• 6:37 مساءاً




تفسير سورة النساء للشيخ ابن عثيمين

إضافة رد
أدوات الموضوع
عضو فـعّـال
تاريخ التسجيل: May 2013
المشاركات: 1,679
معدل تقييم المستوى: 15
**ماريا** is on a distinguished road
17 - 06 - 2013, 12:50 PM
  #1
**ماريا** غير متواجد حالياً  
افتراضي تفسير سورة النساء للشيخ ابن عثيمين
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *}} [النساء: 1] .
هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور: ما نزل بعد الهجرة، والمكي: ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني على الزمان لا على المكان، وقد ذكر العلماء ـ رحمهم الله ـ ضوابط ومميزات للمكي والمدني، وهي معروفة في علم أصول التفسير.
ومن ذلك: أن الغالب في الآيات المكية القصر، وقوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به. وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة، وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الاستئذان، وغير ذلك.
والغالب أن النداء في المكي يكون لعموم الناس: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} }؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدني يكون الخطاب فيه بـ{{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}} [البقرة: 104] هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.
وقد سميت هذه السورة بـ(سورة النساء) لذكر النساء فيها، وقد ابتدئت بأصل خلقة بني آدم، من ماذا خلقوا؟ ثم ذكرت الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير ذلك، ثم ذكرت ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس، كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال تعالى: { {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا *}} [الفرقان: 54] ، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، ثم ما يتعلق بأحوال النزاع بين الزوجين، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى.
وهذه السورة هي السورة الرابعة بعد الفاتحة والبقرة، وآل عمران، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران»[(1)]، وهذا الترتيب كان في أول الأمر، ثم رتبت في الأخير هكذا: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
يقول الله عزّ وجل: «بسم الله» ، البسملة آية مستقلة، يؤتى بها في أوائل السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: { {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *}} [الحجر: 9] ، ولكن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال؟ فوضعوا فاصلاً بينهما لأجل هذا الإشكال فقط، وليس هناك شك في نزول البسملة أولاً؛ لأن البسملة لو نزلت لحفظت كما تحفظ آيات القرآن الأخرى.
والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها؛ لا في الفاتحة، ولا في غيرها، خلافاً لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فقد جعلت البسملة في الطباعة آية من الفاتحة دون غيرها.
والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} قال الله: حمدني عبدي...»[(2)] إلخ الحديث، ولم يذكر البسملة.
ويدل لذلك أيضاً: أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين، فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: { {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *}} [الفاتحة] آية { {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}} [الفاتحة] آية { {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *}} [الفاتحة] آية، فهذه ثلاث آيات.. { {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *}} [الفاتحة] آية، وهذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد، { {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *}} [الفاتحة] آية { {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} { {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}} [الفاتحة] آية، فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق الخالق عزّ وجل ثلاث آيات مستقلة، وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة، وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما، وبهذا يعرف أن البسملة ليست من الفاتحة.
وأما الجار والمجرور فإنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمى عليه، فإذا كنت تريد أن تقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تذبح فالتقدير: باسم الله أذبح، وإذا كنت تريد أن تتوضأ فالتقدير: باسم الله أتوضأ، وهلم جرا.
وإنما اختير أن يكون الفعل متأخراً تيمناً بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله، وإنما اختير أن يكون فعلاً لا اسماً ـ أي: لا يقدر باسم الله قراءتي، أو باسم الله ابتدائي ـ ؛ لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا يوجد اسم عامل إلا بشروط، بخلاف الأفعال. وإنما قدر مناسباً لما يسمى عليه؛ لأنه أنسب، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ومن لم يذبح فليذبح باسم الله»[(3)]، فقدر فعلاً خاصاً وهو الذبح.
أما لفظ الجلالة فهو علم خاص بالله عزّ وجل وحده، لا يسمى به غيره بالإجماع، وكذلك { {الرَّحْمَنِ}} علم خاص بالله، لا يسمى به غيره.
وأما الرحيم فهو اسم من أسماء الله عزّ وجل، فهو علم عليه، لكن يوصف به غيره، كما قال الله تعالى في النبي صلّى الله عليه وسلّم: { {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *}} [التوبة: 128] .
ويفسر أهل السنة { {الرَّحْمَنِ}} بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله عزّ وجل، ومن آثارها: الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقولون: الرحمن: المحسن، أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، والمريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في الرحيم.
فإن قال قائل: هل الرحمن والرحيم مترادفان؟
فالجواب: إن ذكر أحدهما منفرداً عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذكرا جميعاً؛ فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ لأن الرحمن على وزن فَعْلان، وهو يدل على الوصف؛ كغضبان وسكران ونشوان وما أشبهها، والرحيم يدل على الفعل، فيكون الرحمن باعتبار وصف الله عزّ وجل بالرحمة، والرحيم باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم، قال الله تعالى: { {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ}} [العنكبوت: 21] .
قال الله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}} هذه جملة ندائية مصدَّرة بيا، والمنادى: أي، وهو مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، والناس: نعت لـ«أي»، أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب.
{ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} } وجّه الله الخطاب للناس، مع أن السورة مدنية؛ وذلك لبيان أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم عامة لجميع الناس، و{ {النَّاسُ} } قيل: إن أصلها أناس، وقد حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال تخفيفاً، كما حذفت الهمزة من «شر» و«خير»، وأصلها: أشر وأخير، تقول: هذا خير من هذا؛ أي: أخير منه، وهذا شر من هذا؛ أي: أشر منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
وهو مشتق من الأُنس؛ لأن البشر كما يقال عنهم: مدنيون بالطبع، يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا يوجد أحد تحبب إليه الخلوة إلا لسبب خارج عما جبل الله عليه الناس.
{ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} } التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والرب في قوله: { {رَبَّكُمُ} } هو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة: خالق؛ أي: موجد من العدم، ومالك؛ أي: لا يشركه أحد في ملكه، ومدبر؛ أي: للأمور على ما تقتضيه حكمته.
{ {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} } الذي: صفة للرب، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولناكاشفة)؛ أي: موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها، واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة، لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفة كاشفة.
وقوله: { {خَلَقَكُمْ} } أي: أوجدكم { {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } هذه النفس هل يراد بها نفس بعينها، أو المراد بالنفس الجنس؟
الظاهر الأول، وهو أن المراد بالنفس نفس بعينها، وهو آدم عليه الصلاة والسلام الذي هو أبو البشر، فقد خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خلق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة، فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله تعالى: { {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}} [البقرة: 31] أي: مما يحتاج إليه.
وقوله: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } أي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خلقت من ضلَعه الأيمن ـ والله أعلم ـ لكن ثبت في السنة أن المرأة خلقت من ضلَع.
وقوله: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} } ولم يقل: زوجته؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفرداً، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. والمراد بها هنا حواء.
وقوله: { {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } بث بمعنى: نشر وأخرج { {مِنْهُمَا} } أي: من النفس وزوجها { {رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } وهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى: إما ذكر وإما أنثى، أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة.
وقوله تعالى: { {رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} } ولم يقل: نساءً كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عز، بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام رحمه الله من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنكن أكثر أهل النار»[(4)]، «وإن أهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون» فإذا كن أكثر أهل النار، وأهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون؛ لزم من هذا أن يكن أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عز وفخر يفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء.
ثم قال تعالى: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} }، كرر الأمر بتقواه عزّ وجل لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وفق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية.
وقوله: { {تَسَاءَلُونَ} } فيها قراءتان: الأولى «تَسَاءلون» كما في المصحف، والثانية: «تسَّاءلون»، وأصل «تسَّاءلون» تتساءلون، وقوله: { {تَسَاءَلُونَ بِهِ} } أي: يسأل بعضكم بعضاً به للحماية، فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، وغير ذلك مما يسأل، فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس.
وقوله: { {وَالأَرْحَامَ} } فيها قراءتان: بالجر، وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: «الله»، فيكون المعنى: واتقوا الأرحام فلا تضيعوها، ولا تفرطوا في حقها، والأرحام: جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمر بصلة الأرحام والقيام بحقهم، وأما على قراءة الجر: «والأرحامِ» فهي معطوفة على الضمير في قوله: { {بِهِ} } أي: تساءلون به وبالأرحام، والتساؤل بالأرحام مما جرت العادة به عند العرب أن يقال: أسألك بالله وبالرحم، أو يقال: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، فهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديراً بالغاً ويحترمونها، ويرون حمايتها؛ ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: { {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} }.
فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة؟
فالجواب : لا، والقراءتان في الحقيقة تصيِّر الكلمة كلمتين، فإما أن تكون كل قراءة تبياناً للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد، وهنا القراءتان كل واحدة جاءت بمعنى جديد، فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والقراءة الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم.
وهنا إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأت بالضمير المنفصل، أو أعد حرف الجر، فقل: تساءلون به وبالأرحام.
فهل نقول: إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟
الجواب : لا، بل إن القرآن حاكم وليس محكوماً عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشذوذ منكم، فليس في القرآن ما هو شاذ أبداً، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإذا كان يقل استعمال هذا عند العرب، فإنه بنزول القرآن به يكون كثيراً، يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين؛ ولهذا أنكر الرازي ومحمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء على النحويين إنكاراً بالغاً في هذا، وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن ما هو شاذ؟ فإن القرآن يَحْكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية؛ فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب.
وقد ذكر ابن مالك رحمه الله أنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر، فقال:
وليس عندي لازماً إذ قد أتى
في النظم والنثر الصحيح مثبتا
وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة: إنه ليس في القرآن شيء شاذ، بل كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: إن القرآن شاذ.
قال تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} }، لما أمر بتقواه عزّ وجل مرتين في الآية قال: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} } أي: يراقبكم في جميع أحوالكم.. هل اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟
وختمُ الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني: أنك تهدده بأن لا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ وجوب تقوى الله تعالى على جميع الناس، تؤخذ من قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ}}، حيث وجه الخطاب لجميع الناس.
2 ـ بيان أن الناس أُوجدوا من العدم، تؤخذ من قوله تعالى: { {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} }.
3 ـ الرد على الفكرة الملحدة أن الناس تطوروا من القرود إلى البشرية، فنحن لا نعرف النفس إلا آدم الذين نحن من نسله، ولكن من ادعى أن أصل بني آدم قرد، قلنا له: إقرارك على نفسك مقبول، وعلى غيرك غير مقبول.
4 ـ التذكير بنعمة الله عزّ وجل بما خلق لنا من الأزواج، لقوله تعالى: { {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} }، و(من) هنا للتبعيض، ويجوز أن تكون بيانية للجنس؛ أي: من جنسها، وهذا من النعم الكبيرة، فلو كانت أزواجنا من غير جنسنا فلا يمكن أن نركن إليها أبداً؛ لأنه لا يركن الإنسان إلا إلى من كان من جنسه، فلو كانت من جنس غير آدمي، فلن يركن إليها الإنسان أبداً، بل ينفر منها نفوراً شديداً.
5 ـ أن أصل هذه البشرية ـ التي لا يحصيها إلا الله ـ واحد، وإن شئت فقل: أصلها اثنان، زوج وزوج، خلق منهما هؤلاء الرجال الكثير والنساء، بشر لا يحصيهم إلا الله عزّ وجل؛ لقوله: { {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} }.
6 ـ أن كثرة الرجال أهم من كثرة النساء؛ لقوله: { {رِجَالاً كَثِيرًا} }، فإن التنصيص على كثرة الرجال يدل على أهمية هذه الكثرة.
7 ـ أهمية التقوى، ولهذا كرر الله الأمر بها مرتين.
8 ـ الإشارة إلى أن التقوى واجبة بمقتضى الربوبية وبمقتضى الألوهية.
9 ـ أن التساؤل بالله أمر واقع معروف عند العرب؛ لقوله: { {تَسَاءَلُونَ بِهِ} }، ولكن هل يجوز للإنسان أن يسأل غيره بالله؟
