• 7:20 صباحاً
logo




تفسير سورة الفاتحة للشيخ صالح المغامسي

إضافة رد
عضو فـعّـال
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 1,679
معدل تقييم المستوى: 8
**ماريا** is on a distinguished road
10 - 06 - 2013, 08:18 AM
  #1
**ماريا** غير متواجد حالياً  
افتراضي تفسير سورة الفاتحة للشيخ صالح المغامسي


[size="4نسألُ الله الذي أحسن بنا البدء أن يُحسن لنا المُختتم وأن يغفر لنا ما بين ذلك فهذا تأصيلُ مُهم أو تذكيرٌ مُهم في هذا اللقاء المُبارك.
فعلى هذا يتحرّر أن لقـاء اليوم يتكلم عن((سورة الفاتحة)).
وثمّة أمور دلّ عليها النقل والعقل .
فأما العقلُ:فإن سورةً أمر الله جل وعلا عبادهُ تعبدهُم بأن يتلوها في كُل صلاة فرضاً ونفلا حتى صلاة الجنازة على قلّةِ أركانها جعل الله جل وعلا قراءة الفاتحة مُقررةً فيها يدلُ على عظيم شأن هذهِ السورة .وبدأنا بالأمور العقلية.
ثُمّ ننتقل للأمور النقلية:
النبي علية الصلاة والسلام ثبت"أن ملكاً جاءهُ من السماء وقال لهُ أبشر بنورين أُتيتهُما لم يؤتهُما نبيٌ قبلك فاتحةُ الكتاب وخواتيمُ سورة البقرة"،وأخذ صلى الله علية وسلم بيد أُبيّ ابن كعب وقال :"ألا أُعلمك أعظم سورةً في القرآن "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " هي السبع المثاني وهي القرآن الذي أُتيتُهُ".
فهذان الحديثان يُغنيان عن ذكر غيرهما لكُل من يعقل في بيان عظيمِ وفضلِ هذهِ السورة المُباركة.

افتتح الله جل وعلا بها كتابهُ خطا ولا نقولُ افتتح بها كتابهُ تنزيلا لأن التنزيل بدأ بالعلق لكن افتتح بها الكتاب خطا فوضعُ سور القرآن الأصلُ أنهُ توقيفي عن الصحابة عن رسول الله صلى الله علية وسلم وهذا بإرشاد الله لنبيهِ فالله جل وعلا جعل الفاتحة فاتحة الكتاب وفاتحةُ الكتاب اسمٌ نبويٌ لها قال علية الصلاةُ والسلام{لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب}. وهي أُم القرآن ،وهي السبعُ المثاني،ولها أسماء توقيفية، وأسماء اجتهادية ، لكن قيل :
في طلعة البدر ما يُغنيك عن زُحل
فما ورد في أسمائها التوقيفية يُغني عن الأسماء الاجتهادية لأن الأسماء التوقيفية لها تتلألأُ تلألأُ القمركفاتحـة الكتاب ، وأُم القرآن ، والسبعُ المثاني ، والحمدُ لله رب العالمين .

هذا إجمال عن هذهِ السورة المُباركة قبل الشروعِ فيها ولا يكادُ ولله الحمد يجهلُها مُسلم لأن الله تعبدنا بتلاوتها مراراً في اليوم الواحد.
نبدأُ أولاً بمعانيها العظــام قبل الشروع في المُفردات :
فأول معانيها العظام أن الله جل وعلا فيها علّم عباده كيفيةً مُناجاتهِ ولا توجدُ لحظات ولا أوقات هي أجلُّ ولا أعظم من مُناجاة الله تبارك وتعالى،فالربُ جل وعلا هُنا يُعلمُ عبادهُ الطريقة المُثلى والسبيل الأقوم في مُناجاتهِ ، فاهدنا الصراط المُستقيم هذا هو الطلب لكّن ذلك كان مسبوقاً بتمجيد الرب ولهذا عرفتُ العربُ ذلك فجعلت الخُطب ذات الشأن إن لم تكُن مبدوءة بالحمد لله والثناء على ربها جعلت ذلك أبترا كما قالت في خُطبة زياد ابن أبيهِ لما بدأها بغير حمد الله أنها خُطبةٌ بتراء .
والمعنى أن الله أراد بهذهِ السورة الكريمة التي افتتح بها كتابهُ أن يُعلّم عبادهُ كيف يُناجون،ومُناجاة الله جل وعلا مطلبٌ عظيمٌ جليل يُتوصلُ بهِ إلى جليل الغايات وعظيم الأماني وأعذب الآمال.فنقول ذكر الله فيها الحمد على ذاتهُ العلية وإخبار ما لهُ جل وعلا من صفات الكمال ونعوت الجلال.

