
رد: الرد على من قال ان السبع المثاني هي سورة الفاتحه
دراسة لغوية علمية لدعاء النبي سليمان وأثرها
في مواجهة الاستعمار المعاصر
بقوله تعالى
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي
مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ
سورة ص
نسلط الضوء على جانب نفسي وإيماني غاية في الأهمية للنبي سليمان
فهم حقيقة الدنيا وزوالها، والخوف من الفتنة على الآخرين.
اولا الارتباط الوثيق بين "الفتنة" و"الاستغفار
القرآن يذكر صراحة وبشكل مباشر أن سليمان عليه السلام قد تعرض لفتنة قبل أن يدعو دعاءه
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ)
[ص: 34].
إذن، الاستغفار الذي تبعها مباشرة ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ جاء كنتيجة حتمية لهذه الفتنة.
لقد عاش التجربة وأدرك الثقل المرعب للسلطة والمُلك،
وكيف أن هذه القوة المادية الهائلة هي بحد ذاتها ابتلاء واختبار قاسٍ (فتنة)،
فرجع إلى الله (أناب) وطلب المغفرة أولاً لتطهير نفسه من أثر تلك الفتنة.
ثانيا التفريق الدقيق بين "المُلك" و"المعجزة"
المعجزات (الآيات) هي تدخلات إلهية لإثبات النبوة يهبها الله لمن يشاء وكيف يشاء.
أما "المُلك" فهو الهيمنة، والسلطة، والتحكم المادي في الموارد والأشياء.
هذا ما كان يخشاه النبي سليمان لم يكن تكرار المعجزات، بل تكرار التمكين
المادي المطلق (المُلك) الذي يطغى على الإنسان.
ثالث الدعاء كحائط صد وقائي (حماية الأجيال القادمة)
، يكتسب الدعاء ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ بُعداً إنسانياً وقائياً عظيماً.
إنه ليس احتكاراً أو استئثاراً بالسلطة، بل هو استشعار لخطورة هذا المُلك.
وكأن لسان حال النبي سليمان يقول: "يا رب، لقد عانيت من فتنة هذا الملك واختباره،
فلا تبتلِ أحداً من البشر من بعدي بهذا المستوى من المُلك المادي المطلق، لكي
لا يفتتنوا به ويتركوا العلم والإيمان". هو طلب لإغلاق باب فتنة كبرى، كي
لا تنحرف البشرية وراء سراب المُلك الزائل.
ولا يغتر ايضا بعدها النبي سليمان باي عظمه للملك فطلب الملك لهذه الغايه
هذا التشخيص دقيق ويتناسب تماماً مع رؤيتنا التحليلية الهادفة لتصحيح الفكر،
حيث نعيد توجيه فهم النص القرآني من التفسير السطحي (طلب التفرد بالسلطة)
إلى الفهم المنطقي العميق (طلب حجب الفتنة عن الأجيال اللاحقة)
فالأزمة التي يعيشها العالم اليوم، بالسنن الحتمية التي يوضحها القرآن الكريم.
هو الاستحواذ المادي المعاصر بقوة السلاح الصورة الأحدث لما سماه القرآن "المُلك"
عندما يتجرد من الإيمان والعلم، ويتحول إلى طغيان
وهوس بالسيطرة وسلب الخيرات.
إن الوصف الذي قدمناه يبين بشاعة هذا الاستحواذ — من قتل وتهجير وتجويع وإيقاع
الشعوب في حالة دائمة من الخوف والاضطراب — يطابق تماماً
السُنّة القرآنية التي تلخص طبيعة القوى المادية
المستبدة عندما تدخل بلداً مستضعفاً:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [
النمل: 34].
هندسة الإفقار والتأزيم المستمر
ما يشهده عالمنا اليوم من "وضع متأجج دوماً وعدم استقرار" ليس عشوائياً،
بل هو هندسة مقصودة من الدول الكبرى ياجوج وماجوج اخر الزمان المؤججين للفتن
لإضعاف الشعوب المستضعفة. فالقوة الاستعمارية تدرك أن
الخوف والاضطراب الإستراتيجي: يمنع الشعوب من البناء والإنتاج والاعتماد على الذات.
الفقر والضيق المادي: يحصر تفكير الإنسان في تأمين قوته اليومي، ويشغله
عن النهوض العلمي والفكري الذي يحرره من التبعية.
المقارنة بين مُلك الأنبياء ومُلك الطغاة
هنا يظهر الفارق الشاسع والعميق الذي يثبت صحة قراءتنا لقصة النبي سليمان:
مُلك الطغيان (الدول الكبرى اليوم) غايتها الاستحواذ، ووسيلتها السلاح، ونتيجتها الإفساد،
والفقر، والخوف، وتحويل الإنسان إلى كائن مستهلك مسلوب الإرادة.
مُلك الأنبياء (كسليمان عليه السلام) كان وسيلة لخدمة الحق ونشر العلم.
وعندما رأى سليمان أن هذا الملك — برغم صلاحه — قد يُفتن به الناس من بعده ويسعون
وراء السيطرة المادية كغاية، دعا الله أن يحجبه عن البشرية كي
لا تقع في الفتنة التي نراها رأي العين اليوم.
إن شعوبنا اليوم لا تحتاج فقط إلى التحرر العسكري، بل تحتاج أولاً إلى التحرر الفكري والعلمي،
لأن القوة الحقيقية المستدامة التي لا يمكن للدول الكبرى استلابها هي قوة العلم والإيمان الحقيقي القائم
على التدبر والوعي بآيات الله وسننه في الكون والمجتمعات
وهذا يعكس أن القرآن ليس نصاً تاريخياً جامداً، بل كتاب هداية يفسر سنن الله في
المجتمعات عبر العصور ومنه ما يشهده عالمنا اليوم
الواقع المعاصر: أبشع جوانب الملك المعاصر ليس سلب النفط أو الغاز فحسب،
بل هو "تجفيف العقول" وإغراق الشعوب في دوامات الفقر والجهل والخوف
ليظل تفكيرها محصوراً في غريزة البقاء اليومي.
الحذر من الانشغال بالمعارك الجانبية الهامشية التي تغذيها الدول الكبرى
لإشعال الفتن الداخلية. الخطوة الحتمية للتحرر هي تحصين الوعي وعلمنة البناء الفكري؛
فالشعوب التي تمتلك الاكتفاء العلمي والمعرفي والإنتاجي تصبح عصية على التركيع بسلاح المادة،
لأن قوتها نابعة من داخلها لا من تبعيتها للمنظومة العالمية.