نقول: إن كان المقصود بذلك التذكير فلا حرج، وإن كان المقصود بذلك الإلزام ففيه نظر، فإذا قال: أسألك بالله؛ أي: أذكرك به حتى تراعي عظمة الله وحقه، فهذا لا بأس به، أما إذا كان القصد الإلزام، فهذا إحراج، ومن ذلك ما يقع أحياناً من بعض الذين يقدمون أسئلتهم في المحاضرات فيقول بعضهم: أسألك بالله إلا رددت علي، أو يقول لمقدم السؤال: أسألك بالله إلا قدمته، فهذا فيه إحراج؛ لأنه قد يرى المجيب أو المقدم أن من المصلحة أن لا يقدم هذا السؤال، أو أن لا يجاب عليه.
وإذا سأل بالله فهل تجب إجابته؟
نقول: إن سأل بالله شيئاً محرماً فلا كرامة له، ولا تجوز إجابته، كما لو قال: أسألك بالله أن تدخل بستان فلان وتأتي لنا منه ببرتقال وتفاح، فهذا لا يجوز، ولا كرامة، وإذا سأل بالله شيئاً يضر كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني نصف مالك، فهذا لا تجب إجابته؛ لأن فيه ضرراً، وإذا قال: أسألك بالله أن تعطيني حقي الواجب عليك، فهنا تجب إجابته من وجهين: الأول: أنه حق واجب، والثاني: أنه سأل بالله.
وقد قال بعض أهل العلم: إن معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سألكم بالله» أي: من سألكم حقاً أوجبه الله على المسئول، فكأن معنى قوله: «من سألكم بالله» أي: من سألكم بشرع الله، أو: من سألكم سؤالاً يقتضي الشرع إجابته، فأجيبوه، وليس المعنى: من قال: «أسألك بالله»؛ لأن من قال: أسألك بالله، فقد يراد بها معنى لا يصح إطلاقاً، كأن يريد بذلك أن يجعل الله شفيعاً إلى هذا المسئول، فإن هذا حرام؛ لأنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه، فإن مقام الله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الخلق.
10 ـ وجوب احترام الأرحام؛ لقوله تعالى: { {وَالأَرْحَامَ} } على قراءة النصب، وكذلك الإشارة إلى احترام الأرحام على قراءة الجر، والمعنى: كما أنكم تحترمونها وتسألون بها، فعظموها وآتوها حقها.
11 ـ التحذير من مخالفة الله عزّ وجل، وتؤخذ من قوله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} }، ومن آمن بأن الله رقيب عليه فسوف يحذر من مخالفة الله عزّ وجل.
ويؤخذ من هذه الآية: إثبات اسم الرقيب لله عزّ وجل.
ولا يراد بهذه الآية معناها الزمني؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني؛ لكانت الرقابة قد مضت، ولكنه يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبراً في هذه الجملة، فالمراد هنا تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: {{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}} [النساء: 96] ، ليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة.
* * *
قال الله تعالى: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا *}} [النساء: 2] .
{ {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } { {وَآتُوا} }، بمعنى: أعطوا، وأتوا بمعنى: جاءوا، وقوله: { {الْيَتَامَى} } مفعول أول، و{ {الْيَتَامَى} } مفعول ثانٍ، وهذا الفعل «آتوا» ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
و{ {الْيَتَامَى} } جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليتم، وهو الانفراد، والمراد به اصطلاحاً: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ، سواء كان ذكراً أو أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يتمه بحسب الاصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: «لا يتم بعد احتلام» [(5)] أي: بعد البلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه.
وقوله: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أي: أموالهم التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء، أو لم تكن عندكم، ولكن أخذتموها بغير حق، وقوله: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أي: فلا تخونوا منها شيئاً، ولا تكتموا منها شيئاً، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت، ولا يلزم من قوله تعالى: { {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} } أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يعطى ماله إلا إذا اختبر، كما قال الله تعالى: {{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}} [النساء: 6] .
وهناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد، لقوله تعالى: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }، وإما إيتاء المال، فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملاً عند وجوب الدفع.
وقوله : { {ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} } أي: لا تأخذوا الخبيث بدلاً عن الطيب.
والمعنى : أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله الطيب، وقيل: معناها: لا تأخذوا أموالهم وتستغنوا بها عن الطيب؛ لأن أخذ أموالهم حرام، والحرام خبيث. ففيها وجهان:
الوجه الأول : أن لا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث، ومثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم الطيب ويعطيه الرديء، فإن هذا حرام، أو يكون عنده بر طيب نقي، فيأخذه ويعطيه براً رديئاً مخلوطاً.. وما أشبه ذلك.
فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث.
الوجه الثاني : لا تأخذوا من أموالهم شيئاً؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال.
وكلا الأمرين محرم، سواء أخذ ماله بدون أن يعطيه عنه شيئاً، أو أخذ ماله الطيب وأعطاه عنه مالاً رديئاً.
وقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } قال العلماء: إن { {إِلَى} } بمعنى «مع»؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقيل: بل إن { {إِلَى} } على بابها، ولكن قوله: { لاَ تَأْكُلُوا } ضمنت معنى «تضموا»؛ أي: لا تضموا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا المعنى أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان «إلى» بمعنى «مع» قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، وهذا من قواعد التفسير: «أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل»؛ لأنها إذا كانت هي الكثيرة في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن، وهي حقيقة القرآن.
والفائدة من تخصيص ذكر الأكل فقط؛ لأنه أكثر ما يكون، وأعم ما يكون من الانتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعاً مباشراً، فإن اللباس ينتفع به لكن من الخارج، ولهذا فإن الآيات كلها تعبر في الغالب بالأكل.. { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا}} [النساء: 10] .. { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}} [آل عمران: 130] ، وما أشبه ذلك.
وقوله: { {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} }، الضمير في قوله: { {إِنَّهُ} } يعود على الفعل المفهوم مما سبق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، وأكل الأموال إلى أموالنا، وقوله: { {إِنَّهُ} } أي: هذا الفعل.
وقوله: { {كَانَ} } أي: كان عند الله { {حُوبًا} } أي: إثماً أو ذنباً، { {كَبِيرًا} } الكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير.
وقد قال بعض العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}} [البقرة: 220] .
وهذا خطأ عظيم؛ لأن قوله: { {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} } ليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارضاً، فالله تعالى يقول: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } أي: لا تخلطوها لأجل أن تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة، فإن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء ـ عفا الله عنا وعنهم ـ إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: إن هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا؛ لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض، فقد يكون كل نص محمولاً على معنى، وهذه مسألة خطيرة جداً؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، وعدم جعله حكماً شرعياً، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبداً.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ بيان رحمة الله عزّ وجل، حيث أوصى بهؤلاء اليتامى؛ لأن اليتيم محل الرحمة، فهو مكسور الخاطر، ليس له أب، وربما لا تكون له أم أيضاً، فلهذا أوصى الله بالعناية به وبماله.
2 ـ وجوب حفظ أموال اليتامى؛ لأنه يلزم من إيتائهم أموالهم الحفظ، إذ لو فرّط الولي وأهمل وضاعت الأموال؛ لم يكن قد آتاهم أموالهم.
3 ـ أن اليتيم يملك، وملكه تام، لقوله تعالى: { {أَمْوَالَهُمْ} }، ويتفرع على هذه الفائدة: أن الزكاة واجبة عليه؛ لأن الزكاة تبع للملك، قال الله تعالى: { {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}} [التوبة: 103] ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم»[(6)]، فإذا ثبتت الملكية ثبت وجوب الزكاة.
وفي هذا رد على قول بعض أهل العلم القائلين بأنه لا تجب الزكاة في أموال اليتامى؛ لأن اليتيم صغير غير مكلف، فنقول في الجواب عن هذا: إن الزكاة ليست تكليفاً محضاً، بل هي تكليف لحق الغير، وهم الفقراء، فهي شبيهة بالدين؛ ولهذا وجبت في أموال اليتامى والمجانين وإن كانوا غير مكلفين.
4 ـ أن اليتيم تجب النفقة في ماله على من تجب عليه نفقته، وتؤخذ من إثبات المالية، والنفقة واجبة على كل غني لكل فقير، فإذا تمت شروط النفقة ولم يبق إلا البلوغ قلنا: إن البلوغ ليس بشرط؛ لأن الله أثبت المالية لليتامى، وإذا ثبتت المالية؛ ترتب عليها ما يترتب على ذوي الأموال.
5 ـ وجوب أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: { {ولاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} }.
6 ـ أن إطلاق اسم الخبيث على الرديء صحيح، على أحد الوجهين في تفسير الآية، وقد صرح الله عزّ وجل بأن الرديء يسمى خبيثاً، فقال: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}} [البقرة: 267] ، فسمى الرديء خبيثاً، وأطلق النبي صلّى الله عليه وسلّم على البصل ونحوه وصف الخبيث، فقال: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد» فقال الناس: حُرمت، حُرمت فبلغ ذاك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها»[(7)].
7 ـ تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان لقصد إتلافه، وهذا مأخوذ من قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، أما إذا ضم ماله إلى ماله لا لقصد الأكل والإتلاف، ولكن لقصد الحفظ والتجارة، فإن هذا لا بأس به، بل قد يتعين على الإنسان، فإذا ضم مال اليتيم إلى ماله لقصد الحفظ، أو لقصد التجارة، فإنه إحسان إليه، ولا يدخل في النهي؛ لأن الله تعالى قال: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، ولم يقل: لا تخلطوها، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: { {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}} [البقرة: 220] .
لكن في حال ضم المال إلى المال لقصد الحفظ أو التكسب، يجب أن يحتاط الإنسان في كتابة مال اليتيم الذي أدخله مع ماله، وتمام الاحتياط أن يُشهد على ذلك، فيقول مثلاً: أدخلت كذا وكذا من مال اليتيم ضمن مالي الذي اشتريت به الأرض، أو اشتريت به السيارات، وما أشبه ذلك مما يتكسب به.
8 ـ أن العدوان على مال الأيتام بأخذ الطيب وإعطاء الخبيث، أو أكل مالهم، من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: { {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} }.
فإن قال قائل: لماذا قال تعالى: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، ولم يقتصر على قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ} }؟
فالجواب: أنه لو قال: «ولا تأكلوا أموالهم إنه كان حوباً كبيراً» لكفى، ولكنه قال: { {أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }؛ لأن ولي اليتيم قد يتستر ويدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد، فلهذا قال: { {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} }، وعلى هذا فليس قوله: { {إِلَى أَمْوَالِكُمْ} } قيداً، بحيث نقول: لو أكل ماله من غير أن يضمه إلى ماله فهو جائز! بل نقول: إنما ذكر الله هذا لأن بعض الأولياء يتستر فيدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد.
مسألة : إذا ضَم مال اليتيم إلى ماله فخسر ماله، فهل يضمن لليتيم أم لا؟
نقول: إذا كان حين فعله يعتقد أن هذا هو الأصلح، ولكن اختلفت الأمور، فليس عليه شيء، لا إثم ولا ضمان؛ لأن الله يقول: { {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وهذه قاعدة: «أن كل إنسان له ولاية في التصرف حتى لو تبين خطؤه فلا ضمان عليه، فضلاً عن أن تأتي الأمور بغير اختياره، وبغير ما يتوقع».
* * *
قال الله تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا *}} [النساء: 3] .
الآية الأولى في أموال اليتامى، وهذه الآية في أبضاع اليتامى، قال تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} } اليتامى: جمع يتيم، والمراد به هنا: اليتامى من النساء.
وقوله: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} } قال بعضهم: الخوف هنا بمعنى العلم؛ أي: وإن علمتم أن لا تقسطوا، واستدل لذلك بقوله تعالى: { {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}} [البقرة: 182] ، فإن معنى: { {فَمَنْ خَافَ} } أي: فمن علم. ولكن الصحيح في هذه الآية { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا} } أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، فمتى خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى؛ فليفعل ما ذكر الله.
وقوله: { {أَلاَّ تُقْسِطُوا} } أي: أن لا تعدلوا في اليتامى، وهناك فرق بين أَقْسَط وقَسَط:
فقَسَط بمعنى: جار، وأَقْسَط بمعنى: عدل؛ ولهذا قال الله تعالى: { {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}} [المائدة: 42] ، وقال: { {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا *}} [الجن: 15] .
إذاً فقوله: { {أَلاَّ تُقْسِطُوا} } أي: ألا تعدلوا في اليتامى، وقد كانوا في الجاهلية إذا تولى الإنسان على ابنة عمه اليتيمة جار عليها بأن يتزوجها وهي كارهة، أو يتزوجها بدون مهر، أو بمهر قليل، أو يتزوجها وهو كاره لها، لكنه يريد أن يتحجرها، أو غير ذلك من أنواع الظلم والجور، فقال الله عزّ وجل مرشداً عباده: إن خفتم عدم العدل فالباب مفتوح، { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} }، فليست النساء معدومات إلا هؤلاء اليتيمات، بل الأمر واسع، فاعدلوا عنهن وجوباً، فإذا خاف ألا يعدل في اليتيمة وجب عليه أن يعدل عنها، لقوله تعالى: { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} }، يعني: اتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء.
و{ {مَا} } فسرها بعضهم بمن؛ أي: فانكحوا من طاب، وقالوا: لأن المرأة من ذوات العقل، والعاقل يستخدم له «مَن»، وغير العاقل يستخدم له «ما»، فقالوا: إن «ما» بمعنى «من»، ولكن هذا القول ضعيف، بل نقول: إذا كان الأمر يراد به الوصف، فالوصف ليس من العقلاء، فيؤتى بما، وهنا المرأة تطيب للرجل لوصفها؛ لأن اختيار المرأة لما قام بها من الأوصاف التي توجب اختيارها، ولهذا عبر بما، فالصحيح أن «ما» هنا في موضعها، وليست بمعنى مَنْ.
وقوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ} } أي: ما حسن، ورأيتموه طيباً، وطابت به نفوسكم، ولا تكرهوا أنفسكم على نكاح من لا تريدون ومن لا تطيب لكم؛ لأن إكراه الإنسان نفسه على من لا تطيب له كإكراه الرجل نفسه على طعام لا يشتهيه، وإذا أكره الإنسان نفسه على طعام لا يشتهيه؛ فإنه لا يستسيغه أبداً.
وبماذا تطيب النفس؟
جاء في الحديث: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها» [(8)]، ومن المال: الوظيفة، فتنكح المرأة الآن لوظيفتها؛ لأن الوظيفة تحصيل للمال، إذاً: المرأة تطيب للرجل بأحد هذه الأوصاف الأربعة، وهذه أوصاف أغلبية، وإلا فقد تنكح المرأة لا لهذه الأوصاف، بل لأسباب أخرى، لكن هذا هو الغالب.