ثُمّ ذكر قضية التوحيد ثُم جعل بعد ذلك الطلب وهو قولهُ{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}.والعربُ تعرفُ هذا من قبل والله جل وعلا أثبتهُ في مُخاطبة ذاتهُ العلية قال أُمية ابن أبي الصلت يمدحُ عبد الله ابن جدعان :
أأذكرُ حاجتي أم قد كفاني *** حياؤك إن شيمتك الحياءُ
إذا المرءُ أثنى عليك يوماً *** كفاهُ من تعرضهِ الثناء
يعني يُغنيهِ من سؤالك أن يُثني عليك فإذا قال هذا مخلوقٌ في حق مخلوق فكيف بما قالهُ العلي الكبير في حقِ ذاتهِ العلية جل جلاله،فلا أحـد أعلمُ بالله من الله ولا أحد يستحق الحمدُ المُطلق إلا الربُ تبارك وتعالى هذا المعنى الأول وهو المقصود الأسمى .

الأمر الثاني في المعاني الجليلة للآية :بيان قضية التوحيد وهي المُجملة في قولهِ تعالى{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}فلا إله إلا الله كلمة التوحيد قائمةٌ على نفيٍ وإثبات فقولُ لا إله خلعٌ لكُل المعبودات غير الله هذا النفي، والإثباتُ فيها إلا الله وإيّاك نعبُد تقديم الضمير إيّاك هذا حصر أحدُ أساليب الحصر فتقديمُ أسلوب الحصر هنا نفيٌ لكُل معبودٍ غير الله ، والطريقةُ لنفي المعبوداتِ هُنا جاءت بتقديم المعمول وهو إيّاك.وأما الإثبات فهو في قولهِ تبارك وتعالى{نَعْبُدُ}.هذان مطلبان جليلان في التمهيد لسورة.


نأتي لسورة:جرت سنن العُلماء أنهم يبدءون بشرح الاستعاذة وسأحاولُ أن أبتعد كثيراً عن طرائقِ المُفسرين في تفسير هذهِ السورة عندما يُعرّجون على إعراب البسملة والاستعاذة وغير ذلك وإنما نحاول أن نُقدم شيئاً يتعلقُ بهِ العلم الذي ينجمُ عنهُ العمل.الإنسانُ ضعيف شاء ذلك أم أبى قال ربُنا{وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}والضعيف يحتاجُ إلى من ينصُرهُ خاصةً إذا كان لهُ عدو فالاستعاذة المعنى الحرفي لها : أستجيرُ بالله وألوذ من الشيطان الرجيم في أمر ديني ودنياي هذا المعنى الحرفي .
ينجمُ عن الاستعاذة ثلاثةٌ مقاصد :
الأول منها:اعترافُ العبد بضعفهِ لأنهُ لا يلجأ ولا يستجير إلا الضعيف اعترافُ العبد بضعفهِ واعترافُ العبد بضعفهِ مقصودٌ شرعي.
الأمر الثاني:في قضية الاستعاذة فيها اعترافٌ من العبد بعظمةً ربهِ وجلالهِ وأنهُ لا يُجيرُ إلا هو وهذا من أعظم مقاصد الشرع .
والأمرُ الثالث:اعترافُ العبدِ بأن الشيطان عدوٌ له وهذا أمرٌ قصده الله في كتابهِ{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}.
فهذهِ الثلاث تتحرر من قناعة المرء و تلفُظهِ بالاستعاذة .

أما قول ربنا جل وعلا{مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}فالشيطان هُنا إبليس وأعوانه من الجن والإنس لكن من أين مأخوذة مادة شيطان ـ المادة أقصد اللفظية الحرفية لا أقصد المادة الخلقية ، المادة الخلقية مخلوقون من نار ـ الصوابُ أن نقول إنها مأخوذةٌ من الفعل شطن بمعنى بعُد وتنبه يا أُخي إذا كان هُناك بئراً بعيدٌ قعرهُ وتُرمى فيه الدلاء بالحبال أين يكونُ طرفا الحبل ؟ أحدُهما في الأعلى والآخر في الأسفل وإذا قُلنا أنهُ بعيدٌ قعرُه فهُناك بُعدٌ تام بين طرفي الحبل عنترةٌ يقول :
أشطانُ بئرٍ في لبان الأدهمِ
"أشطان بئر" حبال بئر ـ واضح ـ مُتباعد الطرفين هذا التباعُد هو اللفظ المُشتق منهُ اسم الشيطان ، فكما يتباعدُ طرفا الحبل إذا طال فالبُعدُ بين الخير وبين الشيطان كالبعدُ بين طرفي الحبل إذا طال فهو بَعُد عن الخير بكُل وجه ولهذا شطن فسُميَ شيطانا،أما "الرجيم" فإننا نقولُ إن الله ذكر إبليس في كتابهِ بأوصافٍ مشئومة وأسماء مذمومة لكن لفظ الرجيم هو أجمعُ تلك القبائح فيهِ لكن لفظ الرجيم هو أجمع تلك القبائح في الشيطان يعني الوصف أو الاسم الذي تجتمعُ فيهِ القبائحُ كُلها في الشيطان فهو هنا رجيم فعيلٌ بمعنى مفعول أي رجيمٌ بمعنى مرجوم أي مطرودٌ بعيدٌ كُل البُعد عن الخيرِ وعن رحمة الله{قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ*وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} ـ نعوذُ بالله من ذلك ـ.
هذا المعنى العام لأعوذُ بالله من الشيطان الرجيم .

