

يَسْطُرُونَ) قال الإمام البخاري قال قتادة: يخطّون، وقال الحافظ: "أي: يكتبون". قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعليم بالقلم، فقف وقفة في حال الكتابة، وتأمل حالك وقد أمسكت القلم وهو جماد، ووضعته على القرطاس وهو جماد، فتولَّد من بينهما أنواع الحكم وأصناف العلوم، وفنون المراسلات والخطب، والنظم والنثر، وجوابات المسائل. فمن الذي أجرى تلك المعاني على قلبك ورسمها في ذهنك، ثم أجرى العبارات الدالة عليها على لسانك، ثم حرَّك بها بنانك حتى صارت نقشاً عجيباً، معناه أعجب من صورته، فتقضي به مآربك وتبلغ به حاجة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية، والجهات المتباعدة، فيقوم مقامك ويترجم عنك، ويتكلم على لسانك ويقوم مقام رسولك".
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى(11)أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى(12). وإذا لزمته حاجة لجأ إلى غيره، أو لجأ إليه مع غيره، وإذا اضطر إليه وحده فسرعان ما ينقلب إلى أصله الخبيث بعد زوال العلة ويعود إلى الكفر والشرك. وهذا الفعل منه تكذيب لله تعالى لذا قال: (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى(13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى(14).
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46) اعترفوا بالتكذيب لله وهم في نار جهنم بعد اعترافاتهم السابقة بالتكذيب قبل دخولها، ومنها على سبيل المثال: ما نقله الله تعالى عنهم في سورة الأنعام بقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(27).
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ). وقد تقدم في سورة المدثر هذه المقابلة في قوله تعالى
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا(12) وَبَنِينَ شُهُودًا(13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)فاستحق ما توعَّده الله تعالى بقوله:(سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)وقوله:(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ).
إِنَّا لَضَالُّونَ)، أي: تهنا عنها. قال البقاعي: "ولمّا انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال". (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(27) فتنبهوا لمّا اتضح لهم أنها هي بعينها، وعرفوا أنهم لم يخطئوا الطريق وأنهم حرموا جنتهم، وأنها العقوبة.
لَوْلا) بمعنى: هلاَّ تسبحون الله وتشكرونه على ما أولاكم وأعطاكم؟
فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49) وفيها التعجيب من أمر نفورهم دون مقتضى لهذا النفور، والنعمة كل النعمة أن يلحق المرء بركب الدعوة الصحيحة منذ فجرها، وأن لا يعرض عنها، ولا يمنع الآخرين من اللحاق بها، بل يُحرَم المتأخر عنها إدراك ما فيها من الخير والبركة، فإن كان إعراضه من باب تقديم الدنيا على الآخرة مع إيمانه أن هذه الدعوة دعوة صالحة وصحيحة، فيخشى عليه ما أصاب الله به أصحاب الجنة من الندامة إذ عادوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: يا ويلنا إنا كنا طاغين.
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(36) أي: ماذا حصل لكم من فساد الرأي وخبل العقل حتى قلتم ما قلتم؟!!
أفنجعل المجرمين كالمسلمين) في الأجر والمثوبة؟ فقلب التشبيه ليكون أبلغ وأروع. وانتقل إلى استفهام آخر زيادة في التهكم والسخرية فقال: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ(37) فإذا كان الجواب عن الاستفهام الأول مرفوض عقلاً، فهل في الجواب عن الاستفهام الثاني مخرج، فهل بأيديكم كتاب نزل من السماء تقرؤونه وتدرسونه يتضمن حكماً يؤكد ادعاءكم؟ ومعنى الدرس هنا: كثرة القراءة.
تَدْرُسُونَ) نابع من تبصر ووعي بنتائج الأفعال ومردودها. وبعد أن وبَّخهم على جهلهم في الحكم، انتقل إلى توبيخهم على كذبهم في الادّعاء. (إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ(38)
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) فعلى الداعي إلى الله تعالى أن يكون صبوراً عند متابعة التذكير مهما لاقى من أذى وإزعاج مستسلماً لحكم ربه عز وجل راضياً بقضائه وقدره، لأن وراء هذا الأمر من الصبر حكمة اقتضاها الله عز وجل.
وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) أي: فلا تستعجل ـ يا محمد ـ بعقوبة قومك كما استعجل يونس فلقى ما لقى، وتثبت عند جريان حكمنا، ولا تعارض تقديرنا. وفي الآية نهي عن الغضب والعجلة التي وقع فيها يونس ـ عليه السلام ـ. والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما نهي عن التشبه بيونس ـ عليه السلام ـ في السبب الذي أفضى به إلى المناداة، وهو مغاضبته ـ عليه السلام ـ التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدَّة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو (مَكْظُومٌ) أي: مغموم.
لَيُزْلِقُونَكَ) بلام التأكيد للإشعار بتصميمهم على هذه الكراهية، وحرصهم عليها. قال ابن كثير: "وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ـ عز وجل ـ كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة". ولمّا كان الداعي إلى حسد الخبثاء سماع القرآن العظيم لأنه النِّعمة العظمى أكَّد الله ـ على أهميته ـ وأغلق السورة بذكره، فمن أراد الانتفاع به فعليه أن يتذكر أنه كلام الله تعالى، ومن أصر على الضلال فهو المفتون المجنون، لذا قال: (وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(52) قال الشنقيطي: "فيه عود آخر السورة على أولها. وأن الكفار إذا سمعوا الذكر شخصت أبصارهم نحو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرمونه بالجنون. والرد عليهم بأن هذا الذي سمعوه ليس بهذيان الجنون.(وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)وفيه ترجيح القول بأن المراد بنعمة ربك في أول السورة إنما هي ما أوحاه إليه من الذكر".
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير قصة اصحاب الجنة في سورة القلم | **ماريا** | القسم الاسلامي | 1 | 16 - 04 - 2018 06:45 AM |
| قصة اصحاب الجنة في سورة القلم تفسير ابن كثير | **ماريا** | القسم الاسلامي | 0 | 16 - 06 - 2013 12:43 AM |
| تفسير قصة اصحاب الجنة الواردة في سورة القلم | **ماريا** | القسم الاسلامي | 0 | 16 - 06 - 2013 12:42 AM |
| تفسير سورة القلم قصة اصحاب الجنة | **ماريا** | القسم الاسلامي | 0 | 16 - 06 - 2013 12:40 AM |