تفسير سورة النساء للشيخ ابن عثيمين


و{ {مِنَ} } في قوله: { {مِنَ النِّسَاءِ} } يسميها العلماء بيانية؛ لأنها جاءت بعد اسم مبهم وهو الاسم الموصول، فتكون مبينة لهذا المبهم، وكلما جاءت «من» بعد أسماء الشرط أو الأسماء الموصولة؛ فهي بيانية؛ كقوله تعالى: { {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}} [البقرة: 197] ، وكذلك هنا.
وقوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} } بيان لما في قوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ} }؛ أي: انكحوا الذي يطيب لكم من النساء، ويجوز أن يكون متعلقاً بـ«انكحوا» أي: انكحوا من النساء ما طاب لكم، لكن الأول أقرب.
وقوله: { {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} } يقول النحويون: إن هذه الكلمات لا تنصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية والعدل؛ لأن معنى { {مَثْنَى} }: اثنتين اثنتين، { {وَثُلاَثَ} }: ثلاثاً ثلاثاً، { {وَرُبَاعَ} }: أربعاً أربعاً، فالمانع لها من الصرف الوصفية والعدل، وعلى هذا نقول: { {مَثْنَى} } حال من النساء؛ أي: حال كونهن مثنى وثلاث ورباع؛ أي: انكحوا على اثنتين اثنتين، أو على ثلاث ثلاث، أو على أربع أربع، وليس المعنى: انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعاً، خلافاً لمن زعم ذلك، وقال: إن الآية تدل على جواز نكاح التسع؛ لأن اثنتين وثلاث: خمس، ورباع: أربع، فالجميع تسع، وهذا بعيد من هذا الأسلوب في اللغة العربية، فإن هذا الأسلوب للتقسيم، والمعنى: منكم من ينكح اثنتين اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثاً ثلاثاً، ومنكم من ينكح أربعاً أربعاً؛ لأن الخطاب في قوله: «انكحوا» خطاب للجماعة وليس لواحد، فإذا كان الخطاب للجماعة فإن المعنى: ينكح بعضكم اثنتين، وبعضكم ثلاثاً، وبعضكم أربعاً.
ويدل لهذا الأحاديث الواردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الرجل لا يتزوج أكثر من أربع، أما النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه مخصوص بخصائص متعددة في النكاح:
منها: أنه يتزوج بأكثر من أربع.
ومنها: أنه يتزوج بالهبة.
ومنها: أنه لا يجب عليه القسم على أحد الأقوال.
ومنها: أنه بعد أن خيرهن فاخترن الله ورسوله، حرم عليه أن يتزوج غيرهن إلى أن مات.
ومنها: أن زوجاته لا يحل لأحد بعده أن يتزوجهن.
وهذه الآية من حيث الدلالة كقوله تعالى: { {جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}} [فاطر: 1] ، ولو أراد الله عزّ وجل أن يبين لعباده حل النساء إلى التسع لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو ستاً إلى التسع، ولا يأتي بهذا الأسلوب المشتبه؛ لأن القرآن نزل تبياناً لكل شيء.
وقوله تعالى: { {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} } ولم يذكر الواحدة؛ لأن المقام مقام تخيير، ومقام إعطاء النفس حظها، فإذا خفت أن لا تقسط في اليتيمة فأمامك النساء كمية وكيفية، فالكمية من اثنتين فصاعداً، والكيفية قوله: { {مَا طَابَ لَكُمْ} }، فالباب أمامك مفتوح فيما تريد من النساء كيفية وكمية، ومعلوم أن الواحدة ليس فيها كمية.
وقوله: { {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا} } { {خِفْتُمْ} } أي: خشيتم وتوقعتم أن لا تعدلوا، وقيل: المعنى: إن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول؛ أي: خشيتم، { {فَوَاحِدَةً} } أي: فانكحوا واحدة ولا تزيدوا عليها.
وقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } فما ملكت اليمين لا تنكح، وتوطأ بالملك ولا توطأ بالنكاح، ولهذا يحرم على الرجل أن يتزوج أمته؛ لأنها تحل له بعقد أقوى من النكاح وهو ملك اليمين، والأضعف لا يرد على الأقوى، بخلاف العكس، فإنه يرد الأقوى على الأضعف، فلو اشترى الرجل زوجته انفسخ النكاح وحلت له بملك اليمين، أما لو كان عنده أمة، فإنه لا يمكن أن يتزوجها؛ لأنه ملكها بعقد أقوى من النكاح، فإن السيد يملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الزوج فإنه لا يملك إلا المنفعة.
إذاً: لا يصح أن نقول: إن قوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} } معطوف على قوله: { {فَوَاحِدَةً} }؛ لأنه يختل المعنى، بل المعنى: فانكحوا واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، أو كلمة نحوها، فليست معطوفة على ما سبق إلا من باب عطف الجمل، فيقدر فعل مناسب لقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.
وقوله: { {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} } { {ذَلِكَ} } إشارة إلى نكاح الواحدة عند خوف عدم العدل، وإلى أن يتزوج الإنسان اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً عند خوف عدم العدل في اليتامى؛ أي: إشارة إلى الأمرين: نكاحكم مثنى وثلاث ورباع إذا خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، أو نكاحكم واحدة إذا خفتم ألا تعدلوا. { {أَدْنَى} } أي: أقرب. { {أَلاَّ تَعُولُوا} } أي: ألا تجوروا، هذا هو معنى الآية المتعين، وأما ما يروى عن الشافعي رحمه الله من أن المعنى: ألا تكثر عيالكم، فهو قول ضعيف جداً؛ لأن كثرة العيال مرغوبة عند الله تعالى؛ ولأن العيال يكثرون إذا جامع الإنسان ما ملكت يمينه، والله عزّ وجل يقول: { {فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} }، فإذا كان عند الإنسان مائة جارية وجامع كل واحدة، فسيأتيه في السنة مائة ولد، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نقول: إن الإنسان إن جامع ما ملكت يمينه يكون أدنى إلى عدم العيال؟ ولهذا فإن هذا القول ضعيف جداً؛ لمنافاته مقصود الشارع في كثرة الأولاد، ولأن قلة الأولاد لا تكون فيما إذا جامع الإنسان مملوكاته.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ أنه يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله تعالى: { {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} } يعني: ولا تعرضوا أنفسكم للجور.
2 ـ أنه ينبغي للإنسان أن يتزوج من تطيب نفسه بها؛ لأن ذلك أدنى أن يؤدم بينهما، ولهذا شرع للإنسان أن ينظر إلى مخطوبته حتى تطيب نفسه بها.
3 ـ ويتفرع عن هذه الفائدة تبين خطأ ما يستعمله بعض البادية من إجبار الإنسان على نكاح ابنة عمه مع أنه لا يريدها؛ لأن الله يقول: { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} }، فإذا كان الرجل لا تطيب نفسه بهذه المرأة فكيف يتزوجها؟ فما يفعله بعض البادية لا شك أنه خطأ مخالف للشرع، فإن ابنة عمه إذا لم يتزوجها تزوجها غيره من الناس.
4 ـ أن الله عزّ وجل إذا سد باب حرام فتح أبواب الحلال؛ لأن قوله: { {أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} } يعني: فلا تتزوجوهن، ولكن { {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} }، وهذا من طريقة القرآن والسنة، أنه إذا سد باب الحرام فإنه يفتح باب الحلال؛ لئلا يوصد أمام الإنسان العمل والحركة، وقد تقدم لهذا نظائر؛ كقوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}} [البقرة: 104] ، ومن ذلك: إرشاد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بيع التمر الرديء بالدراهم، ثم يشترى بالدراهم تمر طيب.
5 ـ جواز التعدد؛ لأن عرض العدد هنا في مقابلة المنع من نكاح اليتامى اللاتي يخاف الإنسان أن لا يقسط فيهن، فكأنه قال: إذا تركت نكاح واحدة من اليتامى، فلك أن تنكح اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وهذا هو الأقرب، لكن يؤخذ مشروعية التعدد من أدلة أخرى، منها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أراد من أمته تكثير النسل، وهذا يحصل بالتعدد أكثر مما يحصل بالإفراد، وقد قرأت في جريدة، أن بعض الناس بدؤوا يعملون عملاً طيباً في الحقيقة، وهو الحفل الجماعي في الأنكحة، حتى إنهم جمعوا في ليلة واحدة في وليمة واحدة خمسة وستين عرساً، وهذا لا شك أنه يوفر نفقات، ويوفر تعباً على الناس، وهو سنة حسنة؛ لأن هذا من باب تخفيف المؤونة، وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة.
6 ـ أنه لا يجوز تجاوز الأربع؛ لقوله: { {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} }، مع أن المقام مقام فتح باب للناس، وتكثير، ومنة، ومثل هذا الباب يذكر فيه أقصى ما يكون من المنة التي ليس وراءها شيء.
7 ـ تحريم الوسائل المؤدية إلى المحرم؛ لقوله: { {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} }، فأوجب الاقتصار على الواحدة إذا خاف الإنسان عدم العدل، وهذه قاعدة عظيمة في أصول الفقه: «أن للوسائل أحكام المقاصد»، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يحصل به المحرم فهو حرام.
8 ـ وجوب العدل بين الزوجات؛ لقوله: { {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} }، والجور بين الزوجات من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل» [(9)].
9 ـ أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع ولا في غيره؛ لقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }.
10 ـ إثبات ملك اليمين، لقوله: { {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} }، ولا يمكن رفع هذا الحكم الشرعي مخافة ذم الناس أو شماتتهم، بل الواجب بقاء ملك اليمين إذا وجد سبب هذا الملك، وهو الكفر، وذلك إذا قاتل المسلمون الكفار وسبوا نساءهم وذريتهم.
11 ـ إثبات الملكية للإنسان، وأن الإنسان يملك، ولا ينافي هذا أن نقول: إن الملك لله؛ وذلك لأن الملك ملكان: ملك شامل كامل لا يسأل فيه المالك عن أي تصرف، وهذا لله، وملك دون ذلك في الشمول والتصرف، فهذا ثابت، ثم هو أنواع: فتارة يملك الإنسان الرقبة؛ كعبد موصى به لشخص وبمنفعته لشخص آخر، وتارة يملك المنفعة؛ كالمستأجر، وتارة يملك المنفعة والرقبة؛ كالمالك المعتاد الذي يملك مطلق التصرف.
12 ـ أن اليمين أفضل من اليسار؛ لأنه أضاف الملك إليها، ولا شك أن اليمين أفضل من اليسار، ولهذا تعد اليمين للإكرام واليسار للإهانة، فالشيء الطيب يتناول باليمين، والشيء الخبيث يزال باليسار.
13 ـ تفاضل الأعمال، فبعضها أعلى من بعض في السوء، وأدنى من بعض في الحسن، لقوله: { {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} }؛ لأن الأدنى اسم تفضيل، فلا بد أن يكون هناك فاضل ومفضول.
* * *
قال الله تعالى: { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا *}} [النساء: 4] .
{ {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} } «آتوا» أي: أعطوا، والفرق بين «أتوا» و«آتوا»: أن «آتوا» بمعنى أعطوا، و«أتوا» بمعنى جاءوا.
والخطاب في قوله: «آتوا» هل هو للأزواج أم للأولياء؟
في الآية قولان:
القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن دون أن يأخذوا منهن شيئاً؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه ويسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة.
القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، فقد أمرهم الله عزّ وجل أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره. وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض، فالواجب حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء.
قوله: { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} } النساء أي: المتزوجات، بدليل قوله: { {صَدُقَاتِهِنَّ} } وصدقات: جمع صَدُقَة، وهي المهر، وسمي بهذا الاسم لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة.
وقوله: { {نِحْلَةً} } أي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله؛ أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه، وعلى هذا فقد زعم بعضهم أنها مفعول مطلق؛ لقوله: { {وَآتُوا النِّسَاءَ} }، فهي مثل قول القائل: وقفت قياماً، أو جلست قعوداً؛ لأن «آتى» بمعنى نحل، و«آتوا» بمعنى انحلوا، والنحلة: هي العطية عن طيب نفس.
وقوله: { {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ} } «إن طبن» أي: النساء، وقوله: { {نَفْسًا} } مصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به، كما في قوله تعالى: { {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً}} [القمر: 12] ؛ أي: فجرنا عيون الأرض.
و«من» في قوله: { {مِنْهُ} } قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن «من» بيان لمحل الحكم، بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه.
وقوله: { {فَكُلُوهُ} } عبر هنا بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الانتفاع؛ إذ أن الأكل يغذي البدن، وينمو به البدن، بخلاف اللباس، والمساكن، والمراكب، فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل منفعة وكسوة داخلية، ولذلك يقول تعالى: { {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى *وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى *}} [طه: 118 ـ 119] والتناسب بين الظمأ والضحى ـ الذي هو حرارة الشمس ـ واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، فإن المعدة إذا لم يكن فيها شيء فإنها عارية، فإذا دخل الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية.
وقوله: { {هَنِيئًا} } أي: حين الأكل { {مَرِيئًا} } أي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ وجوب إعطاء النساء مهورهن؛ لقوله: { {وَآتُوا} }.
2 ـ أنه لا يجوز للولي أن يأخذ شيئاً من صداق النساء، لوجهين:
الوجه الأول: أنه أضاف الصداق إليهن، فهو ملكهن.
الوجه الثاني: أنا أمرنا بإيتائهن صداقهن { {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} }، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: يجوز للأب خاصة أن يشترط لنفسه من مهر ابنته ما شاء، وقال بعض العلماء: لا يجوز لا للأب ولا لغيره أن يشترط لنفسه شيئاً من المهر.
والذي تؤيده السنة أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئاً من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء، أو الأم، أو الخالة، أو ما أشبه ذلك شيئاً من باب الإكرام، فلا بأس به، كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئاً لنفسه.
3 ـ أنه يجب إعطاؤهن الصداق على وجه النحلة؛ أي: الهدية التامة، فلا يكون فيه منة في المستقبل.
4 ـ جواز إسقاط المرأة شيئاً من المهر، أو رده إن كانت قد قبضته، لقوله: { {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} }.
5 ـ أنه لو أسقطت شيئاً خجلاً أو حياءً، فإنه لا يحل قبوله، لقوله: { {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ} }؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياءً وخجلاً، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه.
6 ـ أن من تملك شيئاً عن طيب نفس فإنه يحل له حاضراً ومستقبلاً؛ لقوله: { {هَنِيئًا مَرِيئًا} } أي: هنيئاً حين الأكل، مريئاً بعد الأكل.
7 ـ أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»[(10)]، وكذلك جاء في القرآن: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}} [النساء: 29] .
* * *
قال الله تعالى: { {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا *}} [النساء: 5] .
{ {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} }، هذه الآية فيها قراءتان:
القراءة الأولى: بهمزتين محققتين { {السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} }.
القراءة الثانية: بحذف إحدى الهمزتين: «السفها أموالكم» الأولى على الأصل، والثانية للتخفيف، وكذلك قوله: «قياماً» فيها قراءتان: «قِيَامَاً» و«قِيَمَاً»، والمعنى واحد.
يقول الله عزّ وجل: { {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} } أي: لا تعطوهم، والسفهاء جمع سفيه، وهو من لا يحسن التصرف، إما لصغر في سنه، وإما لقصور في عقله ورشده، فإن هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: { {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}} [البقرة: 130] ، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه، وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله.
