
يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة ) . قال ابن العربي: هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده؛ أما إنا نقول: سورة « المائدة، ونعمت الفائدة » فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن. وقال ابن عطية: وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب ) . ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى: « ولا يجرمنكم شنآن قوم » [ المائدة: 2 ] الآية. وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار. وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة. وقال أبو ميسرة: « المائدة » من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها؛ وهي: « المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع » [ المائدة: 3 ] ، « وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام » ، « وما علمتم من الجوارح مكلبين » [ المائدة: 4 ] ، « وطعام الذين أوتوا الكتاب » [ المائدة: 5 ] « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » [ المائدة: 5 ] ، وتمام الطهور « إذا قمتم إلى الصلاة » [ المائدة: 6 ] ، « والسارق والسارقة » [ المائدة: 38 ] ، « لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم » [ المائدة: 95 ] إلى قوله: « عزيز ذو انتقام » [ المائدة: 95 ] و « ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام » [ المائدة: 103 ] . وقوله تعالى: « شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت » [ المائدة: 106 ] الآية.
يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ) ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا؛ قال جبير بن نفير: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت: هل تقرأ سورة « المائدة » ؟ فقلت: نعم، فقالت: فإنها من آخر ما أنزل الله، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وقال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله: « ولا الشهر الحرام ولا الهدي » [ المائدة: 2 ] الآية. وقال بعضهم: نسخ منها « أو آخران من غيركم » [ المائدة: 106 ] .
هذا بيان للناس من الله ورسوله « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » فكتب الآيات فيها إلى قوله: « إن الله سريع الحساب » [ المائدة: 4 ] ) . وقال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض. وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب؛ قال صلى الله عليه وسلم
المؤمنون عند شروطهم ) وقال
كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله؛ فإن ظهر فيها ما يخالف رد؛ كما قال صلى الله عليه وسلم
من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) . ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته؛ فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم
لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان جلفا ما أحب أن لي به خمر النعم ولو أدعي به في الإسلام لأجبت ) . وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام
وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ) لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله. قال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد؛ فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال عبدالله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا؛ وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك؛ وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك؛ فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه.
وكل ذي ناب من السباع حرام ) . فإن قيل: الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة؛ قلنا: كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله؛ والدليل عليه أمران: أحدهما: حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله. الثاني: حديث ابن مسعود: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؛ الحديث. وسيأتي في سورة « الحشر » . ويحتمل « إلا ما يتلى عليكم » الآن أو « ما يتلى عليكم » فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة.
المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) إلى أن قال
كالهدي بيضة ) فسماها هديا؛ وتسمية البيضة هديا لا محمل له إلا أنه أراد به الصدقة؛ وكذلك قال العلماء: إذا قال جعلت ثوبي هديا فعليه أن يتصدق به؛ إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما تلقي من عرف الشرع في قوله تعالى: « فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي » [ البقرة: 196 ] وأراد به الشاة؛ وقال تعالى: « يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة » [ المائدة: 95 ] وقال تعالى: « فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي » [ البقرة: 196 ] وأقله شاة عند الفقهاء. وقال مالك: إذا قال ثوبي هدي يجعل ثمنه في هدي. « والقلائد » ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم؛ فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد ثم نسخ. قال ابن عباس: آيتان نسختا من « المائدة » آية القلائد وقوله: « فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم » [ المائدة: 42 ] فأما القلائد فنسخها الأمر بقتل المشركين حيث كانوا وفي أي شهر كانوا. وأما الأخرى فنسخها قوله تعالى: « وأن احكم بينهم بما أنزل الله » [ المائدة: 49 ] على ما يأتي. وقيل: أراد بالقلائد نفس القلائد؛ فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلبا للأمن؛ قاله مجاهد وعطاء ومطرف بن الشخير. والله أعلم. وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض. وأتفق الفقهاء على أن من قال: لله علي هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة. وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامة أنه لله سبحانه؛ من نعل أو غيره، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي سنة البقر والغنم. قالت عائشة رضي الله عنها: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها؛ أخرجه البخاري ومسلم؛ وإلى هذا صار جماعة من العلماء: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب؛ وأنكره مالك وأصحاب الرأي وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بلغ لكنهم ردوه لانفراد الأسود به عن عائشة رضي الله عنها؛ فالقول به أولى. والله أعلم. وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أشعرت كالبدن؛ قال ابن عمر؛ وبه قال مالك. وقال الشافعي: تقلد وتشعر مطلقا ولم يفرقوا. وقال سعيد بن جبير: تقلد ولا تشعر؛ وهذا القول أصح إذ ليس لها سنام، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل. والله أعلم.
إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد وتشعر على مكان كذا وكذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي ) وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة. في إسناده عبدالرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة وهو ضعيف. فإن قلد شاة وتوجه معها فقال الكوفيون: لا يصير محرما؛ لأن تقليد الشاة ليس بمسنون ولا من الشعائر؛ لأنه يخاف عليها الذئب فلا تصل إلى الحرم بخلاف البدن؛ فإنها تترك حتى ترد الماء وترعى الشجر وتصل إلى الحرم. وفي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندي. العهن الصوف المصبوغ؛ ومنه قوله تعالى: « وتكون الجبال كالعهن المنفوش » [ القارعة: 5 ] .
إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) فقال: حسن، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه
يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ) ثم خرج من عنده فقال عليه الصلاة والسلام
لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم ) . فمر بسرح المدينة فاستاقه؛ فطلبوه فعجزوا عنه، فانطلق وهو يقول:
هذا الحطم وأصحابه ) . وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى مكة، فتوجهوا في طلبه؛ فنزلت الآية، أي لا تحلوا ما أشعر لله وإن كانوا مشركين؛ ذكره ابن عباس.
أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) وقد مضى القول في هذا. ونظير هذه الآية « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » [ البقرة: 194 ] وقد تقدم مستوفى. ويقال: فلان جريمة أهله أي كاسبهم، فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب وأجرم فلان أي أكتسب الإثم. ومنه قول الشاعر:
الدال على الخير كفاعله ) . وقد قيل: الدال على الشر كصانعه. ثم قيل: البر والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرر باختلاف اللفظ تأكيدا ومبالغة، إذ كل بر تقوى وكل تقوى بر. قال ابن عطية: وفي هذا تسامح ما، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز. وقال الماوردي: ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وقال ابن خويز منداد في أحكامه: والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه؛ فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ) . ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له ورده عما هو عليه. ثم نهى فقال: « ولا تعاونوا على الإثم والعدوان » وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن « العدوان » وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى وتوعد توعدا مجملا فقال: « واتقوا الله إن الله شديد العقاب » .