ومن الناحية الفقهية:فإن جمهور العُلماء على أن قراءتها مُستحبة وليست بمُتحتمه،وقال بعضهم بالوجوب هذهِ الاستعاذة .


أما البسملة فهي قول{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}.
وجرت عادة العُلماء أنهم يذكرون هُنا خلافهم في هل هي آية من القرآن أو لا ؟
أما هنا في سورة الفاتحة فالذي يتحرّرُ عندي أن بسم الله الرحمن الرحيم آيةٌ من الفاتحة وهي الآيةُ الأولى وبهذا يتحقق القول بأنها السبع المثاني.واتفقوا على أن بسم الله الرحمن الرحيم آيةٌ من سورة النمل{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }.
واختلفوا ـ أي أهل العلم ـ فيما عدا ذالك هل بسم الله الرحمن الرحيم آيةٌ في المصحف أو قُصد بها الفصل والتبرك وليس هذا موطن التفصيل لأن هذا يُخرجنا عن المقصود الأسمى من تفسير سورة الفاتحة .

ثُم قال ربُنا :{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}إذاً على وجه الحقيقة{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}هي أولُ ما افتتح الله بهِ كلامهُ لأن الاستعاذة والبسملة الاستعاذة اتُفق على أنها ليست من المُصحف الخلاف في بسم الله الرحمن الرحيم على أن الحمدُ لله رب العالمين يعني بسم الله الرحمن الرحيم كالتغطية لهافـ{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}هي أولُ آيةٍ في القرآن مُتفقٌ عليها خطاً وقد قُلنا مراراً إن العاقل يشتق من القرآن ما ينفعهُ في خطابه فيتحرر من هذا أن يُقال الحمدُ للهِ الذي جعل حمــدهُ أول آية في كتاب رحمتهِ وجعل حمدهُ آخر دُعاءٍ لأهل جنتهِ{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}الحمد المقصود بهِ هنا الثناءُ على الله جل وعلا واللام في"لله" لام الاستحقاق واللام تأتي للاستحقاق وللمُلك وللخواص والمقصودُ بها هُنا الاستحقاق .
{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} العالمين جمعُ ماذا ؟
جمع عالم لكن إلى الآن أنا لم أقُل شيئاً مُفيداً العالمين جمعُ عالم هذهِ سهلة لكن الذي قصدتهُ ماذا ؟ العرب تجمع على قسمين جمعُ قلّة وجمعُ كثرة يقولون في نجم نجوم إذا أردت الكثرة ، وأنجُم إذا أردت القلّة يقولون في شهر أشهُر إذا أردت القلّة وشهور إذا أردت الكثرة .عالمين جمعُ قلّة وجمعُ الكثرة عوالم ومعلومٌ أن العالم بمجموعة المُتفرق عوالم كُثر جداً.
فلماذا ذكر الله هنا جمع القلّة ولم يذكُر جمع الكثرة ؟حتى يُفهم أن العوالم وإن كثُرت قليلةُ في حق ِ مجدهِ وعظمتهِ جل وعلا أن العوالم وإن كثرُت جمعها هنا جمعُ قلّة حتى يُبين أنها مهما كثُرت قليلةٌ في جانب عظمتهِ ومجدهِ تبارك وتعالى .


{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1) الرَّحْمـنِ الرَّحِيم(2)}.
هذهِ الآية الثالثة قال الشنقيطيُ رحمهُ الله في أضواء البيان{الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}وصفان لله تعالى واسمان من أسمائهِ الحُسنى مُشتقانِ من الرحمة على هيئة المُبالغة والمقصودُ بالرحمن ذو الرحمة للخلق جميعاً في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة . والمقصودُ بالرحيم ذو الرحمة لعبادهِ المؤمنين يوم القيامة ، كذلك ممكن يُضاف على هذا الذي ذكرهُ الإمام الشنقيطي رحمة الله تعالى عليهِ أن يُقال إن الرحمن لم يوصف إلا الله جل وعلا بهِ بخلاف الرحيم ويجب أن تعلم أن للهِ أسماء أسماء لا يجوز أن يُشاركهُ فيها أحدٌ سواهُ بحال ، وأسماء يجوزُ أن يُشاركهُ غيره فيها إذا وردت غير مُعرّفةً أو مُقيدة.مثل لفظ الجلالة الله لا يُقال لغير اللهِ الله ، ولا يُقالُ لغير اللهِ أنهُ خالق ، ولا يُقالُ لغير اللهِ أنهُ رازق ، ولا يُقالُ لغير اللهِ أنهُ رحمان لكن يُقالُ لغير اللهِ أنهُ رحيم قال الله جل وعلا في حق نبيهِ{بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }ويُقالُ لغير الله أنهُ صبور، ويُقالُ لغير الله إنهُ مؤمن ،ويُقالُ لغير اللهِ أنهُ ملك وأمثالُ هذا ـ واضح ـ هذا مُهمّ في التفريق.


{الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ(2) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(3)}.
أي يوم الجزاء وقد نبّه على يوم الدين في قولهِ في الانفطار{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(17)ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ(18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(19)}.
هذهِ الثلاث هي قوامُ الإيمان كُلهِ لأن{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}تستوجب أن هُناك مُنعم يستحقُ المحبةو{الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}تستلزم أن هناك رحيم أهلٌ لأن يُرجى و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}تُبين أن هناك عظيم يستحقُ أن يُخاف والدينُ كُلهُ قائمٌ على هذهِ الثلاث،فالرجاء والخوف جناحان والمحبةُ رأسُ الطائر فمن جاء بهذهِ الثلاثة أحب الله ورجاهُ وخافهُ فقد آمن ومن نبذ واحدةً منها نبذاً كُلياً فقد كفر فمن خاف الله ورجاه ولم يُحبهُ كافر ، ومن أحب الله ورجاه ولم يخفهُ كافر ، ومن أحب الله وخافهُ ولم يرجوهُ فهو كافر .


{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(4)}مضى القولُ فيها وقد نقل ابنُ القيم رحمهُ الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهُ الله أنهُ قال :{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تطرُد الرياء ،{وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }تطرُد الكبرياء.
الإنسان خُلق لعبادة اللهِ فمتى انصرف إلى عبادةٍ غيرهِ يا بُني فلم يعرف ما الغاية من خلقهِ ، ومتى ظنّ أنهُ سيعبُد الله بغيرِ حولٍ من الله فلم يعرف كُنه نفسهِ أصلاً فإذا علم أنهُ لا سبيل إلى الوصولِ إلى غير اللهِ ولا إلى الله إلا باللهِ فقد علم المعنى الحقيقي لـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }فالمرءُ أياً كان ضعيفٌ كُل الضعف عاجزٌ كُل العجز وهذا من المعاني السامية لقولهِ"لا حـــول ولا قــوة إلا بالله ".
فالمؤمن الحق من خلع جميع المعبودات غير الله واستعان بالرب تبارك وتعالى على عبادتهِ.
وقد قال العُلماء لماذا قدّم الله العبادة على الاستعانة مع أن العقل يقول إن الإنسان يستعينُ ثُمّ يعبُد ؟
والصوابُ أن الله قدّم العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة بالله نوعٌ من العبادة فقدّم جل وعلا الأعمّ على الأخص فلا تعارُض في التقديم هنا{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }.
بعد أن بين الله جل وعلا أن هؤلاء المُتقين مجّدُوا ربهُم وأثنوا عليهِ بما هو أهلهُ وعرفوا الطرائق المُثلى لاستدرار نعمتهِ ودفع نقمتهِ واستعانوا بهِ ووحّدوه وحققوا المطلوب هنا طلبوا الهداية{اهدِنَا} ماالهداية؟
الهداية في كلمتين طلبُ الدلالة بتلطُف أو الدلالة بتلطُف هي الهداية هي ماذا ؟ هي الهداية .فمن دلّك على شيءً بتلطُف فقد هداك أما من دلّك على شيءً بغير تلطُف فهذا لم يهدك هذا أمرك هذا ماذا ؟ هذا أمرك .سجّان يقول لسجينهِ اذهب من هُنا هذا دلّهُ على الطريق ،لكنّهُ لم يدلهُ بتلطُف فلا يُسمى هذا هداية لكّن الله جل وعلا هدانا بتلطُف أن بعث لنا الرُسل وأنزل علينا الكُتب وبيّن لنا معالم السُبُل وحذّرنا من طرائق الضلالة فسُمي هذا كُلهُ هداية.