وقوله: { {أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} } فأضاف الأموال إلينا، وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافها إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال.
والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: «أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان، فإنها تحمل عليهما».
وقوله: { {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} } { {جَعَلَ} } هنا بمعنى: صيّر؛ أي: الأموال التي جعلها الله لنا قياماً، تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد بالمال أكثر من ضرورتها بالنفس، حتى إن الذي يجاهد بنفسه محتاج إلى المال، فما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال، ولهذا نجد الله سبحانه يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس.
وقوله: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} } أي: أعطوهم رزقاً، والرزق هو العطاء، وقوله: { {فِيهَا} } أي: في الأموال، ولم يقل منها، إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء، حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء منها، فإذا قدرنا أنها مائة ريال فأعطاهم نفقة عشرة ريالات، فإنها تنقص كلما أعطاهم، لكن حينما قال: { {فِيهَا} } فإن المعنى: أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح.
وقوله: { {وَارْزُقُوهُمْ} } أي: أعطوهم طعاماً وشراباً، أما الكسوة فقال: { {وَاكْسُوهُمْ} } أي: اكسوهم ما يحتاجون إليه من القمص والسراويلات وغيرها، والفرش والسكن يدخل في قوله: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} }.
وقوله: { {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا} } أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولاً معروفاً؛ أي: قولاً هيناً ليناً، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنَّوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلاً: إذا جاء السفيه وقال: أعطني، أو اكسني، فلا تقل له قولاً غليظاً، كأن تقول: لماذا قطعت ثيابك؟ وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم، فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ تحريم إعطاء السفهاء الأموال، سواء كانت الأموال لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: { {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ} }، والنهي للتحريم، لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة، وهي «السفهاء» فكأنه قال: لا تؤتوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال.
2 ـ ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله.
3 ـ أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله، وقد قسم العلماء رحمهم الله الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس.
أما القسم الأول: فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله، وطلب الغرماء أن يحجر عليه، فإنه يحجر عليه، وإن لم يطلبوا؛ فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفاً يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف، فلو أوقف شيئاً من ماله لم ينفذ الوقف؛ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله.
القسم الثاني: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه، أو الصغر، أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه ـ الذي لا يحسن التصرف ـ يحجر عليه في ماله، وهذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير، فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال.
4 ـ أنه لا يجوز أن يُسلط أحد على شيء يحصل به الفساد، ـ أي: بتسليطنا إياه ـ فلو أن أحداً أعطى مجنوناً عصا فنقول: إن هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصا فسوف يضرب بها الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال، فكيف بالمجنون؟!
وما هو ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟
الجواب: يقول أهل العلم: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، فإن هذا سفيه يحجر عليه، والثاني كالذي يصرف ماله في المفرقعات، أو في الفقاعات، أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتاً أو بنزيناً ويوقد فيه النار ويتفرج عليه فقط، فهذا سفيه يحجر عليه.
5 ـ حكمة الله عزّ وجل في المال الذي أعطاه لعباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم.
6 ـ أنه إذا كان المال قياماً للناس في مصالح دينهم ودنياهم، فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينه ودنياه؛ لأن الله جعله قياماً تقوم به مصالح الدين والدنيا.
7 ـ أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما تحصل به الفائدة؛ لقوله: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} }.
8 ـ أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وأنه متعلق بحق الغير.
9 ـ أنه يجب على من ولاّه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.
* * *
قال الله تعالى: { {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا *}} [النساء: 6] .
{ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} } «ابتلوا» أي: اختبروا، و{ {الْيَتَامَى} } جمع يتيم، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه؛ أي: قبل بلوغ الطفل ذكراً كان أو أنثى، لكن المرأة لا تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، لكن تختبر بحاجات البيت فإذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة.
وقوله: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} } { {حَتَّى} }: هنا ابتدائية؛ أي: اختبروهم واستمروا في الاختبار، { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }، { {إِذَا} } شرطية، وقوله: { {فَإِنْ آنَسْتُمْ} } شرطية أيضاً، وقوله: { {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } جواب الشرط، فيكون هذا شرطاً في ضمن شرط آخر، وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا***منا معاقل عزٍّ زانها كرم
فقوله تعالى: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } شرط في ضمن شرط، وقوله: { {فَإِنْ آنَسْتُمْ} } أي: أبصرتم، ومنه قوله: { {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا}} [القصص: 29] أي: أبصر.
وقوله: { {رُشْدًا} } الرشد في كل موضع بحسبه، ويجمع جميع معانيه كلمة واحدة، وهي حسن التصرف، فإن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مراراً ولا يُغبن إلا بما جرت به العادة، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وهو أن يكون عالماً بالكفء ومصالح النكاح.
إذاً: الرشد في كل موضع بحسبه، والمراد بقوله هنا: { {رُشْدًا} }؛ أي: تصرفاً صحيحاً في أموالهم.
وقوله: { {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } أي: أعطوهم إياها، وأوصلوها إليهم، ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، بل ادفعوها إليهم، وسيأتي أن الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حالهم.
وقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوهَا} } أي: أموالهم { {إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} } { {إِسْرَافًا} } يجوز[(11)] أن تكون مفعولاً مطلقاً؛ أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضاً في كل موضع بحسبه، وقوله: { {وَبِدَارًا} } أي: مبادرة، فهي من بادر بمعنى استعجل الشيء، وقوله: { {أَنْ يَكْبَرُوا} } أي: بداراً لكبرهم، يعني: تبادروا كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف، أو على وجه الاقتصاد ولكن يبادر، ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: إن الإسراف مجاوزة الحد، فمثلاً: إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر، { {وَبِدَارًا} } أي: أن يأكل بلا إسراف، لكنه يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.
وقوله: { {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} } أي: من كان من الأولياء غنياً لا يحتاج إلى مال اليتيم { {فَلْيَسْتَعْفِفْ} } أي: فليكف عن الأكل. { {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} } واللام في قوله: { {فَلْيَسْتَعْفِفْ} } للأمر، وفي قوله: { {فَلْيَأْكُلْ} } للإباحة.
فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: { {فَلْيَأْكُلْ} } عن الأمر؟
فالجواب: لأنها أعقبت النهي، وهو قوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا} }، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.
وقوله: { {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} } أي: فليأكل أكلاً بالمعروف؛ أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء، وإنما يأكل أكل مثله.
مثال ذلك: إذا كان فقيراً فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه ـ ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني ـ قلنا: هذا لا يجوز، بل كل بالمعروف.
وقوله: { {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} } أي: إذا بلغوا ورشدوا.
وقوله: { {فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} } أي: أشهدوا أنكم دفعتموها.
وقوله: { {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} } «كفى» من الكفاية؛ أي: أنه جل وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: { {بِاللَّهِ} } زائدة لتحسين اللفظ، وكل شيء في القرآن زائد إعراباً فهو زائد معنى؛ أي: أنه جاء لفائدة ولا بد، وهي هنا لتحسين اللفظ، والأصل وكفى الله حسيباً، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية ختمها الله بهذه الجملة تهديداً لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ وجوب اختبار اليتامى، لقوله: { {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} }.
2 ـ العمل بالتجربة؛ لأن الابتلاء يعني: الاختبار عدة تجارب.
3 ـ أنه يجوز لولي اليتيم أن يستعمل معه ما يكون سبباً لاختباره، فإذا رأى منه تمرداً على الاختبار؛ فله أن يؤدبه حتى يختبره، ليتم ما أمر الله به.
4 ـ أنه إذا بلغ اليتيم ورشد؛ وجب دفع المال إليه، لقوله: { {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} }.
5 ـ أن الحجر على اليتامى لا يحتاج إلى حكم الحاكم، لا ابتداءً ولا انتهاءً؛ لأنه وكل الأمر إلى أوليائهم.
6 ـ عناية الله سبحانه بالأيتام، لقوله: { {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} }.
فإن قال قائل: لو أكلها لغير هذا الغرض ليستمتع بها مثلاً فهل يجوز؟
فالجواب: لا يجوز. لكن ذكر الإسراف والبدار؛ لأنه هو الذي يحمل على أكلها غالباً، وقد قال العلماء: إن القيد إذا ذكر لكونه أغلبياً فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يجوز أكل مال اليتيم لا إسرافاً ولا مبادرة أن يكبروا، ولا لغير ذلك من الأسباب.
7 ـ وجوب استعفاف الغني عن أموال اليتامى، لقوله: { {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} }.
فإذا قال الولي: لا يمكن أن أعمل في مال اليتيم إلا بمثل ما يعمل به غيري، وكيف أعمل بدون فائدة؟
فنقول: إذا كان الأمر كذلك، فلا بد من مراجعة القاضي الذي هو الولي العام؛ لأن من الناس من يدعي هذه الدعوى ويقول: أنا لا أستطيع أن أعمل إلا بجزء من الربح، أو بأجرة، أو ما أشبه ذلك، فلا بد إذاً أن يُرجع إلى القاضي.
8 ـ جواز أكل ولي اليتيم من مال اليتيم بالمعروف إذا كان فقيراً، وظاهر الآية أنه يأكل بالمعروف ولو زاد على قدر الأجرة، فمثلاً: إذا كان أجيراً فله في الشهر مائة، وإذا أكل بالمعروف لم يكفه إلا مائتان، فإنه يحل له الأكل بالمعروف ولو زاد على الأجرة؛ لأن الولي محبوس على التصرف لليتيم، فلا بد له من مأكل ومشرب، فليأكل بالمعروف، وأيضاً فإن هذا الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فلا ينبغي أن نلحقه بالأجير الأجنبي، لكن المعروف عند الفقهاء أنه يأخذ الأقل من أجرته أو كفايته.
9 ـ أنه إذا كان فقيراً فأكل، فلا يلزمه إذا أغناه الله أن يرد ما أكل؛ لأن المباح لا ينقلب حراماً، ولو قلنا بوجوب الرد إذا أغناه الله، لم يكن هناك فائدة لإباحة الأكل، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب رد ما أكله إذا أغناه الله، فكأنه استقرض من مال اليتيم ولم يأكل أكلاً مباحاً، ولكن الصحيح هو الأول: أن الأكل مباح له، ولا يجب عليه رده إذا أغناه الله.
10 ـ اعتبار الحال، وأن الأحكام تختلف بحسب الأحوال، وهذا من حكمة الشريعة، وهو مأخوذ من التفريق بين الغني { {فَلْيَسْتَعْفِفْ} } والفقير { {فَلْيَأْكُلْ} }.
11 ـ الرجوع إلى العرف، لقوله: { {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} }.
12 ـ أنه إذا دفع المال إلى اليتامى بعد أن بلغوا ورشدوا فلْيُشهد؛ لقوله: { {فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} }، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما أمر بالإشهاد قطعاً للنزاع ودفعاً للتهمة.
13 ـ أنه لو ادعى الولي أنه دفع المال، فإن دعواه لا تقبل؛ لأنه لو قبلت دعواه لم نحتج إلى إيجاب الإشهاد، وهذا هو الصواب، وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول : لا تقبل دعواه الدفع؛ لظاهر الآية.
القول الثاني : تقبل دعواه الدفع، فلو طالبه اليتيم فيما بعد وقال: أين مالي؟ وقال: دفعته لك، قبل منه، واستدل هؤلاء بقول الله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] .
القول الثالث: الوسط، وهو أنه إن كان بأجرة لم تقبل دعواه الدفع، وإن كان يعمل له مجاناً قبلت دعواه الدفع، وعللوا ذلك بأنه إذا كان يأخذ الأجرة لم يكن إحسانه إحساناً محضاً؛ لأنه أبقى المال عنده لحظ نفسه، فلا يدخل في قوله تعالى: {{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}} [التوبة: 91] .
والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا بشهود، إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفاً بالصدق والأمانة، ويكون المولى عليه ـ وهو اليتيم ـ معروفاً بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي بالقرينة، وبقوة الظاهر؛ ولأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى؛ لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع.
14 ـ تحذير الولي من أن يخون في ولايته، وتحذير اليتيم من أن ينكر ما وقع، وتؤخذ من قوله: { {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} }، فإذا كان الله عزّ وجل هو الكافي على حساب عباده، فإن الإنسان سوف يخشى هذه المحاسبة ويتوب إلى الله.
15 ـ العناية باليتامى وأموالهم؛ لأن اليتامى محل الرحمة، حيث إن آباءهم قد ماتوا وليس لهم ولي يقوم بحاجتهم.
ويتفرع عن هذه الفائدة بيان رحمة الله عزّ وجل، وأن رحمة الله عند المنكسرين وعند الضعفاء.
* * *
قال الله تعالى: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا *}} [النساء: 7] .
{ {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} }، قوله: { {لِلرِّجَالِ} } خبر مقدم، و{ {نَصِيبٌ} } مبتدأ مؤخر، وكذلك قوله: { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} }، وقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} } متعلق بمحذوف صفة لـ{ {نَصِيبٌ} }، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: وذلك مما قل منه، وقوله: { {نَصِيبًا}} حال من «ما» في قوله: { {مِمَّا قَلَّ} } وقوله: { {مَفْرُوضًا} } صفة لـ{ {نَصِيبٌ} } وهو أولى، ويجوز أن تكون حالاً أخرى، وهو مرجوح.
يقول الله عزّ وجل: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} } «نصيب»: أي: حظ، ولم يبينه هنا، لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلاً مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يرسخ في الذهن، ولا يصير له قوة في القبول.
وقوله: { {الْوَالِدَانِ} } أي: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: { {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}} [البقرة: 233] ، وأما الأب فكذلك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» [(12)]، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: «لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه، إلا الوالد فيما وهبه لابنه» [(13)]، فالوالد إذاً يطلق على الأم والأب.