عمدا صنعته يا عمر ) . فلم سأله عمر واستفهمه؟ قيل له: إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر؛ والله أعلم. وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر؛ قال حميد: قلت لأنس: وكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا؛ قال: حديث حسن صحيح؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
الوضوء على الوضوء نور ) فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة، وقد سلم عليه وجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال
إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ) رواه الدارقطني. وقال السدي وزيد بن أسلم: معنى الآية « إذا قمتم إلى الصلاة » يريد من المضاجع يعني النوم، والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير؛ التقدير: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - يعني الملامسة الصغرى - فاغسلوا؛ فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر. ثم قال: « وإن كنتم جنبا فاطهروا » فهذا حكم نوع آخر؛ ثم قال للنوعين جميعا: « وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا » [ النساء: 43 ] . وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره. وقال جمهور أهل العلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين؛ وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير، بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله: فاطهروا « ودخلت الملامسة الصغرى في قوله » محدثين « . ثم ذكر بعد قوله: « وإن كنتم جنبا فاطهروا » حكم عادم الماء من النوع جميعا، وكانت الملامسة هي الجماع، ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد؛ وهذا تأويل الشافعي وغيره؛ وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم.»
إنما الأعمال بالنيات ) . قال البخاري: فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام؛ وقال الله تعالى: « قل كل يعمل على شاكلته » [ الإسراء: 84 ] ، يعني على نيته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم
ولكن جهاد ونية ) . وقال كثير من الشافعية: لا حاجة إلى نية؛ وهو قول الحنفية؛ قالوا: لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها، فأما ما كان شرطا لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه، والطهارة شرط؛ فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة، كالحائض والنفساء. احتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى: « إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم » فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطا في صحة الفعل؛ أن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به؛ فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم يجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلوم أن الذي اغتسل تبردا أو لغرض ما، قصد أداء الواجب؛ وصح في الحديث أن الوضوء يكفر؛ فلو صح بغير نية لما كفر. وقال تعالى: « وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين » [ البينة: 5 ] .
تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) . قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا يتعدى بالوضوء حدوده؛ لقوله عليه السلام
فمن زاد فقد تعدى وظلم ) . وقال غيره: كان هذا الفعل مذهبا له ومما انفرد به، ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من قوله عليه السلام
أنتم الغر المحجلون ) ومن قوله
تبلغ الحلية ) كما ذكر.
سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ) فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه. وفى مصنف أبي داود من حديث عثمان: فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ. احتج من قال: يغسل ظاهرهما مع الوجه، وباطنها يمس مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس؛ فما واجهك من الأذنين وجب غسله؛ لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس، وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس والربيع وغيرهم. احتج من قال: هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث الصنابحي
فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج أذنيه ) الحديث أخرجه مالك.
وأرجلكم ) هذا من المقدم والمؤخر من الكلام. وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين. وكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرأ ( وأرجلكم ) بالنصب. وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيد لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي غسل فيه الرجل والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن. فإن قيل: إن المسح على الخفين منسوخ بسورة ( المائدة ) - وقد قال ابن عباس، ورد المسح أبو هريرة وعائشة، وأنكره مالك في رواية عنه - فالجواب أن من نفى شيئا وأثبته غيره فلا حجة للنافي، وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن: حدثني سبعون رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين؛ وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه؛ قال إبراهيم النخعي: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه. وقال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول ( المائدة ) وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية الواقدي عن عبدالحميد بن جعفر عن أبيه أن جريرا أسلم في ستة عشر من شهر رمضان، وأن ( المائدة ) نزلت في ذي الحجة يوم عرفات، وهذا حديث لا يثبت لوهاه ؟؟؛ وإنما نزل منها يوم عرفة « اليوم أكملت لكم دينكم » على ما تقدم؛ قال أحمد بن حنبل: أنا استحسن حديث جرير في المسح على الخفين؛ لأن إسلامه كان بعد نزول ( المائدة ) وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم؛ ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت: سله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الحديث. وأما مالك فما روي عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال: إني كنت أخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرا فيما بجب عليه. وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر. قال أحمد: كما روي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال: حبب إلى الوضوء؛ ونحوه عن أبي أيوب. وقال أحمد رضي الله عنه: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع، فلا صلى خلفه. واله أعلم. وقد قيل: إن قوله « وأرجلكم » معطوف على اللفظ دون المعنى، وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب؛ وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى: « يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس » [ الرحمن: 35 ] بالجر لأن النحاس الدخان. وقال: « بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ » [ البروج: 21 - 22 ] بالجر. قال امرؤ القيس:
والله لا يزال كعبك عاليا ) . وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو دواد عن النعمان بن بشير ( والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) ، قال: فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب، والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم، ومنه الحديث ( ويل للعراقيب من النار ) يعني إذا لم تغسل؛ كما قال
ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ) . الخامسة عشرة: قال ابن وهب عن مالك: ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل، ولا خير في الجفاء والغلو؛ قال ابن وهب: تخليل أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين؛ وقال ابن القاسم عن مالك: من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه. وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم عن مالك نيمن توضأ على نهر فحرك رجليه: إنه لا يجزئه حتى يغسلهما بيديه؛ قال ابن القاسم: وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه.
خللوا بين الأصابع لا تخللها النار ) وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل؛ فثبت ما قلناه. والله الموفق.
نبدأ بما بدأ الله به ) . الثاني: من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون. الثالث: من تشبيه الوضوء بالصلاة. الرابع: من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك. احتج من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة، فكذلك غسل أعضاء الوضوء؛ لأن المعنى في ذلك الغسل لا التبدية. وروي عن علي أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت. وعن عبدالله بن مسعود قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك؛ قال الدارقطني: هذا مرسل ولا يثبت، والأولى وجوب الترتيب. والله أعلم.
إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ) ولا يعذب إلا على ترك الواجب؛ ولا حجة في ظاهر القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة، ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها.
نعم ) قال: يوما؟ قال
يوما ) قال: ويومين؟ قال
ويومين ) قال: وثلاثة أيام؟ قال
نعم وما شئت ) وفي رواية ( نعم وما بدا لك ) . قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل والنعمان والطبري: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام على حديث شريح وما كان مثله؛ وروي عن مالك في رسالته إلى هرون أو بعض الخلفاء، وأنكرها أصحابه.
دعهما فإني أدخلتهم طاهرتين ) ومسح عليهما. ورأى أصبغ أن هذه طهارة التيمم، وهذا بناء منه على أن التيمم يرفع الحدث. وشذ داود فقال: المراد بالطهارة ههنا هي الطهارة من النجس فقط؛ فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين. وسبب الخلاف الاشتراك في اسم الطهارة.
يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم ) فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. قال
عليك بالصعيد فإنه يكفيك ) أخرجه البخاري.
لا يقبل الله صلاة بغير طهور ) لمن قدر على طهور؛ فأما من لم يقدر فليس كذلك؛ لأن الوقت فرض وهو قادر عليه فيصلي كما قدر في الوقت ثم يعيد، فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا. وذهب الذين قالوا لا يصلي لظاهر هذا الحديث؛ وهو قول مالك وابن نافع وأصبغ قالوا: من عدم الماء والصعيد لم يصل ولم يقض إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم قبولها لعدم شروطها يدل على أنه غير مخاطب بها حالة عدم شروطها فلا يترتب شيء في الذمة فلا يقضي؛ قاله غير أبي عمر، وعلى هذا تكون الطهارة من شروط الوجوب.
عليك بالصعيد ) أحال على وجه الأرض. والله أعلم. « فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه » تقدم في « النساء » الكلام فيه فتأمله هناك.