{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(5)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}
التعريف للصراط هنا ورد بطريقتين نحويتين :
التعريف بأل والتعريف بالإضافة .
{اهدِنا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(5)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} من الذين أنعم الله عليهم ؟
ذكرهُم الله في النساء {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } إذاً هذهِ الآية دلالة على صدق خلافةِ من؟ أبي بكر دلالة على صدق خلافة أبي بكر.الآن الأُمة مُجمعة على أن أبا بكر صديق وأن الذي سمّاهُ الصديق النبي صلى الله علية وسلم ـ واضح ـ ومُجمعه بنصّ القرآن على أن الصديقية مرتبةٌ بعد النبوة وأنها مُجمعه على أن أعظم ماسألهُ العبادُ ربهم هو صراط الذين أنعم الله عليهم ، والذين أنعم الله عليهم قال الله عنهم{مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ}والنبوة انقطعت بموت مُحمد صلى الله علية وسلم ووفاتهِ فلما توفي علية الصلاةُ والسلام لم يبقى لنا في النبوة شيء لأنهُ خاتمُ الأنبياء فجبراً بهداية القرآن ننتقلُ إلى الصديقيّة وبدلالة السُنة والقرآن إشارة{وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}لكنها غير صريحة في أبي بكر لكن تسمية الصديق صريحة بدلالة القرآن أن الصديق هو الصديق الأول تسمية النبي صلى الله علية وسلم له فتنصرف الصديقية لهُ دون غيرهِ وإن كانت موجودة في غيرة لكنها تنصرفُ إليهِ في أول الأمر لأنهُ مُعين فكانت خلافةُ أبي بكر مما تُرشدُ إليهِ هذهِ الآية . والمعنى بالقلب يعني من اتبع خلافة أبي بكر وأقرّ بولايتهِ فقد هُدي إلى الصراط المُستقيم لأن الله لمّا عرّف الصراط المُستقيم قال{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}أي طريق الذين أنعمت عليهم ـ واضح ـ والصديقُ بُويع لهُ في سقيفةً بني ساعده و بنو ساعده رهطٌ من الأنصار والسقيفة موضعُها اليوم في الشمال الغربي وإلى الغربِ أقرب من مسجد رسول الله صلى الله علية وسلم لمن زار منكم المدينة هي الآن مجموعةُ نخل ما بين مكتبة الملك عبد العزيز وبين البناية التي تُعرف بوقف الملك عبد الله لوالديهِ بينهما إلى جهة الغرب هذهِ مكان محجوز فيهِ نخل الآن زرع يُسمى قديماً سقيفةً بني ساعده هذهِ السقيفة شهدت أول بيعةً شرعيةً في الإسلام بعد نبيها صلى الله علية وسلم فتوارُث البيعة سُنةٌ شرعيةٌ دأب عليها المُهاجرون والأنصار من قبل رضوان الله تعالى عليهم .


نعود للآية{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(5)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(6)}.
{غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}ـ افهمها عموماً ـ الكُفرُ فرقتان :
إما فرق غلب عليها الاستهانة بالدين ونبذهُ عن عمد .
وإما فرق غلب عليها الهوى والجهل والضلالة وعدمُ الإصغاء لتعاليم الله .
فلا يُمكنُ أن يخرُج فرقةٌ من فرق الكُفر قديماً أو حديثاً عن هذين الطريقين إما رجُل مُعرض مُستهين يُبدل من عندهِ عمداً وإما شخصٌ ضال يركبُ هواه ولا يلتفتُ جهلاً لما يُقال له وأخصُ تلك الفرق الأولى اليهود وأخصُ ما في اليهود يجتمعُ في اليهود الغضب والضلالة غضبُ الله عليهم وضلالتهُ ويجتمعُ في النصارى غضبُ الله عليهم وضلالتهم لكن الغضب في اليهود أخص والضلالةُ في النصارى أخص وكلاهما على باطل لكن الله أراد هُنا ليس اليهود ولا النصارى تحديداً أو حصرا وإنما قصد أن يُبين لنا فرق الكُفر أن أصلها ينقسمُ إلى قسمين ثُم بين لنا في نواحيٍ عدة في آياتٍ عدة أن أعظم من غضب عليهم اليهود وأعظم من ضلوا النصارى{وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} ـ واضح ـ
النصارى بإصرارها على أن عيسى ابنُ الله واليهود بقتلهُم الأنبياء{فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}يفعلون ذالك عمداً جهاراً هذان جنسا فرق الكُفر،فغير المغضوب عليهم ولا الضالين يحميك حماية تامة عن أي فرقةٍ من فرق الكُفر لأنها تنحصرُ في هاتين الفرقتين .

{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(5)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(6)}
والآيةُ من حيث الإجمال:تُبين أن هؤلاء العباد المُتقين استعطفوا ربهم أثنوا عليه بالغوا في تمجيدهِ وذكروا عبادتهم لهُ وضعفهم وعجزهم واستعانتهم بهِ ثُمّ طلبوه أن يهدهم بلطفهِ وإرشادهم إلى ما ينفعهم وأعظم المطالب الهداية ولها أنواع حرّرها العُلماء لكننا من الصعب أن نُفصل هُنا لماذا ! لأن التفصيل هنا يُخرجنا عن المقصود الأسمى من الآية والدُعاء بالكُليات والنظر إلى الشموليات من أعظم ما كان النبي صلى الله علية وسلم مُتلبسً بهِ{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }وإنما التفصيل في الأحكام .
أما في نوعية الإعانة في تحقيق المطلوب أو دفع المرهوب الأفضل أن يكون الأمرُ أمرً عاماً لأننا نعجز عن حصر الجُزئيات بعضهُم يقول هداية إلهام ، هداية كذا ، هداية كذا هذا حسن لكن الأفضل أن نقتصر على تعبير القرآن{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}فكل خيرٍ أعطاهُ الله لأهل من أنعم عليهم ، هذا فيه دلالة كذالك على أن الإنسان مطلوبٌ منه أن يتأسى بالصالحين لأن أنعمت جاء في صيغة الماضي فيدخُل فيها الأنبياء والرُسل في المقام الأول والأنبياء والرُسل كانوا قبلنا وما ذكر الله نعمهُ على بعض خلقهِ إلا لنتأسى بهم ونعلم أن الذي أعطاهم قادرٌ على أن يُعطينا،وما ذكر الله انتقامهُ من بعض خلقهِ إلا لأن نحذر أن نصنع صنيعهم حتى نعلم أن الذي انتقم منهم قادرٌ على أن ينتقم منّا هذا الأصل في فهم الدين .