وقوله: { {وَالأَقْرَبُونَ} } ولم يقل: والأقارب، والأقرب: اسم تفضيل؛ وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب، بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(14)]، وهناك خمسة من الورثة لا يمكن أن يحجبوا، وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والابن، والبنت، وأحد الزوجين، فهؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة.
ثم قال تعالى: { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} } وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال؛ تأكيداً لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال، قال تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 11] ، وقال تعالى: { {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}} [النساء: 176] ، لكنه جاء بهذه الصيغة تأكيداً لنصيب النساء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية في أحكامهم الجائرة لا يورثون النساء، ويقولون: إنما الميراث لمن حمل السلاح وخاض المعارك، وهم الرجال، وأما النساء فلا حق لهن في الميراث، ولا شك أن هذا حكم مبني على الجور، ولو نظرنا ببادئ الرأي لقلنا: إن النساء أحق بالميراث من الرجال؛ لأنهن أعجز وأضعف عن التكسب من الرجال، لكن حكم الله سبحانه أحسن الأحكام، فقد جعل لهن نصيباً وللرجال نصيباً، ولكن لكثرة المسؤولية على الرجال جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} } أي: لكل منهما نصيب من القليل أو الكثير، سواء خلَّف الميت أموالاً كثيرة، أو أموالاً قليلة، فلو خلف درهماً واحداً كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، ولو خلف ملايين الملايين كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، فلا يقال: إنه إذا قل المال فلا نصيب للنساء، أو إذا كثر المال فلا نصيب للنساء، بل نقول: لا فرق بين القليل والكثير.
وقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} } هذه الجملة ينبغي الوقوف عليها؛ لأن ما بعدها وهو قوله: { {نَصِيبًا مَفْرُوضًا}} لا يتعلق بالفاعل في قوله: { {قَلَّ} } و{ {كَثُرَ} }، بل هو متعلق بمقدر، والمعنى: جُعل هذا نصيباً مفروضاً، أو حال كونه نصيباً مفروضاً.
وقوله: { {مَفْرُوضًا} } المراد أنه مُحتّم، وليس المراد أنه مُقدّر؛ لأن ميراث الأولاد ـ إذا اجتمعوا بنينَ وبناتٍ ـ ليس مقدراً؛ أي: ليس بفريضة، بل هو تعصيب، ولكن المراد بالفرض هنا الحتم، كما تقول: فُرضت الصلوات الخمس؛ أي: حُتمت وأُلزم بها.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ تقديم الرجال على النساء حتى في الأمر الذي يشتركون في الاستحقاق فيه، ووجه الدلالة قوله: { {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} } { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ} }، وهذا هو المشروع والمعقول والفطري، أن يكون الرجال هم المقدمون على النساء، وقد عَكَس ذلك من عكس الله قلوبهم من الكفرة والمبهورين بهم، حيث قدموا النساء على الرجال، فيقولون مثلاً: أيها الأخوات والإخوة! أيها السيدات والسادة! وهذا خطأ عظيم؛ لأن الرجال مقدمون على النساء، وهم قوامون عليهن، ولكن ليس بعد الكفر ذنب.
وهؤلاء الكفار يرون أن النساء لُعَب، فيقدمونهن جلباً لقلوبهن، وتعطفاً عليهن ليعطفن عليهم؛ لأنهم كما وصفهم الله عزّ وجل: { {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ}} [محمد: 12] ، فليس لهم همَّ إلا الدنيا، فجاء قليلو البصيرة ضعيفو الدين، فأخذوا هذه الحقارة منهم والتهموها من غير أن يقدروا النتائج، وأنهم بذلك مخالفون لطريقة الشريعة، وللفطر السليمة، وللعقول الحكيمة.
2 ـ بيان أن الدين الإسلامي هو الذي انتصر للمرأة وأعطاها حقها بعد أن كانت مهضومة في الجاهلية، لقوله: { {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} }، ولكن الدين الإسلامي لم يعط المرأة أكثر من حقها، ولم ينزلها أكثر من منزلتها، بل أعطاها الحق اللائق بها، وهو معروف ـ ولله الحمد ـ بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
3 ـ أن الرجال والنساء المستحقين للميراث يستحقون منه، سواء خلف الميت كثيراً أم قليلاً، لقوله: { {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} }.
4 ـ التحذير مما يتهاون به بعض الناس اليوم، فيموت الميت عن زوجته وبناته، وله أبناء عم عصبة ليسوا في البيت، فتجد أهل الميت يأكلون من طعام البيت، وينتفعون بأجهزته كالثلاجات وغيرها، دون أن يستأذنوا من لهم حق في الميراث، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا مات الميت فبعد أن كان ماله له شخصياً، صار موزعاً بين ورثته، فكل وارث يستحق من هذا الميراث قل المال أو كثر، وهذه مسألة ينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا العامة إليها؛ لأن العامة قد لا يفهمون، وإلا فعندهم ـ ولله الحمد ـ ورع يردعهم عن هذا ولكنهم لا يفهمون.
5 ـ أن هذا النصيب واجب، لقوله: { {نَصِيبًا مَفْرُوضًا}}.
6 ـ جواز حذف ما يُعلم، وتؤخذ من قوله: { {مَفْرُوضًا} }، فالفارض هو الله، لكن حذف وبُني الوصف للمفعول للعلم به، فهو كقوله تعالى: { {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا}} [النساء: 28] ، والذي خلقه هو الله عزّ وجل.
* * *
قال الله تعالى: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا *}} [النساء: 8] .
الذي يظهر لي ـ والعلم عند الله ـ من هذه الآية والتي قبلها: أن الناس فيما سبق كانوا إذا أرادوا قسم مال الميت، فإنهم يقسمونه علناً ظاهراً، سواء كان ظاهراً للناس عموماً، أو ظاهراً لمن حولهم، لقوله: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} }.
وقوله تعالى: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} } { {الْقِسْمَةَ} }: مفعول مقدم، و{ {أُولُو} }: فاعل مؤخر، ورفع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون منه للإضافة، { {وَالْيَتَامَى} } معطوف على أولو، وكذلك { {وَالْمَسَاكِينُ} }، وقوله: { {فَارْزُقُوهُمْ} } الجملة جواب الشرط وهو «إذا»، واقترنت الفاء بها لأنها طلبية، والجواب الذي يقترن بالفاء سبعة أنواع، جمعت في بيت من الشعر:
اسمية طلبية وبجامد***وبما وقد ولن وبالتنفيس
قوله: { {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} } أي: قسمة المال الموروث { {أُولُو الْقُرْبَى} } أي: أصحاب القرابة الذين لا يرثون؛ لأن الذين يرثون لهم نصيب من هذا المقسوم، والقربى هنا بمعنى القرابة.
وقوله: { {وَالْيَتَامَى}} جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه، سواء كان ذكراً أو أنثى.
وقوله: { {وَالْمَسَاكِينُ} } هم الفقراء، وسموا مساكين لأن الفقر أسكنهم، فإن الفقر ـ أعاذنا الله منه ـ يوجب الذل، وأن لا يتكلم الإنسان؛ لأنه يشعر بأنه غير مسموع، وغير مقبول، فتجده ساكناً لا يتكلم؛ لأنه لا يُسمع له، ولكن قد يكون هذا الفقير المسكين عند الله مسموعاً، قال عليه الصلاة والسلام: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره»[(15)]، والشأن كل الشأن أن تكون وجيهاً عند الله، وإذا كنت وجيهاً عند الله فستكون وجيهاً عند العباد، ولكن لا تطلب أن تكون وجيهاً عند الله؛ لتكون وجيهاً عند العباد، بل اطلب أن تكون وجيهاً عند الله؛ لتنال رضاه، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس.
وقوله: { {فَارْزُقُوهُمْ} } أي: أعطوهم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء.
وقوله: { {مِنْهُ} } ولم يقل: فيه؛ لأن هؤلاء يعطون من رأس المال، ومن أصله، وأما أموال اليتامى فقال الله تعالى: { {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} } [النساء: 5] ، وقد سبق أن ذكرنا أنه قال: «فيها» ولم يقل: «منها»؛ لأنهم يرزقون بعد الاتجار بها، فيعطون من الربح، وهو ـ أي: ما سبق ـ إشارة إلى أنه ينبغي لولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى يحصل على ما يرزقه فيه، أما هنا فقال: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} } أي: من هذا المال الذي يقسم أمامهم، وهذا إحسان إليهم بالفعل.
وقوله: { {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا} } هذا إحسان إليهم بالقول؛ أي: قولاً طيباً تطيب به نفوسهم.
ولنفرض أن المال كثير، وأن كل وارث سيحصل على مليون ريال مثلاً، فإذا أعطيت الفقير مائة ريال، فإن الحاضر ربما يقول: مائة من مليون! فقل له قولاً معروفاً تطيب به نفسه، حتى تجمع له بين الإحسان القولي والإحسان الفعلي.
وبالعكس ـ والعياذ بالله ـ من كان قلبه كالحجر، فإذا وجد اليتيم حوله قال له: ما الذي أتى بك؟ اذهب واطلب الرزق من الله!! فهذا قلبه ليس ليناً لعباد الله، ولا راحماً لهم، والإنسان يجب أن يقدر أنه لو كان هو بهذه الحال ماذا سيفعل؟ إنه سوف يتشوف إلى شيء من هذا المال، وسوف يرى أن من أشد الأشياء عليه أن يُصرف، ولا سيما إذا صُرف بقول منكر غير معروف.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ أمر من قسم مالاً وحضره هؤلاء الأصناف الثلاثة ـ الأقارب، واليتامى، والمساكين ـ أن يعطيهم منه، وهذا الأمر يحتمل أن يكون للوجوب، ويحتمل أن يكون للاستحباب؛ لأنه أمر بأدب. وقد قال بعض العلماء: كل الأوامر المتعلقة بالآداب وحسن الأخلاق فهي للاستحباب.
فعلى كل حال نقول: الأمر بإعطاء من حضر القسمة.
2 ـ جواز قسمة المال المشترك بحضور غير الشركاء، ويؤخذ من قوله: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} } لأن الشركاء لهم نصيب بدون أن يؤمر بإعطائهم.
3 ـ ما جاء به الإسلام من الآداب العالية، والأخلاق الفاضلة، حيث أمرنا بأن نعطي هؤلاء الذي حضروا القسمة؛ لأن قلوبهم تتعلق بالمال، وتتشوف للنوال، فلهذا أمر الشرع بإعطائهم.
4 ـ أن الأوامر قد تكون موكلة إلى المأمور غير مقدرة، لقوله: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} }، ولم يقل: الثلث، ولا الربع، ولا العشر، بل جعل هذا مطلقاً، فهو يرجع إلى كرم المعطي من وجه، وإلى كثرة المال من وجه آخر.
5 ـ أن الإحسان إلى القرابة أفضل من الإحسان إلى اليتيم والمسكين، ووجه ذلك: أنه قدمه، ولهذا لما أخبرت أحدى أمهات المؤمنين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنها أعتقت جارية لها، قال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك»[(16)]، فدل هذا على أن صلة الرحم أفضل من إعطاء البعيد.
6 ـ عناية الله عزّ وجل بالضعفاء المستحقين للعناية، وتؤخذ من قوله: { {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} }؛ لأن اليتيم صغير منكسر القلب بفقد أبيه، يحتاج إلى رعاية وعناية، والمسكين كذلك فقير ذليل يحتاج إلى من يجبر ذله، ويسقي ظمأه، ويكسو عورته.
7 ـ أنه ينبغي لمن أعطى أحداً شيئاً أن يقول له قولاً معروفاً يطيب قلبه، ويبعده من المن بالعطاء؛ لأن المن بالصدقة من كبائر الذنوب، وهو مبطل للأجر، لقوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى}} [البقرة: 264] .
8 ـ الجمع بين الإحسان القولي والفعلي، فالفعلي من قوله: { {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} }، والقولي من قوله: { {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا} }.
* * *
قال الله تعالى: { {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *}} [النساء: 9] .
{ {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا} } اللام في قوله: { {وَلْيَخْشَ} } لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصلها «يخشى» بالألف، وسكنت لام الأمر هنا لأنها تسكن إذا وقعت بعد الواو والفاء وثم، كما في قوله تعالى: { {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}} [الحج: 29] ، وقوله تعالى: { {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ}} [الحج: 15] ، بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة إذا وقعت بعد الواو أو ثم أو الفاء، مثل قوله تعالى: { {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا}} [العنكبوت: 66] ، فلا تُقرأ «وَلْيَتمتعوا» إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل.
وقوله: { {لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ} } «لو» هنا شرطية، وفعل الشرط قوله: { {تَرَكُوا} }، وجوابه قوله: { {خَافُوا عَلَيْهِمْ} }، وقد خرجت الآية الكريمة هنا عن الأكثر في جواب { {لَوْ} }، فإن الأكثر في جواب { {لَوْ} } إذا كان مثبتاً أن تقترن به اللام، فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، ولكن اللام تحذف أحياناً في جواب { {لَوْ} } في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: { {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}} [الواقعة: 70] ، وفي نفس السياق قال في الزرع: { {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}} [الواقعة: 65] ، أما إذا جاء جواب { {لَوْ} } منفياً بـ«ما»، فالأفصح أن لا تذكر اللام، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلت شيئاً، فإن هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئاً، لكن قد تقترن اللام بـ«ما» النافية في جواب «لو»، ومنه قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا***ولكن لا خيار مع الليالي
وتكميلاً للفائدة فإن «لو» تأتي على أوجه: الأول: أن تكون شرطية، والثاني: أن تكون مصدرية؛ كقوله تعالى: { {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ *}} [القلم: 9] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون.
و{ {لَوْ} } من أدوات الشرط غير الجازمة.
وقوله: { {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} } هذا أمر بالتقوى، وهو تأكيد للأمر بالخشية في قوله: { {وَلْيَخْشَ} }.
يقول الله عزّ وجل مذكراً هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها، يقول: { {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} } والخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم، لقوله تعالى: { {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}} [فاطر: 28] ، فيقول: ليخش هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً، ومفعول «يخشى» محذوف؛ أي: ليخش هؤلاء أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها.
وقوله: { {ذُرِّيَّةً} } الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات، فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم، فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي؛ لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين، لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات.
فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى ابن مريم، فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟
فيجاب عن ذلك: بأنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن ولد الزنا ترثه أمه بالفرض والتعصيب؛ لأنها أم وأب، إذ لا أب له شرعاً.
وقوله: { {ضِعَافًا} } أي: لا يستطيعون أن يتكسبوا؛ لعدم رشدهم ولصغر سنهم، فكل واحد من الناس إذا حضرته الوفاة وله أولاد صغار، سوف يخاف عليهم، ويفكر ويقدر من يتولاهم بعده، ولكن المؤمن يقول كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قالوا له: ألا توصي لولدك؟ فقال: لا؛ إن كان ولدي صالحاً فالله يتولى الصالحين، كما قال تعالى: { {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ *}} [الأعراف: 196] ، وإن كانت الأخرى فلن أعينه على فساده.
فالضعيف من الأولاد هو الصغير، أو المجنون، أو السفيه الذي ليس لديه رشد، ولا يستطيع التصرف بنفسه.
وقوله: { {خَافُوا عَلَيْهِمْ} } أي: خافوا عليهم من الضياع وأكل أموالهم.
وقوله: { {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} } التقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، وهذا إذا أطلقت التقوى وأفردت، أما إذا قيدت فإنها بحسب ما قيدت به، مثل قوله تعالى: { {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}} [البقرة: 281] ، وكذلك إذا قرنت بالبر صار معناها اجتناب المعاصي، ومعنى البر فعل الطاعات في الأوامر، أما إذا أطلقت فهي تشمل هذا وهذا.