الطهور شطر الإيمان ) أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري، وقد تقدم في « البقرة » الكلام فيه؛ قال ابن العربي: والوضوء أصل في الدين، وطهارة المسلمين، وخصوصا لهذه الأمة في العالمين. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وقال
هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم ) وذلك لا يصح؛ قال غيره: ليس هذا بمعارض لقوله عليه السلام
لكم سيما ليست لغيركم ) فإنهم كانوا يتوضؤون، وإنما الذي خص به هذه الأمة الغرة والتحجيل لا بالوضوء، وهما تفضل من الله تعالى اختص بهما هذه الأمة شرفا لها ولنبيها صلى الله عليه وسلم كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فضل نبيها صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء؛ والله أعلم. قال أبو عمر: وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون فيكتسبون بذلك الغرة والتحجيل ولا يتوضأ أتباعهم، كما جاء عن موسى عليه السلام قال: « يا رب أجد أمة كلهم كالأنبياء فاجعلها أمتي » فقال له: « تلك أمة محمد » في حديث فيه طول. وقد روى سالم بن عبدالله بن عمر عن كعب الأحبار أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى رؤيا في المنام أن الناس قد جمعوا للحساب؛ ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته، وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي بينهما، ولم اتبعه من أمته نورا واحدا يمشي به، حتى دعي بمحمد صلى الله عليه وسلم فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله يراه كل من نظر إليه، وإذا لمن اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء؛ فقال له كعب وهو لا يشعر أنها رؤيا: من حدثك بهذا الحديث وما علمك به؟ فأخبره أنها رؤيا؛ فأنشده كعب، الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ما تقول في منامك؟ فقال: نعم والله لقد رأيت ذلك؛ فقال كعب: والذي نفسي بيده - أو قال والذي بعث محمدا بالحق - إن هذه لصفة أحمد وأمته، وصفة الأنبياء في كتاب الله، لكأن ما تقوله من التوراة. أسنده في كتاب « التمهيد » قال أبو عمر: وقد قيل إن سائر الأمم كانوا يتوضؤون والله أعلم؛ وهذا لا أعرفه من وجه صحيح. وخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا ضل رجليه خرجت كل خطيئة كان مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر السماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ) . وحديث مالك عن عبدالله الصنابحي أكمل، والصواب أبو عبدالله لا عبدالله، وهو مما وهم فيه مالك، واسمه عبدالرحمن بن عسيلة تابع شامي كبير لإدراكه أول خلافة أبي بكر؛ قال أبو عبدالله الصنابحي: قدمت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فلما وصلنا الجحفة إذا براكب قلنا له ما الخبر؟ قال: دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ثلاثة أيام. وهذه الأحاديث وما كان في معناها من حديث عمرو بن عبسة وغيره تفيدك أن المراد بها كون الوضوء مشروعا عبادة لدحض الآثام؛ وذلك يقتضي افتقاره إلى نية شرعية؛ لأنه شرع لمحو الإثم ورفع الدرجات عند الله تعالى.
ارجعوا حتى يرفع إينا عرفاؤكم أمركم ) . أخرجه البخاري.
ارجعوا حتى يرفع إينا عرفاؤكم أمركم ) . أخرجه البخاري.
من كان له بيت - أو قال منزل - يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك؛ ذكره النحاس. ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك؛ وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم
من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) .
فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم أحبسها على شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه - قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيل رجل فبايعوه - قال - فلصقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول ) وذكر نحو ما تقدم. قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم؛ فكان ذلك آية له خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة خبر موسى عليه الصلاة والسلام، على ما يقال. والله أعلم. وفي هذا الحديث يقول عليه السلام
فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ) ذلك بأن الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. وهذا يرد قول من قال في تأويل قوله تعالى: « وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين » إنه تحليل الغنائم والانتفاع بها. وممن قال إن موسى عليه الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأودي، وزاد وهارون؛ وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات؛ قالوا: كذبت ولكنك قتلته لحبنا له، وكان محبا في بني إسرائيل؛ فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله؛ فانطلق بهم إلى قبره فنادي يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا؛ ولكني مت؛ قال: فعد إلى مضجعك؛ وانصرف. وقال الحسن: إن موسى لم يمت بالتيه. وقال غيره: إن موسى فتح أريحاء، وكان يوشع على مقدمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق. قال الثعلبي: وهو أصح الأقاويل.
فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر ) فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائما يصلي كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورا عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يعبد، والله أعلم. ويعني بالطريق طريق بيت المقدس. ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطور مكان الطريق. واختلف العلماء في تأويل لطم موسى عين ملك الموت وفقئها على أقوال؛ منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل، لأنه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له.
إن للموت سكرات ) على ما بيناه في كتاب « التذكرة » . وقوله: « فلا تأس على القوم الفاسقين » أي لا تحزن. والأسى الحزن؛ أسي يأسى أي حزن، قال:
إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزل عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت مسمى الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن بكره الموت وأنا أكره مساءته ) .
إذا كانت الفتنة فكن خير ابني آدم ) . وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال قلت يا رسول: إن دخل عل بيتي وبسط يده إلي ليقتلني؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
كن كخير ابني آدم ) وتلا هذه الآية « لئن بسطت إلي يدك لتقتلني » . قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ ألا يستل أحد سيفا، وألا يمتنع ممن يريد قتله. قال علماؤنا: وذلك مما يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا. وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك؛ لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للحصول عليه الدفع؛ واحتجوا بحديث أبي ذ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة؛ على ما بيناه في كتاب « التذكرة » . وقال عبدالله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج. قال ابن عطية: وهذا هو الأظهر، ومن ههنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر؛ لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج هنا وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا، ويرضى بأن يظلم ليجازي في الآخرة؛ ونحو هذا فعل عثمان رضي الله عته. وقيل: المعنى لا أقصد قتلك بل أقصد الدفع عن نفسي، وعلى هذا فيل: كان نائما فجاء قابيل ورضخ رأسه بحجر على ما يأتي ومدافعة الإنسان عمن يريد ظلمه جائزة وإن أتى على نفس العادي. وقيل: لئن بدأت بقتلي فلا أبدأ بالقتل. وقيل: أراد لئن بسطت إلى يدك ظلما فما أنا بظالم؛ إني أخاف الله رب العالمين.
إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال
إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) وكأن هابيل أراد أني لست بحريص على قتلك؛ فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت، حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي. وقيل: المعنى « بإثمي » الذي يختص بي فيما فرطت؛ أي يؤخذ في سيئاتي فتطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلك؛ وهذا يعضده قوله عليه الصلاة والسلام
يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه ) . وهذا بين لا إشكال فيه. وقيل: المعنى إني أريد ألا تبوء بإثمي وإثمك كما قال تعالى: « وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم » [ النحل: 15 ] أي لئلا تميد بكم. وقوله تعالى: « يبين الله لكم أن تضلوا » [ النساء: 176 ] أي لئلا تضلوا فحذف « لا » .
لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ) ، فثبت بهذا أن إثم القتل حاصل؛ ولهذا قال أكثر العلماء: إن المعنى؛ ترجع بإثم قتلي وإثمك الذي عملته قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة أكثر المفسرين. وقيل: هو استفهام، أي أو إني أريد؟ على جهة الإنكار؛ كقوله تعالى: « وتلك نعمة » أي أو تلك نعمة؟ وهذا لأن إرادة القتل معصية. حكاه القشيري وسئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال: إنما وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل؛ والمعنى: لئن بسطت إلى يدك لتقتلني لأمتنع من ذلك مريدا للثواب؛ فقيل له: فكيف قال: بإثمي وإثمك؛ وأي إثم له إذا قتل؟ فقال: فيه ثلاثة أجوبة؛ أحدها: أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، ويروى هذا القول عن مجاهد. والوجه الآخر: أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي؛ لأنه قد يأثم بالاعتداء وإن لم يقتل. والوجه الثالث: أنه لو بسط يده إليه أثم؛ فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك فإثمه يرجع على صاحبه. فصار هذا مثل قولك: المال به وبين زيد؛ أي المال بينهما، فالمعنى أن تبوء بإثمنا. وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل. « وباؤوا بغضب من الله » [ البقرة: 61 ] أي رجعوا. وقد مضى في « البقرة » مستوفى. وقال الشاعر:
يوم الدم فيه حاضت حواء وفيه قتل ابن آدم أخاه ) . وثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل ) . وهذا نص على التعليل؛ وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية كل من عصى بالسجود؛ لأنه أول من عصى به، وكذلك كل من أحدث في دين الله ما لا يجوز من البدع والأهواء؛ قال صلى الله عليه وسلم
من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) . وهذا نص في الخبر والشر. وقال صلى الله عليه وسلم
إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون ) . وهذا كله صريح، ونص صحيح في معنى الآية، وهذا ما لم يتب الفاعل من تلك المعصية، لأن آدم عليه السلام كان أول من خالف في أكل ما نهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه ولا شربه من بعده بالإجماع؛ لأن آدم تاب من ذلك وتاب الله عليه، فصار كمن لم يجن. ووجه آخر: فإنه أكل ناسيا على الصحيح من الأقوال، كما بيناه في « البقرة » والناسي غير آثم ولا مؤاخذ.
امتن الله على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث بالريح بعد الروح فلولا أن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما وبالدود في الجثة فلولا أن الدود يقع في الجثة لاكتنزتها الملوك وكانت خيرا لهم من الدراهم والدنانير وبالموت بعد الكبر وإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويمله أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أستر له ) . وقال قوم: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، فبعث الله غرابا يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: « يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين » ، حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة، وقيل: إنما ندمه كان على فقده لا على قتله، وإن كان فلم يكن موفيا شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه؛ فقال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه. ويقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه. ثم إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع إلى السفح وقد تفرقت عروقه. ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض. ويقال: إن قابيل استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرية، وكان لا يقدر على ما يأكله إلا من الوحش، فكان إذا ظفر به وقذه حتى يموت ثم يأكله. قال ابن عباس: فكانت الموقوذة حراما من لدن قابيل بن آدم، وهو أول من يساق من الآدميين إلى النار؛ وذلك قوله تعالى: « ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس » [ فصلت: 29 ] الآية، فإبليس رأس الكافرين من الجن، وقابيل رأس الخطيئة من الإنس؛ على ما يأتي بيانه في « حم فصلت » إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم. وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم؛ ولذلك جهلت سنة المواراة؛ وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل. وقوله « يبحث » معناه يفتش التراب بمنقاره ويثيره. ومن هذا سميت سورة « براءة » البحوث؛ لأنها فتشت عن المنافقين؛ ومن ذلك قول الشاعر:
أذهب فوار أباك التراب ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني ) فذهبت فواريته وجئته فأمرني فاغتسلت ودعا لي.
احفروا وأوسعوا وأحسنوا ) . وروي عن الأدرع السلمي قال: جئت ليلة أحرس النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإذا رجل قراءته عالية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: هذا مراء؛ قال: فمات بالمدينة ففرغوا من جهازه فحملوا نعشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ارفقوا به رفق الله به إنه كان يحب الله ورسوله ) . قال: وحضر حفرته فقال
أوسعوا له وسع الله عليه ) فقال بعض أصحابه: يا رسول الله لقد حزنت عليه؟ فقال
أجل إنه كان يحب الله ورسوله ) ؛ أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب. عن موسى بن عبيدة عن سعيد بن أبي سعيد. قال أبو عمر بن عبدالبر: أدرع السلمي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا، وروى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، كان يسمى في الجاهلية شهابا فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه هشاما، واستشهد أبوه عامر يوم أحد. سكن هشام البصرة ومات بها؛ ذكر هذا في كتاب الصحابة.
اللحد لنا والشق لغيرنا ) .
النار ) . وقد حكى أهل التواريخ والسير: أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتا. وكان اسمه يسار وكان نوبيا. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة. وفي بعض الروايات عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. وروي عن ابن عباس والضحاك: أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله » إلى قوله: « غفور رحيم » نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وممن قال: إن الآية نزلت في المشركين عكرمة والحسن، وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: « قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف » [ الأنفال: 38 ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام
الإسلام يهدم ما قبله ) أخرجه مسلم؛ والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك.
فانشد بالله ) قال: فإن أبوا علي. قال
فانشد بالله ) قال: فإن أبوا علي قال
فانشد بالله ) قال: فإن أبوا علي قال
فقاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلت ففي النار ) وأخرجه البخاري ومسلم - وليس فيه ذكر المناشدة - عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال
فلا تعطه مالك ) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال
فقاتله ) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال
فأنت شهيد ) قال: فإن قتلته؟ قال
هو في النار ) . قال ابن المنذر: ورينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم؛ هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم: إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما؛ للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص وقتا دون وقت، ولا حالا دون حال إلا السلطان؛ فإن جماعة أهل الحديث لا يحاربه ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم، من الجور والظلم، وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة.
فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة ) والله أعلم. ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره. ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: « ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » [ النساء: 116 ] أما إن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية.
فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) .
لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير؛ فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام
من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) . وقيل: إن ذلك مجاز من وجه آخر؛ وذلك أنه إذا رضى بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده. وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم. قلت: كحبال السفينة وشبه ذلك. والله أعلم.
لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ) قال أبو عمر: هذا حديث يتصل معناه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، وعبدالله هذا ثقة عند الجميع، وكان أحمد يثني عليه. وعن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال
من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ) وفي رواية. ( وجلدات نكال ) بدل ( والعقوبة ) . قال العلماء: ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع. قال أبو عمر: قول ( غرامة مثليه ) منسوخ لا أعلم أحد من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب بن أبي بلتعة؛ خرج مالك؛ ورواية عن أحمد بن حنبل. والذي عليه الناس في الغرم بالمثل؛ لقوله تعالى: « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » [ البقرة: 194 ] . وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت أتقطع من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؛ قال
فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به ) ؟. ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا، وبغيت الأطماع متعلقة بها، والآمال محومة عليها؛ فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالك فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان؛ فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب.
لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ) وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم. ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في القتل؛ قال ابن العربي: وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء؛ لئلا يتعاون على سفكها الأعداء، فكذلك في الأموال مثله؛ لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا ولا فرق بينهما. وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء؛ ذكره ابن العربي.
كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف ) ، يعني القبر؛ قلت: الله ورسول أعلم قال
عليك بالصبر ) قال حماد: فبهذا قال من قال تقطع يد السارق؛ لأنه دخل على الميت بيته. وأما المسجد، فمن سرق حصره قطع؛ رواه عيسى عن ابن القاسم، وإن لم يكن للمسجد باب؛ ورآها محرزة. وإن سرق الأبواب قطع أيضا؛ وروي عن ابن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع، وإن كان تسور عليها ليلا قطع؛ وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع، وإلا لم يقطع. قال أصبغ: يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه، كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه. وقال أشهب في كتاب محمد: لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه.
إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه ) وأسنده في كتابه. وقال بعضهم: إن الإتباع بالغرم عقوبة، والقطع عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان؛ وعليه عول القاضي عبدالوهاب. والصحيح قول الشافعي ومن وافقه؛ قال الشافعي: يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا؛ قطع أو لم يقطع، وكذلك إذا قطع الطريق؛ قال: ولا يسقط الحد لله ما أتلف للعباد، وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث ( إذا كان معسرا ) فبه احتج الكوفيون وهو قول الطبري، ولا حجة فيه؛ رواه النسائي والدارقطني عن عبدالرحمن بن عوف. قال أبو عمر: هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة، وقال ابن العربي: وهذا حديث باطل. وقال الطبري: القياس أن عليه غرم ما استهلك. ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك. قال أبو عمر: ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز؛ لأن الضعيف لا يوجب حكما.
ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي ) قال: لم يرفعه غير فهد بن سليمان، والصواب أنه موقوف. وذكر ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش ) أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة؛ قال ابن ماجة: وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس؛ أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه. وقال
مال اله سرق بعضه بعضا ) وجبارة بن المغلس متروك؛ قاله أبو زرعة الرازي. ولا قطع على صبي ولا مجنون. ويجب على الذمي والمعاهد، والحربي إذا دخل بأمان. وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف؛ وهي النصاب وقد مضى القول فيه، وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك، وابن القاسم؛ وقيل: لا قطع عليه؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة؛ لأنه ليس بمال. وقال علماؤنا: هو من أعظم المال؛ ولم يقطع السارق في المال لعينه. وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد. وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا، ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب. قال ابن القاسم: ولا يقطع سارق الكلب؛ وقال أشهب: ذلك في المنهي عن اتخاذه، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه. قال: ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم. وقال ابن حبيب قال أصبغ: إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع؛ وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع. وإن كان مما يجوز اتخاذ أصله وبيعه، فصنع منه ما لا يجوز استعمال كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر؛ فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع. وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة. وكذلك الصليب من ذهب أو فضة، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه. الوصف الثالث؛ ألا يكون للسارق في ملك، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره، ولا شبهة ملك، على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال؛ لأن له فيه نصيبا. وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سرق مغفرا من الخمس فلم ير عليه قطعا وقال: له فيه نصيب. وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال. وقيل: يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية السرقة. وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير؛ لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه. لا يقطع فيه. وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق. وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه؛ فالدور والمنازل والحوانيت جرز لما فيها، غاب عنها أهلها أو حضروا، وكذلك بيت المال حرز لجماعة المسلمين، والسارق لا يستحق فيه شيئا، وإن كان فبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية؛ ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون فوم؛ ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه. وكذلك المغانم لا تخلو: أن تتعين بالقسمة؛ فهو ما ذكرناه في بيت المال؛ وتتعين بنفس التناول لمن شهد الواقعة؛ فيجب أن براعي قدر ما سرق، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع.
أنت ومالك لأبيك ) . ويقطع في سرقة مالهما؛ لأنه لا شبهة له فيه. وقيل: لا يقطع؛ وهو قول ابن وهب وأشهب؛ لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة، ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فأن لا يقطع ابنه في ماله أولى. واختلفوا في الجد؛ فقال مالك وابن القاسم: لا يقطع. وقال أشهب: يقطع. وقول مالك أصح انه أب؛ قال مالك: أحب إلى ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة. قال ابن القاسم وأشهب: ويقطع من سواهما من القرابات. قال ابن القاسم: ولا يقطع من سرق من جوع أصابه. وقال أبو حنيفة: لا قطع على أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم؛ وهو قول الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقطع من سرق من هؤلاء. وقال أبو ثور: يقع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد؛ إلا أن يجمعوا على سيئ فيسلم للإجماع. والله أعلم.
لا تقطع الأيدي في الغزو ) ولولا ذلك لقطعته. يسر هذا يقال ولد في زمن النبي صلى الله عليه. وسلم، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه، وهو الذي ذبح طفلين لعبدالله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك. قال يحيى بن معين: كان بسر بن أرطأة رجل سوء. استدل من قال بالقطع بالقطع بعموم القرآن؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود: مخافة أن يلحق ذلك بالشرك. والله أعلم.
أحسموها ) وفي إسناده مقال؛ واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما، وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف.
اقتلوه ) فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال
اقتلوه ) ، قالوا: يا رسول إنما سرق، قال
اقطعوا يده ) ، قال: ثم سرق فقطعت رجع، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة، فقال أبو بكر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال
اقتلوه ) ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه؛ منهم عبدالله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أمروني عليكم فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضرب حتى قتلوه. وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال
اقتلوه ) . قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة. رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال: هذا حديث منكر وأحد رواته ليس بالقوي. ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا. قال ابن المنذر: ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل. وقيل: تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها، ثم إذا عاد عزر وحبس؛ وروي عن علي بن أبي طالب، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل. قال الزهري: لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل. وقال عطاء: تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع: ذكره ابن العربي وقال: أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه.
فما يمنعكم أن ترجموهما ) ، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما. وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبدالله قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه؛ فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم ) ، فقال ابن صوريا: فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم
هو ذاك ) . وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ) قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم فقال
أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ) قال: لا - ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجده الرم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) فأمر به فرجم؛ فأنزل الله تعالى: « يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر » إلى قوله: « إن أوتيتم هذا فخذوه » يقول: ائتوا محمدا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله عز وجل: « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون » [ المائدة 44 ] ، « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون » [ المائدة: 45 ] ، « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون » [ المائدة: 47 ] في الكفار كلها. هكذا في هذه الرواية ( مر على النبي صلى الله عليه وسلم ) ، وفي حديث ابن عمر: أتي بيهودي ويهودية فد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، قل
ما تجدون في التوراة على من زنى ) الحديث. وفي رواية؛ أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجل وامرأة قد زنيا. وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عمر قال: أتى تفر من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدراس فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا. ولا تعارض في شيء من هذا كله، وهي كلها قصة واحدة، وفد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك؛ قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه؛ فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال
أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ) ، فقالوا: يحمم وجهه ويجبه ويجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف به؛ قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ به النشدة؛ فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. وساق الحديث إلى أن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم
فإني أحكم بما في التوراة ) فأمر به فرجما.
اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) وأن ذلك كان حين قدم المدينة، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك. وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالإجماع، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. وقد يحتمل أن بكون حصول طريق العلم بذلك الوحي، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا فولهما مجردا؛ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بمشروعية الرجم، ومبدؤه ذلك الوقت، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبين أن ذلك حكم شريعته، وأن التوراة حكم الله سبحانه؛ لقوله تعالى: « إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا » [ المائدة: 44 ] وهو من الأنبياء. وقد قال عنه أبو هريرة
فإني أحكم بما في التوراة ) والله أعلم.
كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به ) قالوا: يا رسول الله ؛وما السحت؟ قال
الرشوة في الحكم ) . وعن ابن مسعود أيضا أنه قال: السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها. وقال ابن خويز منداد: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها. ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام. وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك.
لعن اله الراشي والمرتشي ) . وعن علي رضي الله عنه أنه قال: السحت الرشوة وحلوان الكاهن والاستجعال في القضية. وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: لا؛ إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطي ما ليس لك، أو تدفع حقا فد لزمك؛ فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام. قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ؛ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة. وهذا كما روي عن عبدالله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع؛ قال المهدوي: ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه.
أهكذا حد الزاني عندكم ) فقالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم فقال
سألت بالله أهكذا حد الزاني فيكم ) فقال: لا. الحديث، وقد تقدم. قال النحاس: فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث. فإن قال قائل: ففي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ قيل له: ليس في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر: لو تدبر من احتج بحديث البراء لم يحتج؛ لأن في درج الحديث تفسير قوله عز وجل: « إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا » [ المائدة: 41 ] يقول: إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل على أنهم حكموه. وذلك بين في حديث ابن عمر وغيره. فإن قال قائل: ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه. قيل له: حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته. ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية ) . قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به؛ والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب الله تعاق. واختلفوا في كسر الأنف. فكان مالك يرى في العمد منه القود، وفي الخطأ الاجتهاد. وروى ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله. قال أبو إسحاق التونسي: وهذا شاذ، والمعروف الأول. وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحساب من المارن. قال ابن المنذر: وما قطع من الأنف فبحسابه؛ روي ذلك عن عمر بن عبدالعزيز والشعبي، وبه قال الشافعي. قال أبو عمر: واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة، ثم إن ع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة. قال مالك: الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن؛ وهو دون العظم. قال ابن القاسم: وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من العظم من تحت العينين إنما فيه الدية؛ كالحشفة فيها الدية: وفي استئصال الذكر الدية.
كتاب الله القصاص ) . وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
في السن خمس من الإبل ) . قال ابن المنذر: فبظاهر هذا الحديث نقول؛ لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات؛ لدخولها كلها في ظاهر الحديث؛ وبه يقول الأكثر من أهل العلم. وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئا منها على شيء عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية. وفيه قول ثان - رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، وذلك خمسون دينارا، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير. وكان عطاء يقول: في السن والرباعيتين والنابين خمس خمس، وفيما بقي بعيران بعيران، أعلى الفم وأسفله سواء، والأضراس سواء؛ قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسا، والأسنان اثنا عشر سنا: أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب؛ فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرا؛ في الأسنان خمسة خمسة، وفي الأضراس بعير بعير. وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة؛ تصير الدية ستين ومائة بعير. وعلى قول سعيد بن المسيب، بعير بن بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسا. يجب لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعرة فذلك ستون، وهي تتمة لمائة بعير، وهي الدية كاملة من الإبل. والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان. قال أبو عمر: واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدا، والحجة قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري؛ بظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي السن خمس من الإبل ) والضرس سن من الأسنان. روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء ) وهذا نص أخرجه أبو داود. وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء. قال أبو عمر: على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء، وأن الأسنان في الدية كلها سواء، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء؛ على ما في كتاب عمرو بن حزم. ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال: اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح: الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما. قال أبو عمر: على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار. والله أعلم.
وفي الشفتين الدية ) ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك. وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
في اللسان الدية ) . وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به؛ قال ابن المنذر.
القصاص القصاص ) ، فقالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة؟! والله لا يقتص منها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله ) قالت: لا والله لا يقتص منها أبدا؛ قال فما زالت حتى قبلوا الدية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) .
إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ) . وخرجه أبو داود أيضا، وقال: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تبرد.
ويقضى في الملطاة بدمها ) أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأنى بها. قال: وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها؛ حدثنا هشيم عن حصين قال: قال عمر بن عبدالعزيز: ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح. وقال الحسن البصري: ليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما دون الموضحة الملطي والدامية والباضعة وما أشبه ذلك؛ وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق، حكاه ابن المنذر. وقال أبو عبيد: الدامية التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. والدامعة: أن يسيل منها دم. وليس فيا دون الموضحة قصاص بن. وقال الجوهري: والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل. وقال علماؤنا: الدامية هي التي تسيل الدم. ولا قصاص فيما بعد الموضحة، من الهاشمة للعظم، والمنقلة - على خلاف فيها خاصة - والآمة هي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي هاشمة الجسد القصاص، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم: لا قود فيها؛ لأنها لا بد تعود منقلة. وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها. وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين؛ لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان متلفا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه. وفي كسر عظام العضد القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه؛ وفعل ذلك عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أسيد بمكة. وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه فعله؛ وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا، وقال: إنه الأمر المجمع عليه عندهم، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فكسرها يقاد منه.
في المنقلة خمس عشرة من الإبل ) وأجمع أهل العلم على القول به. قال ابن المنذر: وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام. وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي - وهو قول قتادة وابن شبرمة - أن المنقلة لا قود فيها؛ وروينا عن ابن الزبير - وليس بثابت عنه - أنه أقاد من المنقلة. قال ابن المنذر: والأول أولى؛ لأني لا أعلم أحدا خالف في ذلك وأما المأمومة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
في المأمومة ثلث الدية ) . وأجمع عوام أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحدا خالف ذلك إلا مكحولا فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمدا ففيها ثلثا الدية، وإذا كانت خطأ ففي ثلث الدية؛ وهذا قول شاذ، وبالقول الأول أقول. واختلفوا في القود من المأمومة؛ فقال كثير من أهل العلم: لا قود فيها؛ وروي عن ابن الزبير أنه أقص من المأمومة، فأنكر ذلك الناس. وقال عطاء: ما علمنا أحدا أقاد منا قبل ابن الزبير. وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على حديث عمرو بن حزم؛ ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال: إذا كانت عمدا ففي ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدبة. والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة؛ فإن نفذت من جهتين عندهم جائفتان، وفيها من الدية الثلثان. قال أشهب: وقد قضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من الجنب الآخر. بدية جائفتين. وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون: لا قصاص في الجائفة. قال ابن المنذر: وبه نقول.
ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة ) . قال ابن العربي: والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل؛ فلا معنى له.
فارجعه ) وقوله
فأشهد على هذا غيري ) . واحتج الأولون بقوله عليه السلام لبشير
ألك ولد سوى هذا ) قال نعم، فقال
أكلهم وهبت له مثل هذا ) فقال لا، قال
فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور ) في رواية ( وإني لا أشهد إلا على حق ) . قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقول
أشهد على هذا غيري ) ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها؛ لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه؛ فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه. وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله قد كاه نحل أولاده نحلا يعادل ذلك.
اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) . قال النعمان: فرجع أبي فرد تلك الصدقة، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله
فارجعه ) محمول على معنى فاردده، والرد ظاهر في الفسخ؛ كما قال عليه السلام ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي مردود مفسوخ. وهذا كله ظاهر قوي، وترجيح جلي في المنع.
هم قوم هذا ) قال القشيري: فأتباع أبي الحسن من قومه؛ لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع.
إنا لا نستعين على أمرنا بالمشركين ) وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي. وأبو حنيفة جوز الانتصار بهم على المشركين للمسلمين؛ وكتاب الله تعالى يدل على خلاف ما قالوه مع ما جاء من السنة ذلك. والله أعلم.
إذ سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا - أو قال - فشنوا الغارة ) . وفي صحيح مسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، فإن سمع الأذان أمسك وإلا أغار الحديث وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود: الأذان فرض، ولم يقولوا على الكفاية. قال الطبري: الأذان سنة وليس بواجب. وذكر عن أشهب عن مالك: إن ترك الأذان مسافر عمدا فعليه إعادة الصلاة. وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة؛ قالوا: وأما ساكن المصر فيستحب له أن يؤذن ويقيم؛ فإن استجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه. وقال الثوري: تجزئه الإقامة عن الأذان في السفر، وإن شئت أذنت وأقمت. وقال أحمد بن حنبل: يؤذن المسافر على حديث مالك بن الحويرث. وقال داود: الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولصاحبه: « إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما ) خرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له
إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما ) . قال ابن المنذر: فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب. قال أبو عمر: واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته؛ وكذلك لو ترك الإقامة عندهم، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة. واحتج الشافعي في أن الأذان غير واجب وليس فرضا من فروض الصلاة بسقوط الأذان للواحد عند الجمع بعرفه والمزدلفة، وتحصيل مذهب مالك في الأذان في السفر كالشافعي سواء. »
الصلاة خير من النوم ) . وروي عنه أيضا ذلك من حديث عبدالله بن زيد. وروي عن أنس أنه قال: من السنة أن يقال في الفجر « الصلاة خير من النوم » . وروي عن ابن عمر أنه كان يقوله؛ وأم قول مالك في « الموطأ » أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال: الصلاة خير من النوم؛ فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا روي عن عمر من جهة يحتج بها وتعلم صحتها؛ وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له « إسماعيل » فأعرفه؛ ذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له « إسماعيل » قال: جاء المؤذن يؤذن عمر بصلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم « فأعجب به عمر وقال للمؤذن: » أقرها في أذانك « . قال أبو عمر: والمعنى فيه عندي أنه قال له: نداء الصبح موضع القول بها لا هاهنا، كأنه كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء بعد. قال أبو عمر: وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه؛ لأن التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء، والعامة من أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه جهل شيئا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به مؤذنيه، بالمدينة بلالا، وبمكة أبا محذورة؛ فهو محفوظ معروف في تأذين بلال، وأذان أبي محذورة في صلاة الصبح للبي صلى الله عليه وسلم؛ مشهور عند العلماء. روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت » حي على الفلاح « فقل: الصلاة خير من النوم؛ فإنه أذان بلال؛ ومعلوم أن بلالا لم يؤذن قط لعمر، ولا سمعه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها. »
إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) . وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن: لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها لقول رسول الله صلى الله علي وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه
إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما ) وقياسا على سائر الصلوات. وقالت طائفة من أهل الحديث: إذا كان للمسجد مؤذنان أذن أحدهما قيل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر.
إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم ) . قال أبو عمر: عبدالرحمن بن زياد هو الإفريقي، وأكثرهم يضعفونه، وليس يروي هذا الحديث غيره؛ والأول أحسن إسنادا إن شاء الله تعالى. وإن صح حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه؛ فالقول به أولى لأنه نص في موضع الخلاف، وهو متأخر عن قصة عبدالله بن زيد مع بلال، والآخر؛ فالآخر من أمر رسول الله أولى أن يتبع، ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذن واحدا راتبا أن يتولى الإقامة؛ فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع، والحمد لله.
إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن ) . ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة العلماء، ويلوي رأسه يمينا وشمالا في « حي على الصلاة حي على الفلاح » عند كثير من أهل العلم. قال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يسمع الناس؛ وبه قال إسحاق، والأفضل أن يكون متطهرا.
إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله، قال أشهد أن إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر، ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجن ) . وفيه عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ما تقدم من ذنبه ) .
إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له صراط حتى لا يسمع التأذين ) الحديث. وحسبك أنه شعار الإسلام، وعلم على الإيمان كما تقدم. وأما المؤذن فروى مسلم عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ) . وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم. والله أعلم. والعرب تكني بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم؛ كما قال قائلهم:
لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ) . وفي سنن ابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار ) وفيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة ) . قال أبو حاتم: هذا الإسناد. منكر والحديث صحيح. وعن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا ) حديث ثابت.
أيكم الذي سمعت صوته قد ارتدع ) فأشار إلى القوم كلهم وصدقوا فأرسل كل وحبسني وقال لي
قم فأذن ) فقمت ولا شيء أكره إلي من أدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دلا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال
قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ) ، ثم قال لي
ارفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ) ، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، قد وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محدورة؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
بارك الله لك وبارك عليك ) ، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، قال
قد أمرتك ) . فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لفظ ابن ماجة.
نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله: « ونحن له مسلمون ») [ البقرة: 133 ] ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم؛ فنزلت هده الآية وما بعدها، وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان؛ فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد، ولمحمد بالنبوة، والمتناقض دين من فرق بين أنبياء الله لا دين من يؤمن بالكل. ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها. و « تنقمون » معناه تسخطون، وقيل: تكرهون وقيل: تنكرون، والمعنى متقارب؛ يقال: نقم من كذا ينقم ونقم ينقم، والأول أكثر قال عبدالله بن قيس الرقيات:
وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا، كقائم وقيام، ويجوز أن يكون جمع عبد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ( وعبد الطاغوت ) على المفعول، والتقدير: وعبد الطاغوت فيهم. وقرأ عون العقيلي وابن بريدة
وعابد الطاغوت ) على التوحيد، وهو يؤدي عن جماعة. وقرأ ابن مسعود أيضا ( وعبد الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة؛ كما قال تعالى
قالت الأعراب ) [ الحجرات: 14 ] وقرأ عبيد بن عمير
وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب. فهذه اثنا عشر وجها.
أن به فابدأ فإنه لم يتعمر وجهد في ساعة قط ) . وفي صحيح الترمذي
إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . وسيأتي. والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة؛ يقال: سيف صنيع إذا جود عمله.
يد الله مغلولة ) فهذا على التمثيل كقوله
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ) [ الإسراء: 29 ] . ويقال للبخيل: جعد الأنامل، ومقبوض الكف، وكز الأصابع، ومغلول اليد؛ قال الشاعر:
يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم ) . وتدون لإضافة الفعل إلى المخبر عند تشريفا له وتكريما؛ قال الله تعالى: « يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي » [ ص: 75 ] فلا يجوز أن يحمل على الجارحة؛ لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض، ولا على القوة والملك والنعمة والصلة، لأن الاشتراك يقع حينئذ. بين وليه آدم وعدوه إبليس، ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه؛ لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن تحمل على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة؛ ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجد أنه كتب التوراة بيده، وغرس دار الكرامة بيده لأهل الجنة، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها.
مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين ) . فأحد الجنسين نعمة الدنيا، والثاني نعمة في الآخرة. قيل: نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة؛ كما قال: « وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة » [ لقمان: 20 ] . وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه
النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك ) . وقيل: نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما. وقيل: إن النعمة للمبالغة؛ تقول العرب
لبيك وسعديك ) وليس يريد الاقتصار على مرتين؛ وقد يقول القائل: ما لي بهذا الأمر يد أو قوة. قال السدي؛ معنى قوله ( يداه ) قوتاه بالثواب والعقاب، بخلاف ما قالت اليهود: إن يده مقبوضة عن عذابهم. وفى صحيح مسلم عن أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
يمين الله ملأى لا يغيضها سخَّاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض ) . السخاء الشيء الكثير. ونظير ينقص؛ ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره: « والله يقبض ويبسط » [ البقرة: ] . وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود « بل يداه مبسوطتان » [ المائدة: ] حكاه الأخفش، وقال يقال: يد بسطة، أي منطلقة منبسطة. « ينفق كيف يشاء » أي يرزق كما يريد. ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة؛ أي قدرته شاملة، فإن شاء وسع وإن شاء قتر. « وليزيدن كثيرا منهم » لام قسم. « ما أنزل إليك من ربك » أي بالذي أنزل إليك. « طغيانا وكفرا » أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم. « وألقينا بينهم » قال مجاهد: أي بين اليهود والنصارى؛ لأنه قال قبل هذا « لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء » [ المائدة: 51 ] . وقيل: أي ألقينا بين طوائف اليهود، كما قال: « تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى » [ الحشر: 14 ] فهم متباغضون متفقين؛ فهم أبغض خلق الله إلى الناس. « كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله » يريد اليهود. و « كلما » ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم. وقيل: إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فأرسل عليم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين؛ فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهادوا شرا، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم « أطفأها الله » وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار. قال قتادة: أذلهم الله عز وجل؛ فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس، ثم قال عز وجل: « ويسعون في الأرض فسادا » أي يسعون في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد، والله أعلم. وقيل: المراد بالنار هنا نار الغضب، أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفأها الله حتى يعفوا؛ وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم.
إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف مصلتا في يده فقال لي: من يمنعك مني - قال - قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني - قال - قلت الله قال فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم
لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعر فت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية ) وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل: « والله يعصمك من الناس » فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا احتاج إلى من يحرسني ] .
إنه ) بمعنى ( نعم ) ، وهذه ( الهاء ) أدخلت للسكت.
أكلوني البراغيث ) وعليه قول الشاعر:
وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير خرجه أبو داود؛ ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة؛ لقوله تعالى: « ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم » فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها؛ وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث. ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ) زاد النسائي ( وليكفر عن يمينه ] ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها؛ وكان معنى قوله تعالى: « إذا حلفتم » أي إذا حلفتم وحنثتم. وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات. وقال الشافعي: تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة، ولا تجزئ بالصوم؛ لأن عمل البدن لا يقوم قبل وقته. ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة؛ وهو القول الثالث.
أهاليكم ) وهذا جمع مكسر؛ قال أبو الفتح: أهال بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات؛ والعرب تقول: أهل وأهلة. قال الشاعر:
أو كإسوتهم ) يعني كإسوة أهلك. والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد أو الساتر لجميع الجسد؛ فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة، وهو الدرع والخمار، وهكذا حكم الصغار. قال ابن القاسم في ( العتبية ) : تكسى الصغيرة كسوة كبيرة، والصغير كسوة كبير، قياسا على الطعام. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد؛ وفي رواية أبي الفرج عن مالك، وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة: ما يستر جميع البدن؛ بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك. وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم الثوب التبان؛ أسنده الطبري. وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها رأسه، وهو قول الثوري. قال ابن العربي: وما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الرجوع فأقول به، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه؛ والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه.
من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ) .
رجس ) سخط وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس. والرجز بالزاي العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير. والرجس يقال للأمرين. ومعنى « من عمل الشيطان » أي بحمله عليه وتزيينه. وقيل: هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها.
خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور ) . اللفظ للبخاري؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وفي كتاب مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ] . وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا: لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة؛ لأنه تقييد مطلق. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: [ ويرمي الغراب ولا يقتله ] . وبه قال مجاهد. وجمهور العلماء على القول بحديث ابن عمر، والله أعلم. وعند أبي داود والترمذي: والسبع العادي؛ وهذا تنبيه على العلة.
نفلنيه ) ظاهره الخصوص. والله أعلم.
هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) .
فله القيمة ) وعليه أكثر الفقهاء.
ومن القائل ) ؟ قالوا: فلان؛ قال: [ والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما أطقتموها ولو لم تطيقوها لكفرتم ] فأنزل الله تعالى: « يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم » الآية. وقال الحسن البصري في هذه الآية: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه. وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ وهو قول سعيد بن جبير؛ وقال: ألا ترى أن بعده: « ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام » [ المائدة: 103 ] .
هبل ) فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه؛ فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه « ما جعل الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام » . « ولكن الذين كفروا » يعني من قريش وخزاعة ومشركي العرب « يفترون على الله الكذب » بقولهم: إن الله أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله، وطاعة الله إنما تعلم من قوله، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول، فكان ذلك مما يفترونه على الله. وقالوا: « ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا » [ الأنعام: 139 ] يعني من الولد والألبان « ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة » [ الأنعام: 139 ] يعني إن وضعته ميتا اشترك فيه الرجال والنساء؛ فذلك قوله عز وجل: « فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم » [ الأنعام: 139 ] أي بكذبهم العذاب في الآخرة « إنه حكيم عليم » [ الأنعام: 139 ] أي بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه: « قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون » [ يونس: 59 ] وأنزل عليه: « ثمانية أزواج » [ الأنعام:143 ] وأنزله عليه: « وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه » [ الأنعام: 138 ] .
لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا ) . ويروى أن أعرابيا كان يسير على جمل له؛ فخر الجمل ميتا فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما لك لا تقوم ؟! ما لك لا تنبعث ؟! هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة؛ ما شأنك ؟! ما الذي كان يحملك ؟! ما الذي كان يبعثك ؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن الحركة منعك ؟! ثم تركه وانصرف متفكرا في شأنه، متعجبا من أمره.
يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا « كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين » [ الأنبياء: 104 ] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: « وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم » قال: فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )
اللهم أمتي ) وبكى فقال الله عز وجل
يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير ومعناه إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ووجه الكلام على نفسه أولى لما بيناه وبالله التوفيق.






المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير سورة المائدة لابن عثيمين | وميض الأمل | القسم الاسلامي | 1 | 28 - 12 - 2017 07:31 AM |
| تفسير سورة النساء للقرطبي | وميض الأمل | القسم الاسلامي | 1 | 18 - 12 - 2017 07:12 AM |