تفسير سورة الفاتحة للشيخ صالح المغامسي


{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}وجاءت السُنة أن تُقال آمين بعدها خاصةً في الصلاة وآمين اسم فعل بمعنى استجب ، تقبل ، حقق ، كُلها تدور في فلك واحد،وقولُ آمين بعد قراءة الإمام للفاتحة مما تضافر النقلُ عليه وهو من أعظم شعارات أهل الإسلام على وجه الحقيقة ومعناها قُلنا استجب ، والعربُ تنقلُ عن مجنون ليلى أنه قال :
فيا ربِ لا تسلبني حُبها أبدا ** ويرحم الله عبدً قال آمينـــا
قال بعضهم :
آمـين آميـن لا أرضى بواحدةٍ ** حتى أُبلغها ألفينِ آمينـــا
الذي يعنينا من هذا أن ذكر آمين جاءت فيهِ آثارٌ صحاح تتضافر على أن قولها سُنة بعد قراءة الإمام .


هذا يُعرّجنا على مسألةٍ فقهية وهي قراءةُ سورة الفاتحة أثناء الصلاة والعُلماء في هذا رحمة الله تعالى عليهم اختلفوا اختلافاً كثيراً:
فمنهم من اتفقوا على أنه يقرأها الإنسان إذا كان مُنفرداً أو كان إماماً لكنهم اختلفوا في إذا كان الإنسان مأموماً هل الذي كان فيهِ النزاع فذهب بعضهُم إلى أنهُ لا يقرأ وحُجتهم أن قراءة الإمام قراءةٌ لمأمومةِ وهذا القول يُنسبُ إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى أولُ المذاهب الإسلامية ظهورا .
وبعضهم قال إنها تُقرأ للمأموم والإمام سواءً بسواء سواءً كانت الصلاةُ سريةً أو جهرية وأنها لا تسقُط بحال وحُجتهم " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "
وذهب مالكٌ رحمه الله أنها تُقرأ في الصلاة السرية في الركعتين الأُخريين من الصلاة الجهرية أما إذا قرأ الإمام في الصلاة الجهرية الأولين كالعشاء والفجر والمغرب فإن المأموم لا يقرأُها وأختار هذا القولُ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهُ الله .
وكان الشيخ بن باز رحمه الله يرى أنها تُقرأ على الدوام سواءً في السرية أو في الجهرية سواءً كان المرءُ إماماً وهذا لا خلاف فيهِ أو كان مأموماً وهو الذي تنازع الناسُ فيهِ هذا الذي يُمكن عرضهُ في المسألة والقولُ بقراءتها يُخرجُ المرء من كُل نزاع وتعبُد الله جل وعلا بها كما قدمنا في الأول عبادهُ وأن يقرؤها يدلُ على عظيم شأنها وعلّو منزلتها وهذا قد تحرر من نصوصٍ صريحة موضحة لهذهِ السورة العظيمة التي افتتح الله جل وعلا بها عبادهُ .