وقوله: { {وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا} } القول السديد: هو ما سد موضعه؛ أي: ما كان صواباً موافقاً للحكمة، فليس السداد أن تلين في القول ولا أن تشتد به، ولكن أن يكون قولك صواباً مطابقاً للحكمة، فقد يكون السداد بشدة القول، وقد يكون السداد بلين القول، وانظر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف يشتد أحياناً بقوله، وكيف يلين أحياناً بقوله، وقوله صلّى الله عليه وسلّم كله سداد، وكله سديد بلا شك، والحكمة تختلف باختلاف الأحوال، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف موضوع الكلام.
فلو أن رجلاً أراد أن يخطب في قوم أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في المحارم، فإن السداد أن تكون الخطبة قوية، وبانفعال وبزجر شديد، وكأنه منذر قوم أو جيش يقول: صبحكم ومساكم، وإذا كان يخطب عند قوم ليسوا بهذه المثابة، ولا يرون الشدة في القول، بل ربما ينفرهم، فإنه في هذا الحال يلين لهم القول.
وقد ورد ذكر القول السديد في غير هذه الآية، في قوله تعالى: { {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *}} [الأحزاب: 70] .
والنتيجة لتقوى الله والقول السديد هي قوله تعالى: { {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}} [الأحزاب: 71] .. { {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} } الدينية والدنيوية، { {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} } أي: ما أذنبتموه، فعلينا أن نأخذ بهذه التوجيهات الإلهية والأوامر فنتقي الله ونقول قولاً سديداً.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ تذكير المرء بما يحدث له؛ حتى يراعي في ذلك غيره، لقوله تعالى: { {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} }، فكما أنك تخاف على ولدك فخف على ولد غيرك.
2 ـ الإشارة إلى أنه يجب على المرء أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به؛ لأنه إذا كان يكره لنفسه أن يعتدي أحد على أولاده بعد موته، فكذلك لا يعتدي هو على أولاد الناس.
3 ـ أنها تدل بدلالة الإشارة على أن الإنسان إذا أراد أن يجني على غيره فليتذكر نفسه، فإذا كان مثلاً يهم بأن يزني بامرأة، فليتذكر هل يرضى أن يزني أحد بإحدى محارمه؟ ومن المعلوم أن الجواب «لا»، فإذا كان كذلك؛ فلماذا يرضى أن يزني بمحارم الناس وهو لا يرضى أن يزني أحد بمحارمه؟ فقس ما تريد أن تفعله بالناس على ما يريدون أن يفعلوه بك.
4 ـ أن الإنسان يكون مجانباً للتقوى إذا لم يراع ربه عزّ وجل في رعاية هؤلاء الضعفاء الذين كانوا بين يديه.
5 ـ أن الإنسان ينبغي له أن يتقي الله عزّ وجل في الولاية على غيره، وأن يقول قولاً سديداً.
6 ـ أن القول ينقسم إلى قسمين: سديد وغير سديد، فالسديد ما وافق الصواب، وغير السديد ما خالف الصواب، ومن ذلك اللغو من الكلام، فإنه ليس بسديد، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»[(17)].
* * *
قال الله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا *}} [النساء: 10] .
{ {إِنَّ الَّذِينَ}} جملة إسمية مبدوءة بـ«إنَّ»، وخبر «إنّ» هو قوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }؛ أي: ما يأكلون إلا ناراً.
وقوله: { {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} }، وفي قراءة: «وسيُصلون» بالبناء للمفعول، وهي قراءة سبعية.
قوله تعالى: { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} } يأكلونها. أي: يتلفونها، لكنه عبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع؛ لأن أكثر ما يجني الإنسان المال من أجل أكله وما يتعلق به، فعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، وإلا فغير الأكل مثله، بل قد يكون أشد، كما لو أتلف هذه الأموال بإحراق أو إغراق أو ما أشبه ذلك، فهو أعظم من أكلها.
واليتيم سبق أنه هو الذي يموت أبوه ولم يبلغ.
{ {ظُلْمًا}} مصدر في موضع الحال؛ أي: ظالمين.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ وجوب رعاية أموال اليتامى، لقوله: { {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }.
2 ـ أنه لو أكل مال اليتيم بحق؛ فلا إثم عليه، مثل أن يكون فقيراً فيأخذ قدر أجرته من هذا المال الذي هو قائم عليه، فلا حرج.
3 ـ أن أكل مال اليتيم بغير حق من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بقوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }، وعند أهل العلم: أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة. وقيل: إن الكبيرة ما فيه عقوبة خاصة؛ أي: ما ذكر له عقوبة خاصة؛ وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع ليس فيها إلا النهي، ونوع آخر يذكر فيها عقوبة خاصة: إما دنيوية، وإما دينية، وإما أخروية، فالدنيوية كالحد، مثل الزنا والسرقة، والدينية كالبراءة منه، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»[(18)]، والأخروية هي العقوبة، كما في هذه الآية.
4 ـ إثبات الجزاء، لقوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }.
5 ـ أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه قابل أكلهم بالنار التي يعذبون بها.
6 ـ الوعيد الشديد على من أكل مال اليتيم بأنه سيصلى سعيراً، وهذا أعظم من قوله: { {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} }، فتكون الحرارة في أجوافهم، وفي ظاهر أجسامهم، لقوله: { {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} }.
* * *
قال الله تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *}} [النساء: 11] .
{ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } الوصية: هي العهد بأمر هام عهد به إليك، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة، وينبغي أن يُعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه «وكيلاً»، وتارة نسميه «ولياً»، وتارة نسميه «ناظراً»، وتارة نسميه «وصياً»، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه، بل بإذن من الشرع؛ فإنه يسمى «ولياً» كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته؛ فإنه يسمى «وصياً»، وإذا كان يتولى الوقف؛ فإنه يسمى «ناظراً»، وإذا كان يتولى لحي؛ فإنه يسمى «وكيلاً».
وقوله: { {فِي أَوْلاَدِكُمْ} } متعلق بقوله: { {يُوصِيكُمُ} }؛ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، والأولاد: جمع ولد، ويشمل الذكور والإناث، بدليل قوله: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} }، فإذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وتأمل كيف قال: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة، والنصف نقص، فلهذا قال: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} }، ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة «نصف» من النقص، بخلاف حظ الأنثيين؛ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيراً مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر.
فإذا هلك الميت عن خمسة أبناء وبنت، فللبنت واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة، وإذا هلك عن سبعة أبناء وثلاث بنات، فلكل بنت واحد من سبعة عشر؛ لأن السبعة عن أربعة عشر سهماً، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهماً.. وهكذا.
وقوله: { {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} } قوله: { {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً} }، ولم يقل: فإن كانوا نساءً؛ أي: الأولاد، وهذا جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث أن تذكره باعتبار ما سبقه، إذا كان السابق مذكراً، وتؤنثه باعتبار ما لحقه، فهنا قال: { {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً} } فأنث الضمير باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: «فإن كانوا نساءً» جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير في مثل هذا التركيب يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: { {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} } فقيل: إنها زائدة، وأن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين؛ لأنه قال: { {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} }، والحكم خلاف ذلك، فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية؛ ليتبين أن ما فوق الثنتين لا ينحصر، فلو كن عشراً أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن.
ولنا في تقرير الثلثين للثنتين عدة أوجه:
الوجه الأول: أنه قال: { {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} } ومفهومه: أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف، ولا نعلم فرضاً للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها النصف بقي لها الثلثان؛ لأنه ليس هناك فرض بين النصف والثلثين.
الوجه الثاني: أن الله جعل للأختين الثلثين في آخر السورة، فقال الله تبارك وتعالى: { {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}} [النساء: 176] ، وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، وعلى هذا فيكون للبنتين الثلثان، كما أن للأختين الثلثين.
الوجه الثالث ـ وإن كان خارجاً عن نطاق القرآن ـ : أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وهما اثنتان[(19)].
وعلى هذا فنقول: لقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأولاد إما أن يكونوا ذكوراً وإناثاً، وإما أن يكونوا إناثاً فقط، وبقي قسم ثالث: وهو أن يكونوا ذكوراً فقط.
فأما إذا كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كانوا نساءً فقط فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للواحدة النصف ولما زاد الثلثين، وسكت عن الأولاد الذكور فقط، فدل هذا على أنهم يرثون بلا تقدير؛ لأنه لو كان لهم مقدر لبينه كما بين المقدر للإناث، ولو كانوا يختلفون لبين ذلك، كما بين اختلاف الواحدة من البنات مع الثنتين فأكثر.
وعلى هذا: فإذا كانوا ذكوراً فقط فلهم المال، وتكون مسألتهم من عدد الرؤوس؛ لأن الورثة إذا كانوا عصبة فلا تؤصل لهم مسألة، بل أصل مسألتهم من عدد رؤوسهم، فإذا كانوا مئة بني عم فالمسألة من مئة.
قوله تعالى: { {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} } فيها قراءتان، { {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً} }.. «وإن كانت واحدةٌ» وعلى هذه القراءة فإن «كان» تامة، و«كان» التامة هي التي يكتفى بمرفوعها عن خبرها؛ لأنها لا تتطلب سواه، فهي تامة به، والناقصة هي التي تحتاج إلى خبر؛ لأنها لا تتم إلا به، ولهذا سميت «كان» إذا اكتفت بمرفوعها تامة، لا تحتاج إلى تكميل.
وقوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } أي: أبوي الميت، ولم يسبق له ذكر، لكن المقام يقتضيه، لقوله: { {مَا تَرَكَ} }؛ لأن الإنسان لا يترك ماله إلا بعد موته.
وقوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } يعني: الأب والأم، من باب التغليب، وهو هنا ملحق بالمثنى.
وقوله: { {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} }، بدل من قوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } بإعادة العامل، والبدل معروف أن له حكم المبدل في الإعراب، لكن هنا نستغني عن التبعية في الإعراب؛ لأنه أعيد العامل.
أي: فلكل واحد من الأبوين السدس مما ترك ابنهما أو بنتهما أيضاً، { {إِنْ كَانَ لَهُ} } أي: للميت «ولد»، وقوله: { {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} } يشمل الذكر والأنثى، فإذا كان للميت أبوان، وله أولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، فإن كان الولد ذكراً؛ فللأم السدس وللأب السدس، والباقي للابن، وإن كان أنثى فرض لها فرضها وهو النصف إن كانت واحدة، أو الثلثان إن كانت زائدة، والباقي للأب تعصيباً؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(20)].
وميراث الأبوين مع الولد: أما الأم ففرض وليس لها تعصيب إطلاقاً، وفرضها السدس مع وجود الولد: ذكراً كان أم أنثى، وأما الأب فإن كان في الأولاد ذكور، فليس له إلا السدس، وإن كان الورثة إناثاً؛ فله السدس فرضاً، والباقي إن بقي تعصيباً.
وحينئذ نقول: إما أن يكون الولد الذي مع الأبوين ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، فإن كانوا ذكوراً فقط؛ فليس للأب ولا للأم إلا السدس، وإن كانوا إناثاً فقط؛ فليس للأم إلا السدس، وكذلك الأب يفرض له السدس، وإن بقي شيء أخذه تعصيباً، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً فليس للأب إلا السدس كالأم؛ لأنه لا تعصيب للأب مع وجود أحد من الأبناء أو أبنائهم؛ لأن الأبناء أو أبناءهم أولى بالتعصيب من الأب.
وقوله: { {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ} } أي: إن لم يكن له فرع وارث، لا ابن، ولا ابن ابن، ولا بنت ابن، ولا بنت، وهذا الشرط الأول، والشرط الثاني في قوله: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} }، والجواب: { {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} } وللأب الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين، وفرض لأحدهما، فالباقي كله للآخر.
فقوله: { {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} } هنا انحصر الإرث في الأبوين، { {فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} }، والباقي للأب؛ لأن الله قال: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} } وأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فإذا هلك هالك عن أم وأب، وليس معهما ولد ولا غيره؛ لا إخوة، ولا زوج، ولا زوجة؛ فللأم الثلث، والباقي للأب.
وهذا مطرد على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: «إذا كان الوارثان ذكراً وأنثى من جنس، وفي مرتبة واحدة، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين» فمثلاً: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة: إذا كان مع الأبوين زوج أو زوجة، فهل ترث الأم الثلث؟
الجواب: نقول: إن الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها الثلث:
فإذا هلكت امرأة عن زوجها وأمها وأبيها مثلاً، وليس في المسألة ولد، فانحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فللزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي.
وصار للأم ثلث الباقي لماذا؟ لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} }، فكأن الأبوين ورثا نصف المال الذي هو الباقي بعد الزوج، فنجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله فإن للأم الثلث، وهذا واضح جداً، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي.
وهذه القسمة ليست مخالفة للنص، بل هي موافقة للنص.
مثال آخر: هلك رجل عن زوجة، وأم، وأب، فللزوجة الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا: فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا.
وهاتان المسألتان ـ وهما: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب ـ تسميان: العمريتين، والغراوين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ووجدت هاتان الصورتان في عهد عمر رضي الله عنه، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موافقاً للصواب بلا شك، وسميتا بالغراوين لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس، لظهورهما وبيانهما واشتهارهما.
وقوله تعالى: { {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} } هذا معطوف على قوله: { {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} } يعني: حين إرث أبويه له { {فَإِنْ كَانَ} } والفاء هنا عاطفة للترتيب، وهي تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجل أبواه وكان له إخوة، { {فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} } سواء كانوا إخوة ذكوراً أو إناثاً، أشقاء، أو لأب، أو لأم.
مثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين؛ فللأم السدس، والباقي للأب.
