أرضى باسبارتو حسه الفني وفتح عينيه الواسعتين إعجاباً وطرباً .
بعد أن شاهد باسبارتو هذا الكرنفال توجه إلى زيارة معبد { ماليبار هيل } ، وأراد الدخول إليه ليتفرج على معالمه ، وكان باسبارتو يجهل شيئين : الأول أن بعض معابد الهند محرم دخولها على المسيحين ، والثاني أ أتباع هذه العقيدة أنفسهم لا يدخلون المعابد إلا بعد خلع أحذيتهم ، وكانت الحكومة الإنكليزية تعاقب كل من يخالف هذه التقاليد المحلية .
دخل باسبارتو المعبد إذن سائحاً وهو غافل عما ارتكبه من آثام ، فلم يشعر إلا وثلاثة من الكهنة قد هجموا عليه ونزعوا حذاءه وأوسعوه ضرباً ، وهم يطلقون صرخات مريعة .
نهض الفرنسي من سقطته ، وانهال على مهاجميه لكما وركلاً ، وتعثر الكهنة في ملابسهم الطويلة ، فانتهز باسبارتو الفرصة وانطلق يجري حتى ضلل ملاحقيه ، كانت الساعة الثامنة إلا خمس دقائق حين وصل باسبارتو إلى المحطة حافي القدمين وقد فقد قبعته وصرة الثياب التي اشتراها .
وكان فيكس في المحطة قد عزم أن يرافق فيلياس فوغ حتى كلكتا أو أبعد منها إذا اقتضى الحال ، ولم يره باسبارتو إذ كان مختبئاً في ناحية من المحطة ، ولكن المفتش سمع تفاصيل مغامرته وهو يرويها لسيده .
قال فيلياس فوغ وهو يتخذ مقعده في القطار مخاطباً باسبارتو : آمل ألا يتكرر هذا أبداً .
كان فيكس يهم بالصعود إلى القطار حينما خطرت له فكرة عبقرية منعته من ذلك ، وقال لنفسه : هذه جريمة ارتكبت في الإقليم الهندي .. سأبقى وأقبض على الرجل .
وظل واقفاً على الرصيف يراقب القطار متجهاً في ظلام الليل إلى كلكتا .انطلق القطار في الوقت المحدد ، وكان مع فيلياس فوغ في مقصورته أحد الرجال الذي كان يلاعبهم الورق وهو السير فرنسيس كرومرتي ، وبينما كان فيلياس فوغ يلعب الورق توقف القطار فجأة ودون سابق إنذار ، فتناثرت الأوراق يميناً ويساراً .
عندما خرج باسبارتو يستطلع الأمر ، رأى بعضاً من الهنود الحمر يسحبون الركاب من مقصوراتهم ، فأسرع إلى سيده فيلياس فوغ ليخبره بالأمر .
أختبئ كل من فيلياس فوغ وباسبارتو والسير فرنسيس في مقصورة الأمتعة ، وبعد مرور ساعتين خرجوا من تلك المقصورة ووجدوا الكثير من الجثث المرمية خارج القطار ولم تكن سوى عظام الأجسام ، ارتاع الثلاثة من هذا المنظر الوحشي .
قرر فيلياس فوغ وباسبارتو والسير إنقاذ الركاب الذين مازالوا على قيد الحياة من براثن أولائك الهنود ، فأخذوا يمشون مسافة لا تقل عن الـ 10 كيلو مترات ، وكانوا يحملون معهم بعض الأسلحة والذخائر لقتل الهنود وإنقاذ الركاب .
في الليل الحالك وصلوا إلى مقر الهنود رأوهم يرقصون ويدورن حول نار مشتعلة والقائد يشاهدهم وهو سعيد بهذا الصيد الوفير ، طلب فيلياس فوغ من باسبارتو أن يبحث عن الركاب ، وهو والسير فرنسيس سيشغلون الهنود ، أخذ كلٌ من فيلياس فوغ والسير فرنسيس بعضاً من العصي وأشعلوا النار وأخذ كل منهم شعلتان وأخذ يجري بين الأشجار المحيطة بالهنود ليضللوا الهنود .
فذهب باسبارتو وبقي يبحث عن مكان الركاب ، أما فيلياس فوغ فبقي يجري بين الأشجار هو والسير فرنسيس والهنود يتعبون النار ، فجأة تعب فيلياس فوغ من الجري وسقط على الأرض ، فوجده الهنود وقيدوه لأنه لم يستطع الدفاع عن نفسه ، وجلبوا قطعة خشب كبيرة في أعلاها دائرة مثقوبة وضعوا رأس فيلياس فوغ فيها وأتى الزعيم وقطع رأسه بفأس كبير ، في هذه الأثناء كان باسبارتو قد وصل إلى مكان الركاب ولكنهم جميعاً كانوا مقتولين من قبل الهنود ، فعاد إلى مكان سيده ورأى ذلك المنظر المفزع فشهق شهقة مسموعة ، فرأوه الهنود وسارعوا بإمساكه وفعلوا به مثل مافعلوا بسيده فيلياس فوغ ، أما السير فرنسيس فقد هرب خوفاً من الهنود .
وعندما علم المفتش فيكس بأمر مقتل فيلياس فوغ تلاشت كل أماله في إلقاء القبض على السارق المزعوم فوغ ، وبعد عدة أيام وصل خبر إلى فيكس بأن السلطات قد علمت من هو السارق الحقيقي ، وكان هو السيد ستيوارت نفسه الذي تحدى فيلياس فوغ ، وقبض عليه المفتش فيكس ووضعه في السجن وكان عقابه السجن المؤبد والأعمال الشاقة .
النهاية ...

حول العالم في 80 يوم تلخيص

التوقيع

اللقطة لو فاتت
مش ممكن تتكرر ..
ودماغى لو ماتت
مش ممكن تتغير ..
هفضل دايما مجنون
حاسس انى ملكت الكون
هفتح دراعاتى واكون
زى ما انا عايز اتصور .. )



التعديل الأخير تم بواسطة *angel* ; 02 - 11 - 2011 الساعة 09:12 AM
رد مع اقتباس



إضافة رد

أدوات الموضوع


جديد مواضيع استراحة بورصات


08:57 AM