بقي أن نختم قولاً إيمانياً حول قول الله جل وعلا : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
المؤمنُ يكونُ قريباً من الله إذا أقبل إلى الله بقلبهِ ولن تُقبل إلى الله بقلبك حتى يتحقق فيك الثلاث الآيات الأُول من هذهِ السورة المُباركة لابُد أن يشعُر الإنسان أنهُ أصلاً لم يكُن شيئاً مذكورا ، أن هناك رب عظيم جليل قادر أوجدهُ من العدم وربّاه بالنعم وجعلهُ أهلاً لأن يُنعم عليهِ فما نحنُ إلا ربائب لنعم ربنا تبارك وتعالى نتقلبُ فيها ليل نهار وكوننا نعلم أننا للرب تبارك وتعالى هو الذي أنعم علينا يُجب علينا أن نُحبهُ وما عند الله جل وعلا لا يُنال بأعظم من شيء من أن تُحب الرب تبارك وتعالى لأن حُب الله يُوجب محبته والنبي صلى الله علية وسلم يقول " واللهِ ـ يحلف ـ لا يُلقي الله حبيبهُ في النار"فحصول المرء على أن يُحبهُ الله جلا وعلا هذا مطلب سامي جليل عظيم مقصد كريم وكون الإنسان أصلاً ينشغل ذاتياً ذهنياً حتى وهو مع الناس في أن ينشغل أنهُ يتمنى أن يحصُل على محبة الله هذا من أسباب نيلها لأن الله جل وعلا إذا علم من عبدٍه صدق النية في أنهُ يرغب يتمنى أن يُحبهُ الله اضطجع إلى فراشهِ إذا تخلى عن زُملائهِ إذا انفرد بنفسهِ إذا غدا للمسجد إذا خلا في مسجدهِ إذا تلبس بأي حال وشعر أنهُ في حاجة تامة لأن يُحبهُ الله وأظهر للهِ في قلبهِ أنهُ يُحب الرب تبارك وتعالى يُجلّهُ وأنهُ حتى ولو عصى الله أحياناً لا يعصيهِ فرحاً لا يعصيهِ افتخاراً إنما يعصيهِ لأن الشيطان غلبه والهوى تلبس بهِ و إلا هو يُبغضُ نفسهُ حال المعصية ويزدريها و إنما الأمر كُلهُ في أنهُ يُحبُ ربُهُ ويقول في نفسهِ:" اللهم إنني أُحبك وإن عصيتُك ، أُحبُك وإن لم أقدر على أن أقوم بواجبك حق قيام ، أُحبُك ولو كُنتُ أحياناً أنأى عن طاعتك ، أُحبُك ولو كُنتُ أحياناً أتلبسُ بمعصيتك "فإذا أظهر العبدُ ذالك لربهِ قلباً وظهر ذالك على جوارحهِ ينالُ محبة الله فإذا جمع مع ذالك خوفهُ من الله فرقهُ من الله تبارك وتعالى أدب الله نبيه{قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }{قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً }في نفس الوقت مع خوفهِ من الله يعلم أنهُ لا يُمكن لهُ أن ينبُت لهُ ريش أو أن يحصُل لهُ نعمة أو أن تُدفع عنهُ نقمة إلا بربهِ تبارك وتعالى فيرجوا الله تبارك وتعالى وهو مع رجائهِ يعلم أن هذا الرب الذي يرجوه رحيم لا تنفُذ خزائنهُ لا ينقضي شيءٌ مما عندهُ وأنه لا يتعاظم تبارك وتعالى شيئاً أعطاه قال الله على لسان سُليمان{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }قال العليُ الكبيرُ بعدها{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ }قال الله عن عيسى وقد أثنى عليهِ أعظم ثناء ثم لخّص ذالك كُلهُ في آيةٍ موجزة قال جل وعلا{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ }فلولا إنعامُ الله عليه لم يكُن عيسى شيئاً مذكورا،عيسى تُعظمهُ النصارى اليهود يتوارون عن القول بقتلهِ والمسلمون يقولون عبدُ الله ورسوله وهذه مناقب ما صح منها وما بطُل لم تكُن لهُ لو لم يُنعم الله جل وعلا عليه{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}.