وقد فرضنا للأم السدس؛ لوجود جمع من الإخوة، ولم نفرض للأب السدس؛ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون بإسقاط النبي صلّى الله عليه وسلّم لهم حيث قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(21)].
وصاحب الفرض في هذه المسألة هي الأم، وقد أعطيناها نصيبها، ثم بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة فوجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب.
فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟
فنقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع، فإن الذي منعهم من الإرث هو الأب لا لفوات الشرط، فهم من أهل الإرث، فليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، بل نقول: إنهم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حجبوا وهم محجوبون.
والغريب في هذه المسألة: أنه لو كان الإخوة إخوة من أم؛ فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجباً لمن أدلى به، والعادة أن الذي يَحجب هو المدلى به، فالابن يحجب ابن الابن؛ لأن الابن مدلي بالابن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وهنا الإخوة من الأم مدلون بالأم، ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، فهي على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيها، ولا مدخل للاجتهاد فيها كما قال تعالى: { {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} }.
فيكون ميراث الأبوين على أحوال:
الحالة الأولى: إذا كان معهم ولد؛ فلكل واحد منهما السدس، فإن كان الولد ذكراً فليس سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيباً.
الحالة الثانية : إذا ورث الميت أبواه فقط؛ أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين، لا إخوة، ولا فرع وارث، فميراث الأم الثلث بالنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني.
فمثلاً : لو أعطاك شخص مالاً مضاربة تشتغل فيه، وقال: لك ربع الربح، فإنه يكون لصاحب المال ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر.
الحالة الثالثة : إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة، فللأم السدس، وإن كان الإخوة غير وارثين، والباقي للأب، والإخوة يسقطون، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[(22)].
وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على حكم ميراث الفروع والأصول، وقد بدأت بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن تبدأ بالأصول؛ لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن بدأت بالفروع لأنهم بضعة من الميت وجزء منه، والأصول بالعكس، فإن الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى، وهذه من الحكم العظيمة؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله عزّ وجل بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا.
أما الأزواج والحواشي، فقد ذُكروا بعد هذه الآية مباشرة؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروض، وليس فيها عصبة، وهي قوله تعالى: {{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}} [النساء: 12] .. الآية، وقد ذكر فيها الزوجان، والإخوة من الأم، وكلهم أصحاب فروض، ولهذا قال الله تعالى فيها: {{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}} [النساء: 13] الآية، وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب، ولهذا قال الله تعالى فيها: {{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}} [النساء: 176] .
مسألة : هلك هالك عن جد وأخ وأم، فنقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس هناك فرع وارث، ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يُضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ، ولا يحجب الأم، كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وقد ذكر العلماء صورتها فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة، وأتت بولد، وعرض على القافة الذين يعرفون الأنساب بالشبه، فقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعاً، فصار له أبوان، ولكل أب أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، والأدلة على ضعف إلحاق الجد بالإخوة أدلة كثيرة.
وقوله تعالى: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} } أي: أن هذا الميراث الذي قسمه الله عزّ وجل إنما يكون { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} }، وفي قراءة «يُوصَى بها» بالبناء للمجهول، { {أَوْ دَيْنٍ} }، والوصية في الأصل هي العهد بالشيء المهم، وهي اصطلاحاً: التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بتصرف، وإذا أوصى شخص بمائة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، وهو التبرع بالمال بعد الموت.
وقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} } مطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا تزيد الوصية على الثلث، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين عاده النبي صلّى الله عليه وسلّم في مكة فقال له سعد: إني ذو مال ـ يعني: ذو مال كثير ـ ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» . قال: فالشطر؟ قال: «لا» . قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»[(23)] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع»، يعني: لكان أحسن؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «والثلث كثير»[(24)]، ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد رضي الله عنه.
ويُذكر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: «أرضى بما رضيه الله لنفسه»[(25)]، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء، فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن لشُح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، فيندر جداً أن ترى شخصاً أوصى بخمس ماله، وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس، وأن يقولوا لهم: إن الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه.
وقد دل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، فالشرط الأول: أن لا تزيد على الثلث.
والشرط الثاني: أن لا تكون لوارث، ووجه الدلالة قوله تعالى: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} }، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تلي هذه لما ذكر الإرث: { {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *} {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا}} [النساء: 13 ـ 14] ، ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس، فقد تعدى حدود الله، فإن فرض الله لها هو السدس، وهو زاد على ذلك الخمس، فصار ميراثها أكثر من الثلث، وهذا تعدٍ لحدود الله.
فالوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين، وهما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون لوارث.
وقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} } في قوله { {يُوصِي بِهَا} } دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرات المرض، ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل، ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقة لم يوص بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها، إلا إذا صدّق الورثة ـ وهم راشدون ـ بذلك، فالحق لهم.
وقوله: { {أَوْ دَيْنٍ} } الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوج دين، وأرش الجراحات دين، فكل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال.
وأيهما يقدم: الدين أم الوصية؟
الجواب: يقدم الدين قبل الوصية، كما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية»[(26)]، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب، والوصية من باب التبرع، بمعنى: أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والوصية مستحبة وليست بواجبة، والنظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين في الآية؟
فنقول: الحكمة هي:
أولاً : العناية بالوصية، والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.
ثانياً : أن الدين له من يطالب به، فلو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة، فإن صاحب الدين لن يسكت، بل لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها، ولم يعلم بها الموصى له، فليس هناك من يطالب بها، فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها، لا ليقدموها على الدين، فالدين مقدم، ثم الوصية، ثم الميراث.
فإذا هلك هالك عن ورثة، وكان عليه دين يستغرق نصف ماله، وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة، للدين ثلاثة، وللوصية ثلث واحد، فالمأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فتكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين، وهي ثلاثة من ستة، فيعطى صاحب الوصية ثلث الباقي وهو واحد، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة، فقدمنا الدين على الوصية، وجعلنا النقص على الوصية، ولولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكنه الآن لم يأخذ إلا واحداً من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية.
مسألة : هل يجوز للأب أن يوصي لابنه الكافر؟
الجواب: نقول : الكافر لا يرث من المسلم، فما دام أنه لا يرث فيوصي له، ولكن في بره تفصيل بيّنه الله في سورة الممتحنة، فقال تعالى: { {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ} } وهذا إحسان { {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}} [الممتحنة: 8] وهذه المعاملة بالعدل، فما نُهي الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل، أو بالفضل، بشرط ألا يكون ممن يقاتلوننا في الدين.
مسألة : إنسان له دين مؤجل، فهل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟
نقول: إن وَثَّق الورثة برهن مُحرز، أو كفيل مليء، فالدين باقٍ على ما هو عليه لا يَحِل، وإن لم يوثقوه حل الدين ووجب البيع.
ثم قال تعالى: { {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} } فلما قسم سبحانه القسمة على ما اقتضته حكمته؛ قطع خط الاعتراض على هذه القسمة بقوله: { {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} }.
فلو قال قائل: إن الآباء أحق من الأبناء؛ لأن برهم واجب، وقال الآخر: إن الأبناء أحق من الآباء؛ لأنهم قصر يحتاجون إلى رعاية في الغالب، فنقول: وراء ذلك كله حكمة الله عزّ وجل، فنحن لا ندري: آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعاً.
والآية تعم التفصيل بين الجنس والجنس، وبين الأبناء، فهي تعم المعنيين، فلا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء؟ ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر؟ وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى؟
وكثيراً ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيراً ما يكون الابن الأصغر أرحم من الابن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل الأبر من الأبناء فيما بينهم الكبير أو الصغير أو المتوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم؛ وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله عزّ وجل.
ثم قال تعالى: { {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} } قوله: { {فَرِيضَةً} } مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نابت عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضة، وعلى الثاني نجعل { {فَرِيضَةً} } هي نفسها العامل، ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيداً لما سبق، ويسمى هذا: المصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك: كأنت ابني حقاً.
فكلمة «حقاً» ليس لها عامل، لكنها تؤكد الجملة التي سبقتها.
وهذه أيضاً ليس لها عامل، لكن لما قال تعالى: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } إلى قوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ} } وقسم وقدر، صار هذا المصدر مؤكداً للجملة التي قبله.
وقوله: { {فَرِيضَةً} } الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلاً: فرض اللحم؛ أي: حزه، وفرض العصا: قطعها، وفي الشرع: ما ألزم به الشارع، ولا فرق على القول الصحيح بين ما ثبت بدليل ظني، وبين ما ثبت بدليل قطعي، وقد قال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح أنه لا فرق، فما دام أنه قد ثبت الإلزام به، فسمه فرضاً أو سمه واجباً.
وقوله: { {مِنَ اللَّهِ} } أي: صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.
وقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} } أي: كان عليماً بمن يستحق، وبمقدار ما يستحق، وحكيماً في وضع الحق في أهله، كماً وكيفاً، فهو عزّ وجل له العلم التام، وله الحكمة التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه، فلما اجتمع في حقه سبحانه العلم والحكمة، انتفى أيّ اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، ولهذا نجد الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة، لكنه جاهل، وتجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير يتخبط ويتعسف، أما من لديه علم وحكمة فإنه كامل الحُكم، وأحكامه تامة؛ والله سبحانه هو العليم الحكيم.
والعليم والحكيم من أسماء الله عزّ وجل، والعلم إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: «إدراك المعلوم» من لم يدرك، فهذا جاهل جهلاً بسيطاً، وخرج بقولنا: «على ما هو عليه» من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب.
والجهل البسيط أهون من الجهل المركب، ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة: فلو سأل سائل عن غزوة بدر، فقيل له: وقعت في رمضان في السنة الثانية، فهذا المجيب عالم، ولو أجيب بأنها في السنة الثالثة، فهذا جاهل جهلاً مركباً، ولو أجيب بـ«لا أدري» فهذا جاهل جهلاً بسيطاً، وهو خير من الجهل المركب. ويقال: إن رجلاً يسمى توما يدعي الحكمة، فقال فيه القائل:
قال حمار الحكيم توما***لو أنصف الدهر كنت أركب
لأنني جاهل بسيط***وصاحبي جاهل مركب
فالحمار جاهل لكن جهله بسيط، وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر:
ومن رام العلوم بغير شيخ***يضل عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليه حتى***يكون أضل من توما الحكيم
تصدق بالبنات على رجال***يريد بذاك جنات النعيم
أي: أن توما تصدق على الناس بالنساء بدون عقد نكاح؛ ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، فهذا هو الجهل المركب.
و«الحكيم» مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو عزّ وجل حاكم، وهو محكم، فعليه تكون «حكيم» بمعنى «فاعل» إذا كانت من الحكم، وبمعنى «محكم» إذا كانت من الحكمة، و«حكيم» يأتي بمعنى محكم، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع***يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله: «السميع» أي: المسمع.
وحكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي.
فقول أخي يوسف: { {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}} [يوسف: 80] هذا حكم كوني، ولهذا لم يقل: «علي» بل قال: «لي»؛ أي: يُقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة عندما ذكر أحكام النساء: { {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}} [الممتحنة: 10] هذا حكم شرعي.
والفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية: فما تعلق بما يحبه فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه، فهذا شرعي، وما تعلق بتقديره، سواء أحبه أم لم يحبه، فهو كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يُمتثل وقد لا يمتثل.
أما على الوجه الثاني في «الحكيم» وهو المحكم، فنقول: الحكمة وضع الشيء في موضعه، وتتعلق بالحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة، فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلاً: الحكم الكوني إذا حكم الله عزّ وجل على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، فهذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة، وهذه حكمة { {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *}} [الروم: 41] .