وموسى من موسى ألقتهُ أُمهُ وهي أُمهُ خوفاً عليهِ في لُجج اليم لكن لما أراد اللهُ بهِ رحمة لما رحمهُ ربهُ أصبح هذا الذي تتقاذفهُ الأمواج أصبح عبدً صالحاً حتى وهو ميت في قبره يُصلي يقول علية الصلاةُ والسلام " مررتُ بهِ لليلة أُعرج بي عند الكثيب الأحمر قائماً يُصلي " وهذا كله من فضل الله جل وعلا عليهِ ولهذا قال الله لهُ{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى}وقال لهُ{أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي }وقال الله مُمتناً على إبراهيم {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً }البقرة124)
هذهِ كُلها عطايا يعرف منها المرء أن هُناك رباً عظيماً جليلاً قادرً على أن يرحمه وثق أيُها المُبارك أن الله إذا أراد أن يرحمك لن يستطيع أحدٌ أن يٌمسك رحمة الله جل وعلا عنك أبدا فعلّق قلبك بالله واقرأ هذهِ السورة المُباركة مراراً وتكراراً في صلاتك وفي غير صلاتك وأنت تستحضر معانيها العظام وأنها تُقربُك من الرب جل وعلا وأنها تبني لك الأُسُس التي تصلُ بها إلى ما عند الله وإلى مطالبك الدنيوية المُباحة كُلها تتحقق بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }.
لا ينبغي لعاقلٍ يعرف عظمة الله وجلالهُ وسُلطانه وسعة رحمتهِ أن يُعلّق قلبهُ مثقال ذرة بأحدٍ غير الله إنهم لم ينفعوك ولن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبهُ الله جل وعلا لك أو كتبهُ الله جل وعلا عليك ثُم وأنت في طريقك إلى الله أظهر لله عجزك وضعفك وأنهُ لولا لُطف الله بك وأنهُ هو الذي أوقفك بين يديه قال الله عن عباده الصالحين{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ الله }الأعراف43) فالله جل وعلا هو الذي أكرمنا وأعطانا ونحنُ مثلاً في حلقة علم حلقة قرآن سواءً نحنُ الذي نتحدث أو أنتم الذين تستمعون أو غيركُم ممن يُشاهد هذهِ رحمة من الله جل وعلا .
الله جل وعلا أكرمنا بأن نُفسر كتابهِ أو أن نسمع تفسير كلامهِ أو أن نُشاهد تفسير قرآنهِ كما أضل غيرنا بأنهم سلكوا مسالك أُخرى.
قد كُنتُ أعذرُ في السفاهة أهلها ** فأعجب لما تأتي بهِ الأيامُ
فاليوم أعذُرهم وأعلم أنما ** سُبُل الضلالة والهُدى أقسامُ
ومتى ظن عبدٌ ما أنهُ ما هو فيه من نعمة أو انصراف إلى الطاعة إنما كان بحولهِ وسُلطانهِ وقوتهِ ألبسهُ الله لباس الخزي وأظهر الله جل وعلا لهُ ضعفهُ وأزال الله جل وعلا عنهُ كرمه نعوذ بالله من سوء المُنقلب . وكلما أظهر البعدُ لربهِ أنهُ يعلم أنهُ ما خطت أقدامهُ إلى مسجد ولا عُقدت أناملهُ بتسبيح ولا لهج لسانهُ بذكر ولا أنعقد في قبلهِ محبةُ الله إلا وهي أصلاً من فضل الله تبارك وتعالى عليه وأن الله جل وعلا اختارهُ واصطفاه وعلّمهُ واجتباه وهداه هذا من أعظم أسباب الزيادة وبهِ وبأمثالهِ يُنال ما عند الرب تبارك وتعالى و إلا فربُنا مستوٍ على عرشهِ بائنٌ عن خلقهِ لا تنفعهُ طاعة طائع ولا تضرهُ معصية عاصي في الحديث الصحيح " يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكُم ما زاد ذالك في مُلكي شيئاًَ يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكُم ما نقص ذالك من مُلكي شيئاً يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كُل ذي سؤلٍ مسألته ما نقص ذالك من مُلكي شيئاً " فإذا كان أهلُ الأرضِ والسماوات كٌُلهم لو سألوا الله وأعطاهم كُلهم على كل على قدر سؤلهِ ما نقص ذالك من مُلكهِ جل وعلا شيء فكيف ينقُصُ من طلب عبدٍ واحد لكن أعظم ما يُطلب من الله أن يُطلب منه رضـــاه ونيلُ محبتهِ جاء عن داود أنه كان يقول "اللهم إني أسألُك حُبك وحُب من يُحبك وحبُ كل عملٍ يُقربُ إلى حُبك "من جوامع الدُعاء" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار " ودُعاء الصالحين في آل عمران{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ }{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ }هذا تغليبُ لرجاء {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } هذا إظهارٌ للخوف لأنهُ لا يأمنُ مكرُ الله إلا القوم الخاسرون ولو تُركنا لأعمالنا وذنوبنا لهلكنا لكن الظن كُل الظن حسن برب العزة والجلال أن يستُر العورات ويغفر الخطيئات وأن يرفع الدرجات ويقبل الحسنات إن ربي لسميعُ الدُعاء . هذا التعليق الذي منّ الله بهِ علينا في التعليق على سورة الفاتحة،نسأل الله لنا ولكم حُسن المُنقلب وأن يفتح لنا جل وعلا بكُل خيرٍ في أمر ديننا ودُنيانا،هذا ما تيسر إيرادهُ وتهيأ إعدادهُ وصلى الله على مُحمدٍ وعلى آلهِ والحمدُ لله رب العالمين.


[/SIZE]
تفسير سورة الفاتحة للشيخ صالح المغامسي

التوقيع

توقيع
رد مع اقتباس


عضو الماسي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 37,809
معدل تقييم المستوى: 48
محمد حمدى ناصف is on a distinguished road
افتراضي رد: تفسير سورة الفاتحة للشيخ صالح المغامسي
2#
14 - 08 - 2018, 06:11 AM
جزاكم الله خيرا

ودى واحترامى

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
بعدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته
محمد حمدى ناصف غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس


إضافة رد

أدوات الموضوع


جديد مواضيع القسم الاسلامي

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير سورة البقرة للشيخ صالح المغامسي وميض الأمل القسم الاسلامي 1 18 - 12 - 2017 06:13 AM
تفسير القران الكريم للشيخ صالح المغامسي **ماريا** القسم الاسلامي 0 27 - 05 - 2013 02:58 AM


07:20 AM