وقد خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائماً منتصباً وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف من قيام وركوع وسجود لا تتم إلا على خلقه على هذا الوجه، فلذلك خلقه الله تعالى قائماً منتصباً دون غيره من الحيوانات، فكونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية من ذلك أداء الوظائف التي كلفه الله بها هذه حكمة أخرى، وهكذا في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبه ذلك.
وفي الشرع أيضاً حكمة على الصورة المعينة وحكمة في الغاية، فكون الشرع جاء على هذا الوجه: الصلوات الخمس، وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا فإن الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، فلا بد أن يكون هناك سبب، فهذه حكمة، والغاية من الصلاة حكمة أيضاً.
إذاً: فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها، وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعاً: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه، وكل هذه المعاني الجليلة العظيمة يتضمنها قوله: «حكيماً»، فأسماء الله في الحقيقة مملوءة من المعاني، وهي حسنى كما وصفها الله عزّ وجل.
من فوائد الآية الكريمة:
1 ـ أن الله أرحم بالإنسان من والديه، لقوله: { {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} }، فالذي يوصيك بالشيء هو أرحم به منك، وأشد عناية به منك، ولهذا إذا وصى الإنسان أحداً على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي.
2 ـ الحكمة في توزيع الميراث، فإنه يشمل جميع الأولاد، ولا يقتصر على الصغار فقط، أو على ذوي الحاجة، أو على من كان لا يكتب، وما أشبه ذلك، وهذا من الحكمة، من أجل أن لا يحصل ما يسمى في العرف الاصطلاحي «بتبديد الثروة» أي: توزيع الثروة، حتى لا تنحسر، فإن هذا المال الذي هو ملايين كان يملكه واحد، والآن يملكه عدد كثير، ثم هذا العدد إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة.
3 ـ وهناك حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وفي ذلك حكم:
منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية أكثر من الأنثى، فإن عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فَرُوعِي ذلك في قسمة المواريث، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
ومنها: بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافاً للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور، وخلافاً لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئاً، يقولون: لا نورث إلا من يحمي الذمار، ويركب الخيل، ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت فليس لها ميراث، لكن الإسلام أعطاها الميراث، إلا أنها ليست مثل الذكر.
4 ـ أنه ينبغي للإنسان أن يختار من الألفاظ الأحسن والأمثل، وإن كان المؤدى واحداً، فإن الله قال: { {مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} } ولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر، فحسن التعبير له أثر.
ومعلومة قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، فدعى بعابر يعبر الرؤيا، فقال: أيها العابر عبر لي هذه الرؤيا، فقال: أيها الملك! تموت حاشيتك وأهلك، فارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه روع الملك، ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله، فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمراً، ففرح الملك، وأمر له بجائزة، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس.
5 ـ أن ميراث النساء الخلص البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف.
6 ـ أن الإرث شامل لجميع التركة من عقار، ومنقول، وحيوان، ومنافع، وحقوق، ويؤخذ هذا من قوله: { {مِمَّا تَرَكَ} }، فكل ما ترك فهو داخل في الإرث، ولهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وورثه آخرون خارج البيت، يتمتع بما في البيت من طعام وغيره، ويسكن أيضاً، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يُخصم من ميراثه، وكذلك تُضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين موت الرجل.
7 ـ أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة الإناث، ويؤخذ من قوله: { {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} }.
8 ـ الحكمة في تقديم ميراث الأولاد على ميراث الأبوين؛ لأن الأولاد بضع من أبيهم أو أمهم، فلذلك قدم ذكرهم على الأبوين.
9 ـ أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث، كان للأم الثلث والباقي للأب، لقوله: { {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمِّهِ الثُّلُثُ} }، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثاً بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر.
10 ـ أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين السدس، لا يزيد إلا مع الإناث، فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيباً.
11 ـ أن للأم السدس مع جمع من الإخوة، لقوله: { {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} }، وظاهر الآية: سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرَّعة لما بعدها على ما قبلها.
فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء؛ فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس، أو وجدت أم وإخوة كفرة؛ فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس، يعني: لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلُّون، فإن لأمه الثلث، ولا يحجبها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس؛ لأنهم كفار لا يرثون؟
فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلاً، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث، لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء، ليسوا أهلاً للميراث أصلاً؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للإنسان الميت في دينه، وأن يكونوا أحراراً، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، فهم أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كعدمه، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر.
12 ـ أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت، لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنّة: أن رجلاً وقصته راحلته وهو واقف بعرفة، فسئل النبي صلّى الله عليه وسلّم عنه فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه»[(27)]، ولم يذكر هل عليه دين، أو وصية، فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين؛ ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدماً على الوصية والدين؛ كالمحجور عليه عند الإفلاس، فالمحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه، ومنعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، فإنه يبقى له.
13 ـ وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} }، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.
14 ـ أن الرق مانع من الإرث، ويؤخذ من قوله: { {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} }.. إلى قوله: { {وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} }، ووجه ذلك أن اللام تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك.
15 ـ الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، وذلك أن الزوج أو الزوجة إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا؛ للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه، وللأب الباقي.
16 ـ أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس، لقوله: { {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} }، بخلاف الأبناء أو البنات، فإن الواحد يحجبها إلى السدس، لقوله تعالى: { {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} }، و{ {وَلَدٌ} } نكرة في سياق الشرط، فيعم الواحد والمتعدد والذكر والأنثى.
17 ـ أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية، لقوله: { {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} }، ولكن الدّين قد يستغرق جميع التركة، فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدّين والوصية، وهو: أن الدّين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة.
وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مائة ألف، وعليه دين يبلغ مائة ألف، فليس للورثة شيء، ولو مات ميت وقد أوصى بمائة ألف، ولما مات وجدنا ميراثه مائة ألف، فنرد المائة ألف إلى الثلث ما لم تُجِز الورثة.
18 ـ أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}} [النساء: 12] ، فالدّين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى؛ كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، فقد قدم هارون في سورة طه، قال تعالى: { {بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}} [طه: 70] ؛ لاعتبارات، وهي: مراعاة الفواصل، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن.
19 ـ قصور علم الإنسان، فأقرب الناس إلى الإنسان آباؤه وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعاً، فما بالك بالبعيد! وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال الله تعالى: { {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً *}} [الإسراء: 85] ، فالروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل.
20 ـ وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث؛ وأنه فرض، ويؤخذ من قوله: { {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} }، وعلى هذا فتعلم الحساب الفرضي ـ إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه ـ تعلمه فرض، وإن كان لا يتوقف عليه فليس بفرض، وتعلم الحساب في الفرائض وسيلة، فإذا كان وسيلة فننظر: إن احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، ولكن في الغالب أننا نحتاج إليه، فلو جاء إنسان وقال مثلاً: اقسم بين زوج، وأم، وأخ من أم. فنقول: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن نقول مثلاً: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد. فإن هذا ليس بلازم، لكن أحياناً يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صار معرفة الحساب فريضة كالأصل.
21 ـ أن أمر الفرائض إلى الله، لقوله: { {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} }، ونقول: ذلك وإن كان أمراً معلوماً، لكن من أجل الأدب في الفتيا، فقد كان الإمام أحمد رحمه الله مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة، أو أنه حرام، إلا إذا ورد به النص، وإلا فإنه يقول: «لا يفعل»، «أكره هذا»، «لا يعجبني»، وما أشبه ذلك، وهذا من باب الورع، أما نحن فتجد الواحد منا يقول: هذا يحرمه الشرع، أو هذا حرام في الشرع، سبحان الله! وربما أن هذا الرجل لو بُحث معه في أدنى مسألة لما عرفها، ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الاجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهلاً للاجتهاد.
لكن لو سأل سائل: ما تقول في الميتة؟ فقل: حرام؛ لأن هذا ورد في القرآن.
إذاً: يجب على الإنسان أن يتحرز، وكثيراً ما يلجئنا بعض الناس إلى ذلك، كأن تكون المسألة عندنا ليست واضحة في التحريم، ثم نقول: لا تفعل، فيقول: أهو حرام؟ ويصر على ذلك، ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل، ويكفينا هذا حجة عند الله عزّ وجل؛ لأن بعض الناس قد يلجئك، ومعنى كلامه: أنه إن كان حراماً فما أنا بفاعله، وإن كان غير حرام فسأفعله، وإن كان فيه شبهة... هذا هو معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزمني أن أقول: هو حرام، إذا لم يتبين لي الأمر فيه.
بل إن بعض الناس عنده جدل، فأقول له: نهى عنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فيقول: لكن هل النهي للتحريم؟ سبحان الله! إذا نهى عنه الرسول فاتركه، وانتهِ عنه، فإن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان للكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد، إذ أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فيكون الزهد أعلى؛ لأن بين ما ينفع وما يضر مرتبة، وهي ما لا نفع فيه ولا ضرر، فالزاهد يتركه، يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، والورع أن لا يترك إلا الحرام، إذاً: طبقة التاركين للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد.
22 ـ إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم، لقوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}}.
23 ـ من الفوائد اللغوية: أن: { {كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان في قوله: { {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}}، لكان الرب عزّ وجل الآن ليس عليماً ولا حكيماً، لكنها أحياناً تسلب دلالتها على الزمان، ويكون مدلولها مجرد الحدث، أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف ولعله ابن عباس رضي الله عنهما: «إن الله كان غفوراً رحيماً ولم يزل غفوراً رحيماً»، خوفاً من هذا الوهم، وهو أن { {كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} للماضي فقط، ولهذا لو سئلت عن رجل: هل كان غنياً؟ فتقول: كان غنياً، والمعنى: وأما الآن ففقير، وإذا سئلت عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهداً، والآن ليس مجتهداً.
إذاً: { {كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}} في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحياناً تسلب دلالتها على الزمان، فتكون لمجرد الوصف بخبرها.
24 ـ أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، ووجهه: إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن، وأعلم أنه ما قضى قضاءً شرعياً إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاءً كونياً إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه عزّ وجل تسليماً تاماً، وينشرح صدره بقضائه وقدره وشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد، ولهذا انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم كيف كان قبولهم للشرع.
فحينما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للنساء: «يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار»[(28)]، بدأت الواحدة تأخذ خرصها أو خاتمها أو سوارها وتقول: يا بلال! أعطنا ثوبك، فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال، حليها الذي تتجمل به لزوجها تخلعه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهن أن يتصدقن، وهذا امتثال غريب!!
والرجل الذي نزع النبي صلّى الله عليه وسلّم خاتمه من إصبعه ـ والذهب حرام على الرجال ـ وطرحه ورمى به، فقيل للرجل: خذه، فقال: لا آخذ خاتماً طرحه النبي صلّى الله عليه وسلّم[(29)].. إنه امتثال عجيب!


البقية من هنا : [عذراً, فقط الأعضاء يمكنهم مشاهدة الروابط ]




تفسير سورة النساء للشيخ ابن عثيمين

التوقيع

توقيع
رد مع اقتباس

عضو الماسي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 37,798
معدل تقييم المستوى: 54
محمد حمدى ناصف is on a distinguished road
افتراضي رد: تفسير سورة النساء للشيخ ابن عثيمين
2#
21 - 05 - 2018, 04:59 PM
جزاكم الله خيرا

ودى واحترامى

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
بعدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته
محمد حمدى ناصف غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس


إضافة رد



جديد مواضيع القسم الاسلامي

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير سورة النساء لابن عثيمين وميض الأمل القسم الاسلامي 1 01 - 05 - 2018 06:42 AM


06:37 PM